مسألة: (فإن تركها تهاونا استتيب ثلاثا. فإن تاب وإلا قتل)

137 paragraphs · vol. 3, p. 47

Page 3 of 4

  1. السادس: أنه بيَّن أنها آخر الدين، فإذا ذهب آخره ذهب كلُّه.

    vol. 3, p. 77
  2. السابع: أنه بيَّن أنَّ الصلاة هي العهد الذي بيننا وبين الكفار، وهؤلاء هم الخارجون (١) عن الملَّة، ليسوا الداخلين فيها. واقتضى ذلك (٢) أنَّ مَن ترك هذا العهد فقد كفَر، كما أنَّ من أتى به فقد دخل في الدين. ولا يكون هذا إلا في الكفر المُخرِج عن الملَّة.

    vol. 3, p. 78
  3. الثامن: أنَّ قول عمر: «لا حظَّ في الإسلام لمن ترك الصلاة» أصرحُ شيء في خروجه عن الملَّة. وكذلك قول ابن مسعود وغيره، مع أنه بيَّن أنَّ إخراجها عن الوقت ليس هو المكفِّر (٣) ، وإنما هو الترك بالكلِّيّة، وهذا لا يكون إلا فيما يُخرِج عن الملَّة.

  4. التاسع: ما تقدَّم من حديث معاذ، فإنَّ فسطاطًا على غير عمود لا يقوم، كذلك الدين لا يقوم إلا بالصلاة (٤) .

  5. وفي هذه الوجوه ما (٥) يُبطِل قولَ من حملها على من تركها جاحدًا، مثلَ (٦) قوله: «كانوا لا يرون شيئًا من الأعمال تركُه كفرٌ» وقوله: «ليس بين العبد وبين الكفر» وغير ذلك، مما يوجب اختصاص الصلاة (٧) بذلك. وتركُ الجحود لا فرق فيه بين الصلاة وغيرها. ولأن الجحود نفسه هو الكفر من غير

    vol. 3, p. 79ترك، [٢٣٢/أ] حتى لو فعلها مع ذلك لم ينفعه، فكيف يُعلَّق (١) الحكمُ على ما لم يُذكَر. ولأنَّ المذكور هو الترك، وهو عامٌّ في من تركها جحودًا أو تكاسلًا. ولأن هذا عدولٌ (٢) عن حقيقة الكلام من غير مُوجِب، فلا يلتفت إليه.

  6. وأما الأحاديث المطلقة في الشهادتين، فعنها أجوبة (٣) :

    أحدها: أن الزهري يقول: كان هذا قبل أن تنزل الفرائض، ثم نزلت فرائض نرى أنَّ الأمر (٤) انتهى إليها. فمن استطاع أن لا يغترَّ فلا يغترَّ (٥) .

  7. الثاني: أنها مطلقة عامَّة، وأحاديث الصلاة مقيَّدة خاصَّة، فيُبنى (٦) المطلَق على المقيَّد كما (٧) روى الإمام أحمد في «مسنده» عن معاذ بن جبل قال: سمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «مَن لقيَ الله لا يشرك به شيئًا، يصلِّي الخمسَ ويصوم رمضان، غُفِر له» . قلتُ: أفلا (٨) أبشِّرهم يا رسولَ الله؟ قال: «دَعْهم يعمَلوا» (٩) . ويحقِّق هذا أنَّ مَن جحد آيةً من كتاب الله تعالى أو عَلَمًا

    vol. 3, p. 80ظاهرًا من أعلام الدين، فهو كافر وإن اندرج (١) في هذه العمومات.

  8. الثالث: أنه - صلى الله عليه وسلم - قصَد بيانَ الأمر الذي لا بدَّ منه في جميع الأشياء، والذي قد يُكتفَى به عن غيره في جميع الخلق، وهو الشهادتان؛ فإنَّ الصلاة قد لا تجب على الإنسان، إذا أسلم ومات قبل الوقت. وربَّما أخَّرها ينوي قضاءَها ومات قبل ذلك.

  9. الرابع: أنَّ هذا كلَّه محمول على من يؤخِّرها عن وقتها وينوي قضاءها أو يحدِّث به نفسه، كالأمراء الذين كانوا يؤخِّرون الصلاة [٢٣٢/ب] حتى يخرج الوقت. وكما فسَّره ابن مسعود وبيَّن أنَّ تأخيرها عن وقتها من الكبائر، وأنَّ تركَها بالكلِّية كفر. ولذلك (٢) أمر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالكفِّ عن قتال هؤلاء الأئمة ما صلَّوا. فعُلِم أنهم لو تركوا الصلاةَ لَقُوتِلوا. والإمام لا يجوز قتاله حتى يكفُر، وإلا فبمجرَّد الفسق لا يجوز قتاله. ولو جاز قتالُه بذلك لقوتل على تفويتها، كما يقاتل على تركها. وهذا دليل مستقلٌّ في المسألة. ويُحمَل أيضًا على من يُخِلُّ ببعض فرائضها في بعض (٣) الأوقات وشبه ذلك. فأمَّا من لم يصلِّ (٤) قطُّ في طول عمره، ولم يعزم على الصلاة، ومات على غير توبة أو خُتِم له بذلك= فهذا كافر قطعًا. وكذلك قوله: «من لم يُحافِظ عليها»

  10. فإنه يُفهَم منه فعلُها مع الإخلال بالمحافظة.

    vol. 3, p. 81
  11. ومثل ذلك ما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: سمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إنَّ أول ما يحاسَب به العبد يوم القيامة: الصلاة المكتوبة. فإن أتمَّها وإلا قيل: انظُروا هل له (١) من تطوُّع؟ فإنْ كان له تطوُّعٌ (٢) أُكمِلَت (٣) الفريضة من تطوعه. ثم يُفعَل بسائر الأعمال المفروضة مثلُ ذلك» رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وقال: حديث حسن (٤) (٥) .

  12. وأيضًا فإن الإيمان عند أهل السنة والجماعة قول وعمل، كما دلَّ عليه

    vol. 3, p. 82الكتاب والسنة، وأجمع عليه السلف، على (١) ما هو مقرَّر في موضعه. فالقولُ تصديق الرسول، والعملُ تصديق القول؛ فإذا خلا العبد عن العمل بالكلِّية لم يكن مؤمنًا. [٢٣٣/أ] والقولُ الذي يصير به مؤمنًا قول مخصوص، وهو الشهادتان، فكذلك العمل هو الصلاة.

  13. وأيضًا ما احتجَّ به ابن شَاقْلا (٢) ، ويذكر عن الإمام أحمد: أنَّ إبليس بامتناعه عن السجود لآدم قد لزمه الكفرُ واللعنةُ، فكيف من يمتنع عن السجود لله تعالى؟ وهذا لأنَّ الكفر لو كان مجرَّد الجحد أو إظهار الجحد (٣) لما كان إبليس كافرًا، إذ هو (٤) خلاف نصِّ القرآن.

  14. وأيضًا فإنَّ حقيقة الدين هو الطاعة والانقياد، وذلك إنما يتمُّ بالفعل، لا بالقول فقط. فمن لم يفعل لله شيئًا فما دان لله (٥) دينًا، ومن لا دين له فهو كافر.

  15. فأما قياس الصلاة على غيرها من الأركان، فقد ذكر أبو بكر (٦) عن أحمد أنه يصبح (٧) مرتدًّا بترك الأركان الخمسة.

  16. وعنه: أنه بترك الصلاة والزكاة فقط.

    vol. 3, p. 83
  17. وعنه: بترك الصلاة والزكاة إذا قاتل الإمام عليها.

  18. وعنه: بترك الصلاة فقط (١) .

  19. وبكلِّ حال، فالصلاة لها شأنٌ انفردت به عن سائر الأعمال، ويتبيَّن ذلك من وجوه، نذكر بعضَها مما انتزعه الإمام أحمد (٢) وغيره.

  20. أحدها: أنَّ الله سمَّى الصلاة إيمانًا بقوله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: ١٤٣] ، يعني: صلاتَكم إلى بيت المقدس؛ لأنَّ بالصلاة (٣) يُصدِّق عملُه قولَه، وتحصل طمأنينة القلب واستقراره إلى الحق. ولا يصحُّ أن يكون المراد به مجرَّد تصديقهم بفرض الصلاة، لأن هذه الآية نزلت فيمن صلَّى إلى بيت المقدس، ومات ولم يدرك [٢٣٣/ب] الصلاة إلى الكعبة. ولو كان المراد به (٤) مجرَّد التصديق لَشَرِكَهم في ذلك كلُّ الناس إلى (٥) يوم القيامة فإنهم يصدِّقون بأن الصلاة (٦) إلى بيت المقدس إذ ذاك كانت حقًّا، ولم يتأسَّفوا على تصديقهم بفرض معين لم ينزل (٧) ، كما لم يتأسَّفوا على

    vol. 3, p. 84ترك تصديقهم بالحج وغيره من الفرائض. ولم يكن اعتبار (١) تصديقهم بالصلاة فقط أولى من تصديقهم بجميع ما جاء به الرسول. هذا مع أنه خروج عمَّا عليه أهل التفسير وعمَّا يدل عليه الكلام.

  21. الثاني (٢) : أنَّ الله افتتَح أعمالَ المفلحين بالصلاة فقال: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ}، وختمها بالصلاة فقال: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ (٣) يُحَافِظُونَ} [المؤمنون: ١ - ٩] .

  22. وكذلك ثُنْياه (٤) في قوله: {إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ} إلى قوله: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المعارج: ٢٢ - ٣٤] ، الآيات، جمعَتْ (٥) خصالَ أهل الجنة، وملاكُها: الصلاة (٦) .

  23. الثالث (٧) : أن الله تعالى خصَّها بالأمر بعد أن تدخل في عموم المأمور به، فقال لنبيه: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ} . وتلاوة الكتاب: اتباعُه،

    vol. 3, p. 85والعملُ بما فيه من جميع شرائع الدين. ثم قال: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ} [العنكبوت: ٤٥] فخصَّها بالذكر تمييزًا لها وتخصيصًا (١) .

  24. وكذلك قوله: {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ} [الأنبياء: ٧٣] ، خصَّهما بالذكر مع دخولهما (٢) في جميع الخيرات. وكذلك (٣) قوله تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} [الأنبياء: ٩٠] .

  25. وكذلك قوله تعالى: {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة: ١٣] [٢٣٤/أ] فإنَّ في طاعة الله ورسوله فعل جميع الفرائض، وخصَّ الصلاة والزكاة بالذكر.

  26. وكذلك: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ} [الحج: ٧٧] .

  27. وكذلك قوله: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [البقرة: ٤٥] ، فإنَّ الصبر وإن كان هو حبسَ [النفس] (٤) عن المكروهات، فإنَّ فيه فعلَ جميع العبادات.

  28. وكذلك قوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى: ١٤ - ١٥] ، فإن الزكاة (١) تعُمُّ العمل الصالح كلَّه وإن خصَّ بالصدقة وغيرها.

    vol. 3, p. 86
  29. وكذلك (٢) قوله: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: ٩٧ - ٩٩] ، فإنَّ العبادةَ (٣) تعُمُّ جميعَ الطاعات، وقد خُصَّت الصلاة بالأمر بذلك (٤) والاصطبار عليها (٥) .

  30. وكذلك قوله تعالى لِنجيِّه (٦) : {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه: ١٤] ، فإنَّ عبادة الله تعُمُّ جميعَ الأعمال الصالحة، ثم خَصَّ الصلاةَ بالذكر.

  31. وقوله لبني إسرائيل {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي} [البقرة: ٤٠] ينتظم جميعَ الفرائض، ثم قال: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [البقرة: ٤٣] .

  32. الرابع: أنَّ كلَّ عبادة من العبادات، فإنَّ الصلاة مقرونة بها (٧) فإذا ذكرت

    vol. 3, p. 87الزكاة (١) قيل: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} . وإذا (٢) ذكرت المناسك قيل: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: ٢] ، {إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي} [الأنعام: ٦٢] . وإن ذكر الصوم (٣) قيل: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة: ٤٥] ، فإنَّ الصبر المعدود من المباني (٤) هو الصوم، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [٢٣٤/ب] «صومُ شهرِ الصَّبر وثلاثةِ أيام من كلِّ شهر» (٥) .

  33. الخامس: أنَّ الله أمر نبيَّه أن يأمر أهله بالصلاة والاصطبار عليها (٦) فقال: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا} [طه: ١٣٢] ، مع أنه مأمور بالاصطبار على جميع العبادات لقوله (٧) : {وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ} [مريم: ٦٥] ، وبإنذارهم بجميع الأشياء لقوله: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: ٢١٤] .

  34. السادس: أنَّ الله فرضها ليلة الإسراء، وأمر بها نبيَّه بلا توسُّطِ رسول ولا غيره.

    vol. 3, p. 88
  35. السابع: أنه أوجبها على كلِّ حال، ولم يعذِر بها مريضًا ولا خائفًا ولا مسافرًا ولا منكسرًا به ولا غير ذلك، بل وقع التخفيف تارةً في شرائطها، وتارةً في عددها، وتارةً في أفعالها؛ ولم تسقط مع ثبات العقل قطُّ (١) .

  36. الثامن: أنه اشترط لها أكملَ الأحوال من الطهارة، والزينة باللباس، والاستقبال، مما لم يشترط في غيرها.

  37. التاسع: أنه استعمل فيها جميع أعضاء الإنسان من القلب واللسان وسائر الجوارح، وليس ذلك لغيرها.

  38. العاشر: أنه نهى أن يشتغل فيها بغيرها حتى باللحظة (٢) واللفظة والفكرة.

  39. الحادي عشر: أنها أولُ ما يجب من الأعمال، وآخرُ ما يسقط وجوبه.

  40. الثاني عشر: أنها دين الله الذي يدين به أهل السماء (٣) والأرض، وهي مفتاح شرائع الأنبياء كلِّهم؛ فإنَّ كلَّ من دان اللهَ من العقلاء فإنَّ عليه الصلاة (٤) . [٢٣٥/أ] ولم يُبعث نبيٌّ إلا بالصلاة، بخلاف الصوم والحجِّ والزكاة. ولهذا قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لما اشترطوا أن لا يُجَبُّوا (٥) ، يعني: لا يركعوا:

    vol. 3, p. 89«لا خيرَ في دينٍ لا تجبيةَ (١) فيه» (٢) .