مسألة: (الشرط الثالث: ستر العورة بما لا يصف البشرة)

19 paragraphs · vol. 3, p. 254

  1. أمَّا ستر العورة عن أعين الناظرين بما لا يصف البشَرة، فواجب في الجملة في الصلاة وخارج الصلاة، وقد تقدَّم بعض هذا في باب الغسل؛ لقوله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} [النور: ٣٠] . وحفظُ الفرج يعمُّ حفظَه من مسِّ من لا يحِلُّ له مسُّه بجماع وغير جماع، ومن النظر إليه (٣) . بل قد قال بعض التابعين (٤) : إنه عُني به هنا النظرُ، لأنَّه قرنه بغضِّ البصر، ولأنه ذكر معه استتار النساء عن رؤية الرجال.

    vol. 3, p. 254
  2. ولقوله سبحانه: {يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} إلى قوله: {يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا} ، وقوله: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً} يريد كشف السوءة ونحوه {قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: ٢٦ - ٢٨] . وهذه الآيات كلُّها تتضمَّن فرضَ ستر

    vol. 3, p. 255العورة، وذمَّ من يتديَّن بغير ذلك في حال من الأحوال.

  3. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاوية بن حَيدة القشيري جدِّ بَهْز بن حكيم بن معاوية بن حَيدة القشيري: «احفَظْ [ص ٦٩] عورتَك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك» . قال: فالقوم (١) يكون بعضهم في بعض؟ قال: «إن استطعتَ أن لا يرَينَّها أحدٌ، فلا يرَيَنَّها» (٢) . وأمَر من كشف فخذه أن يغطِّيه، وقال: «الفخذ عورة» (٣) .

  4. فعُلِم أنَّ العورة يجب ستُرها. وفرَض على داخل الحمَّام أن لا يدخل إلا بمئزر (٤) . وهذا كثير تقدَّم بعضه (٥) .

  5. ويجب سترها في الخلوة وغيرها إلا من حاجة. وقال القاضي: يكره التعرِّي في الخلوة، ولا يحرم. ومن أصحابنا من يحكيها على روايتين (١) . والأول أبيَن في كلام أحمد، وأشبَه بظاهر السنَّة، لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لمعاوية بن حَيدة: «فالله أحقُّ أن يستحيا منه» لمَّا قال له: فإن كان أحدُنا خاليًا؟ ونهى أن يحتبي الرجل في ثوب واحد، يفضي بفرجه إلى السماء. وفي لفظ: ليس على فرجه منه شيء. رواه الجماعة (٢) .

    vol. 3, p. 256
  6. وعن ابن عمر أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إيَّاكم والتعرِّي، فإنَّ معكم مَن لا يفارقكم إلا عند الغائط، وحين يفضي الرجل إلى أهله. فاستَحْيُوهم، وأكرِمُوهم» رواه الترمذي (٣) .

  7. وعن عتبة بن عبد (٤) السُّلَمي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أتى أحدُكم أهلَه فليستتِرْ ولا يتجرَّدا تجرُّدَ العَيرَين» رواه ابن ماجه (٥) .

  8. ولأنَّ الله أحقُّ أن يستحيا منه من الناس، وكذلك ملائكته وغيرهم من خليقته. فتجب السترة في الخلوة، كما تجب عن أعين الناس. ولهذا وجبت في الصلاة خلوةً. وليس الاستتار لأجل الاستخفاء من الله تعالى، إذ هو سبحانه بصير لا تخفى عليه خافية، وإنما ذلك ظنُّ الذين كفروا، والذين أخبر الله عنهم بقوله: {أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} [هود: ٥] . ولكن يعني الاستحياءَ منه مبلغَ الجهد، كما أخبر الله تعالى عن آدم وحوَّاء حين بدت سوآتهما أنهما طفقا يخصِفان عليهما من ورق الجنة.

    vol. 3, p. 257
  9. وكما كان أبو بكر الصدِّيق - رضي الله عنه - يقول: أيها الناس استحيُوا من الله، فإنِّي لَأدخل الخلاء، فأحني ظهري حياءً من ربِّي (١) . وكذلك قال أبو موسى في الاغتسال (٢) .

  10. فصل

    وأما التزيُّن للصلاة، فأمر زائد على ستر العورة. والأصل فيه: الكتابُ والسنَّة، والإجماع.

  11. أما الكتاب، فقوله سبحانه وتعالى: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ}

  12. [الأعراف: ٣١] ، أنزله الله سبحانه لما كان المشركون يطوفون بالبيت عراةً إلا الحُمْسَ، ويقولون: ثيابٌ عصينا الله فيها لا نطوف فيها، إلا الحمسَ لفضلهم في أنفسهم، وهم [ص ٧٠] قريش ومن دان دينها، وكان من حصل له ثوب أحمسيٌّ طاف فيه، ومن لم يحصل له ثوب أحمسيٌّ طاف عريانًا؛ فإن طاف في ثوبه حرُم عليه. فحرَّم الله ذلك، وأمر بأخذ الزينة، وهي اللباس، ولو كان عباءةً. وأمر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر أن ينادي بالناس عام حَجَّ: «ألا لا يطوفَنَّ بالبيت عريان» متفق عليه (١) .

    vol. 3, p. 258
  13. وكلُّ محلٍّ للسجود فهو مسجد. وهذا يدل على أن السترة للصلاة والطواف أمرٌ مقصودُه التزيُّنُ لعبادة الله. ولذلك جاء باسم الزينة، لا باسم السترة، ليبيِّن أنَّ مقصوده أن يتزيَّن العبدُ، لا أن يقتصر على مجرَّد الاستتار.

  14. وأما السنَّة، فقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» (٢) . وقوله: «إذا ما اتسع الثوبُ، فتَعاطَفْ به على منكبيك، ثم صلِّ. وإذا ضاق عن ذلك فشُدَّ به حَقْوَيْك، ثم صلِّ من غير ردٍّ له (٣) » (٤) وغير ذلك من

    vol. 3, p. 259الأحاديث، وسنذكر إن شاء الله تعالى بعضَها.

  15. وأما الإجماع، فقال أبو بكر بن المنذر (١) : أجمع أهل العلم على أنَّ على المرأة الحرَّة البالغة أن تخمِّر رأسها إذا صلَّت، وعلى أنها إذا صلَّت وجميعُ رأسها مكشوفٌ أنَّ عليها إعادة الصلاة. وكذلك حكى غيره الإجماع على اشتراط السترة في الجملة.

  16. وإذا كان مقصود السترة في الصلاة أن يتزيَّن العبد لربِّه في الصلاة لأنه يناجيه، فإنه يجب عليه السترة عن نفسه وعن غيره. فلو صلَّى في قميص واسع الجيب، ولم يزُرَّه ولا شدَّ وسطه، بحيث يرى عورته منه في قيامه أو ركوعه، لم تصح صلاته؛ وإن كان يجوز أن يرى عورة نفسه ويمسَّها، لما روى سلمة بن الأكوع قال: قلتُ يا رسول الله، إنِّي أكون في الصيد، وأصلِّي وليس عليَّ إلا قميص واحد. قال: «فزُرَّه، وإن لم تجد إلا شوكة» رواه أحمد وأبو داود والنسائي (٢) .

  17. وعن أبي هريرة قال: نهى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن يصلِّي الرجل حتى يحتزم. رواه أحمد وأبو داود (١) .

    vol. 3, p. 260
  18. ولذلك وجب أن تستر المرأة رأسها، وإن كان يجوز أن تقعد خالية مكشوفة الرأس. ولذلك وجب سترُ المنكبين، كما سيأتي إن شاء الله تعالى فليس كلُّ ما جاز كشفه خارج الصلاة جاز في الصلاة، إذ هي أشدُّ.

  19. وسواء سترها بنفسه أو بغيره، مثل أن يكون ذو الجيب الواسع عريضَ اللحية أو غليظَ الرقبة، لا يرى عورته من جيبه لذلك، أو يضع يده على خَرْق في السترة [ص ٧١] يستره بيده، لأنَّ المقصود السترة، وقد حصل.