مسألة: (وعورة الرجل والأمة: ما بين السرة والركبة. والحرة كلها عورة إلا وجهها وكفيها. وأم الولد والمعتق بعضها كالأمة)
58 paragraphs · vol. 3, p. 260
Page 2 of 2
- vol. 3, p. 272
وروى الأثرم (٥) بإسناده عن علي - رضي الله عنه - قال: تصلِّي الأمة كما تخرج. وهو كما قال علي - رضي الله عنه -، فإنَّ مثل هذا لا يجوز أن يخفى عليه من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
- vol. 3, p. 273
وهو ظاهر، فإنَّ الأمة إذا كانت تخرج مكشوفَة الرأس، فأن (١) تصحَّ صلاتُها هكذا كان أولى وأحرى؛ فإنَّ ما تستره المرأة عن الناس أشدُّ مما تستره في الصلاة، ولأنه إذا لم يكن الاختمار واجبًا عليها ولا كانت عادة إمائهن ذلك، فمعلومٌ أنهم لم يكونوا وقت الصلاة يضعون لهن خمُرًا ولا يغيِّرون لهن هيئة. وهذا مما لا نعلم فيه خلافًا (٢) .
-
إذا ثبت ذلك فلا يختلف المذهب أيضًا أنِّ ما بين السرَّة إلى الركبة منها عورة. وقد حكى جماعة من أصحابنا (٣) روايةً أنَّ عورتها السوءتان فقط، كالرواية في عورة الرجل. وهو غلط قبيح فاحش على المذهب خصوصًا، وعلى الشريعة عمومًا؛ فإن هذا لم يقله أحد من أهل العلم. وكلام أحمد أبعد شيء عن هذا القول. وإنما كان يفعل مثلَ هذا أهلُ الجاهلية حين كانت المرأة الحرَّة والأمة تطوف بالبيت، وقد سترت قُبلها ودُبرها تقول:
اليوم يبدو بعضُه أو كلُّه ... وما بدا منه فلا أُحِلُّه (٤)
-
حتى نهى الله تعالى عن ذلك، وأمر بأخذ الزينة عند المساجد، وسمَّى فعلهم فاحشة (٥) .
- vol. 3, p. 274
وإنما وقع الوهم فيه من جهة أن بعض أصحابنا قال: عورة الأمة كعورة الرجل، بعد أن حكى في عورة الرجل الروايتين. وإنما قصد أنها مثله في المشهور في المذهب.
-
ثم اختلف أصحابنا فيما عدا ضواحيها وما بين السرة والركبة، وهو الظهر والصدر والمنكب ونحو ذلك، هل هو عورة في الصلاة؟ على وجهين. ومنهم من يحكيه على روايتين، لأنه قد أومأ إليهما. ومنهم من يقول: إن المنصوص عورة.
-
أحدهما: أنه ليس بعورة، كما ذكره الشيخ - رحمه الله -. وهو قول ابن حامد وأبي الخطاب وابن عقيل (١) ، لما روى أبو داود في سننه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا زوَّج أحدُكم خادمَه أو عبده أو أجيره فلا ينظر إلى ما دون السرَّة وفوق الركبة» (٢) والمراد بالخادم: الأمة. وإذا جاز للسيِّد النظر إلى ذلك مع أنها حرام عليه لم [ص ٧٧] يكن عورة.
-
والثاني: هو عورة. قاله القاضي في «الجامع» وابنه أبو الحسين، وذكر أنه منصوص أحمد (٣) . وهو اختيار أبي الحسن الآمدي (٤) . وهو أشبه بكلام أحمد وأصحُّ؛ لأنَّ عليًّا - رضي الله عنه - قال: تصلِّي الأمة كما تخرُج (٥) . ومعلوم
vol. 3, p. 275أنها لا تخرج عارية الصدر والظهر. ولأنَّ الفرق بين الحرَّة والأمة إنما هو في القناع ونحوه، كما دلَّت عليه الآثار.
-
ولأنهن كنَّ قبل أن ينزل الحجاب مستوياتٍ في ستر الأبدان، فلما أُمِر الحرائر بالاحتجاب والتجلبُب بقي الإماء على ما كنَّ عليه. فأما كشفُ ما سوى الضواحي، فلم يكن عادتهن، ولم يؤذن لهن في كشفه، فلا معنى لإخراجه من العورة.
-
ولأن الله تعالى أمر بأخذ الزينة عند كل مسجد، وقميصُ الأمة ورداؤها من زينتها بخلاف الخمار. ولأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نهى الرجل أن يصلِّي في الثوب الواحد، ليس على عاتقه منه شيء (١) تكميلًا للتزيُّن بستر المنكب، فكيف يأذن للأمة أن تصلِّي وظهرها وصدرها مكشوف، مع العلم بأنَّ انكشاف ذلك منها أشدُّ قبحًا وتفاحشًا من انكشاف منكب الرجل. ولأنَّ الأصل أنَّ عورة الأمة كعورة الحرَّة، كما أنَّ عورة العبد كعورة الحر، لكن لما كانت مظنَّةَ المهنة والخدمة، وحرمتُها تنقص عن حرمة الحرة، رُخِّص لها في إبداء ما تحتاج إلى إبدائه، وقطعِ شبهها بالحرّة، وتمييزِ الحرَّة عليها. وذلك يحصل بكشف ضواحيها من رأسها وأطرافها الأربعة، فأما الظهر والصدر فباقٍ على الأصل.
-
والحديث المتقدِّم لا دليل فيه، لأنه لا يلزم من إباحة النظر إليها بالملك أن يكون المنظور ليس بعورة، فإنَّ النظر يباح من المالك والمملوك وذوي المحارم إلى أشياء يجب سترُها في الصلاة، لكن نظر الزوج والسيّد المباح
vol. 3, p. 276لهما الوطء أعمُّ من نظر غيرهما.
-
فصل
وسواء في ذلك الأمة المزوَّجة والمتسرَّاة غيرُ المستولدة والمدبَّرةُ والمكاتبة والمعلَّق عتقُها بصفة، لأنَّ رقَّهن باقٍ بحاله، وما انعقد لهن من أسباب الحرية ليس بلازم. وقد تقدَّم حديث أنس في صفية (١) بأنه دليل على أن السُّرِّيّة لم تكن تُحجَب حجبَ الزوجة.
-
هذا قول أكثر أصحابنا. وقال أبو علي بن البناء: حكمُ المكاتبة والمدبَّرة والمعلَّق عتقها بصفةٍ حكمُ أم الولد والمعتَق بعضُها (٢) ؛ لأنه قد انعقد لهن سبب الحرية، فخرجن عن محض العبودية، فرجعن إلى الأصل.
-
وأما أمُّ الولد، فقد نصَّ أحمد على أنها تصلِّي كما تصلي الحرَّة (٣) ، لأنه انعقد لها سبب الحرية لازمًا، [ص ٧٨] وينجرُّ لها من أحكام الحرية أنها لا تباع، ولا توهب، ولا توقف، ولا ينقل الملك في رقبتها؛ فصار فيها شائبة الحرية، فغلب حكمها لوجهين:
أحدهما: أنه لا يمكن تمييزُ حقِّ الحرّيَّة عن حقِّ العبودية، والعملُ بمقتضى ما فيها من الحرية واجبٌ، وهو لا يمكن إلا بأن تكون كالحرَّة؛ وما لا يتم الواجب إلا به فواجب.
-
والثاني: أنَّ الأصل أنَّ السترة في الأمة والحرة سواء، وإنما تُرك ذلك
vol. 3, p. 277في الأَمة المحضة لما فيها من معنى الابتذال والامتهان، وهذا مفقود (١) في أمِّ الولد.
-
ثم اختلف أصحابنا، هل هذا على سبيل الوجوب أو الاستحباب؟ على وجهين. وذكر القاضي وأبو الخطاب وغيرهما في ذلك روايتين (٢) :
إحداهما: أنه على سبيل الاستحباب، كما ذكره الشيخ - رحمه الله -. وهو اختيار الخرقي وغيره (٣) ، فيُكره لها كشفُ رأسها، لكن لا تبطل صلاتها إن صلَّت مكشوفة، لأنها أمة، فأشبهت المكاتبة. ولأنها مالٌ بدليل [تقويمها] (٤) بالقيمة إذا قُتلت أو ماتت تحت اليد العادية، فتكون كسائر الإماء. وما فيها من منع التصرُّف في رقبتها لا يُخرِجها عن ذلك كالأمة الموقوفة. وما فيها من انعقاد سبب الحرية لا يُوجب أخذَ أحكام الحرية كالمدبَّرة، ولقد مُيِّزت على غيرها لما فيها من شوب الحرائر بكراهة كشف رأسها.
-
والثاني: على سبيل الوجوب، لما تقدَّم.
-
وأمَّا المعتَق بعضُها، فهي على هذا الخلاف المذكور، إلا أنَّ القول بالوجوب هنا هو القويُّ عند أصحابنا، لأن فيها جزءًا حُرًّا، فوجب أن يعطى حكم الحرَّة. وذلك لا يمكن إلا بستر جميعها، فيجب، لأنَّ ما لا يتمُّ الواجب إلا به فواجب. ولهذا قلنا فيما لا يمكن تقسيطه من الأحكام مثل
vol. 3, p. 278الطلاق: إنه يكمل، فإنَّ المعتَق نصفُه يطلَّق ثلاثًا، لأنه لا يمكن أن يطلَّق طلقتين وربعًا.