مسألة: (ولبس الحرير والذهب مباح للنساء، دون الرجال إلا عند الحاجة)

102 paragraphs · vol. 3, p. 287

Page 1 of 3

  1. في المذهب. ومن لم يضمنه بالغصب لم يفرِّق بين المسجد وغيره. ولا خلاف أنه متقوِّم تقوُّمَ الأموال، بخلاف الحرِّ فإنه ليس بمال. نعم هو يشبه العبد الموقوف على خدمة الكعبة، فإنه ليس له مالك معيَّن، ومع هذا فهو مضمون بالغصب بلا تردُّد. وكذلك المال الموقوف على مصالح المسجد حكمُه حكمُه (١) من هذا الوجه.

    vol. 3, p. 287
  2. مسألة (٢) : (ولبسُ الحرير والذهب مباحٌ للنساء، دون الرجال إلا عند الحاجة، لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحرير والذهب: «هذان حرام على ذكور أمتي، حِلٌّ لإناثها» ) .

  3. هذا الحديث رواه أبو موسى عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. رواه أحمد والنسائي والترمذي (٣)

  4. وصحَّحه. ورواه أيضًا علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، ولفظه: إنَّ نبيَّ الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ حريرًا فجعله في يمينه، وأخذ ذهبًا فجعله في شماله، ثم قال: «إنَّ هذين حرامٌ على ذكور أمتي، حِلٌّ لإناثهم» . رواه أحمد وأبو داود

    vol. 3, p. 288والنسائي وابن ماجه (١) .

  5. والكلام في فصلين:

    أحدهما في الحرير

    فإنه حرام على الرجال، كما ذكر في الحديثين المذكورين. وقد استفاضت الأحاديث عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بتحريمه، فروى عمر وأنس - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: «من لبِس الحريرَ في الدنيا لم يلبسه في الآخرة» متفق عليهما (٢) . وأخرجه البخاري (٣) أيضًا من حديث ابن الزبير، ومسلم (٤) من حديث أبي أمامة.

  6. وعن حذيفة بن اليمان والبراء بن عازب أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نهى عن لبس الحرير والديباج. متفق عليهما (٥) .

  7. ويحرم بيعُه من رجل يلبسه، والإعانةُ على لبس الرجل إياه بتفصيل أو تخييط أو غير ذلك. والثمن والأجرة التي تؤخذ عليه بهذا السبب من الخبائث.

    vol. 3, p. 289
  8. فأمَّا بيعُه مطلقًا، فيجوز إذا أمكن أن يلبسه رجل وامرأة. وكذلك صنعتُه على وجه يشترك في لبسه الرجال والنساء مثل البُنْدُك (١) .

  9. وأما النساء فيباح لهن لبسُه، للحديث المذكور، ولما روى علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: أُهدِيتْ للرسول - صلى الله عليه وسلم - حُلَّةٌ سِيَراءُ، فبعث بها إليَّ، فلبستُها، فعرفتُ الغضب في وجهه، فقال: «إنِّي لم أبعث بها إليك لِتَلبسَها، إنما بعثتُ بها إليك لِتشقِّقها خُمُرًا بين النساء» متفق عليه (٢) .

  10. [ص ٨٤] وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنما يَلبَس الحريرَ في الدنيا من لا خَلاقَ له في الآخرة» . فلما كان بعد ذلك أُتيَ بحُلَلٍ، فبعث إلى أسامة بن زيد بحُلَّة. فراح أسامة في حُلَّته، فنظر إليه نظرًا عَرف أنه قد أنكر ما صنَع، فقال أسامة: يا رسول الله ما تنظر إلي؟ بعثتَ بها إليَّ. فقال: «لم أبعث بها إليك لِتلبسَها، ولكن بعثت بها (٣) لتشقِّقها خُمُرًا بين نسائك» رواه مسلم (٤) .

  11. ومن حَرُم عليه لبسه حَرُم عليه سائر وجوه الاستمتاع به، مثل الجلوس عليه، والاستناد إليه، وتعليقه ستورًا؛ فإنَّ لفظ اللباس يشمل ذلك، بدليل قول أنس: ولنا حصيرٌ قد اسودَّ من طول ما لُبِسَ (١) .

    vol. 3, p. 290
  12. وقد جاء ذلك صريحًا، فروى أبو أمامة أنه دخل على خالد بن يزيد، فألقى له وسادةً، فظنَّ أبو أمامة أنها حرير، فتنحَّى، وقال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يستمتع بالحرير من يرجو أيام الله» رواه أحمد (٢) .

  13. وعن حذيفة بن اليمان قال: نهانا النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن نشرب في آنية الذهب والفضة، وأن نأكل فيها؛ وعن لُبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليه. رواه البخاري (٣) .

  14. وعن البراء بن عازب أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المياثر الحُمْر. متفق عليه (٤) . ورواه الترمذي (٥) ولفظه: نهى عن ركوب المياثر.

  15. والمياثر: المراكب التي تكون على الرَّحل والسَّرج. سُمِّيت مياثرَ لوَثارتها (١) ولِينها. ومنه الوِثْر والوَثير، وهو الفراش الوطيء. قال أبو عبيد (٢) : وأما المياثر الحُمْر التي جاء فيها النهي، فإنها كانت من مراكب الأعاجم من ديباج أو حرير.

    vol. 3, p. 291
  16. وعن علي بن أبي طالب قال: نهاني ــ يعني النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ــ عن لُبس القَسِّيِّ، وعن الجلوس على المياثر. والمياثر: شيء كان يجعله النساء لبعولتهن على الرَّحل كالقطائف الأُرْجُوان. رواه مسلم (٣) .

  17. ولأنَّ تحريمه إنَّما هو ــ والله أعلم ــ لما فيه من السَّرَف والفخر والخيلاء ونحو ذلك. وذلك موجود في لُبسه على البدن، وفي افتراشه، وجعله ستورًا؛ بل ربما كان ذلك بغير اللُّبس أعظمَ، إلا أنه أرخص فيه للنساء لأنَّ بهنَّ حاجةً إلى التزيُّن للبعولة في الجملة، كما أرخِص لهن في التحلِّي بالذهب، وكما أُرخِص لهن في إطالة الثياب لمصلحة السَّتْر؛ ولأنهن خُلِقن في الأصل ناقصاتٍ محتاجاتٍ إلى ما يتجمَّلن به ويتزيَّنَّ. قال سبحانه: {أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} [الزخرف: ١٨] .

  18. ويباح لهن افتراشُه والاستناد إليه، كما يباح لهن لبسُه على أبدانهن، في المشهور من المذهب الذي عليه جمهور أصحابنا.

    vol. 3, p. 292وقال (١) ابن عقيل: [ص ٨٥] لا يباح ذلك، لأنَّ حاجة المرأة إنما هي إلى لُبسه على بدنها دون افتراشه وتوسُّده، ولأنه أحد المحرَّمَين، فلم يُبَح للنساء منه إلا ما تبِع أبدانَهن كالذهب.

  19. ووجه الأول: عموم أحاديث الرخصة، ولأنَّ ذلك كلَّه لباس، وقد أبيح لهن لَبوسُ الحرير (٢) .

  20. فصل

    وما يحرم على الرجال فإنه عامٌّ في حقِّ الكبير والصغير، في المشهور من الروايتين.

  21. وفي الأخرى: لا بأس بإلباسه الصبيَّ، لأنه غير مكلَّف، ولأنه ضعيف العقل، فأبيحت له الزينة كالمرأة، كما يباح له من اللعب ما لا يباح للبالغ، بحيث لا يُمنَع منه.

  22. ووجه الأول (٣) : عموم النهي، فإنه قال: «حرامٌ على ذكور أمَّتي» (٤) ، ولم يفرِّق بين الكبير والصغير. ومعنى التحريم في الصغير: أنه يُمنَع منه، كما يُمنَع من شُرب الخمر، ومن الكذب وغير ذلك من المحرَّمات؛ وأنَّ كافله يأثم بتمكينه من ذلك، وأنَّ لكلِّ واحد ولايةَ منعه من ذلك، لأنه من باب النهي عن المنكر.

  23. ولِما روي عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: كنَّا ننزِعه عن الغلمان، ونتركه على الجواري. رواه أبو داود (١) . ومعلومٌ أنهم إنما يفعلون هذا مفرِّقين هذا التفريق بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لأنَّهم لا يُقدمون على نزع لباسٍ كانوا يُلبِسونه أولادَهم، ثم ينزعونه عن أحد الصنفين دون الآخر، إلا عن توقيف.

    vol. 3, p. 293
  24. وأيضًا لما (٢) روي أن عبد الرحمن بن عوف دخل على عمر، ومعه ابنه محمد، عليه قميصٌ من حرير. فأدخلَ عمرُ يده في جيبه، فشقَّه. فقال عبد الرحمن بن عوف: فزَّعتَ الصبيَّ، أطرتَ قلبَه! فقال عمر: تُلبِسونهم الحرير (٣) !

  25. وعن عبد الرحمن بن يزيد قال: كنتُ جالسًا عند عبد الله بن مسعود، فأتاه ابن له صغير، وقد ألبسته أمُّه قميصًا من حرير، وهو مُعجَب به، فقال له: يا بُنيَّ من ألبسك؟ قال: أمِّي. قال: اُدنُه. فدنا منه، فشقَّه، ثم قال: اذهب إلى أمِّك، فَلْتُلبِسْكَ ثوبًا غيَره (٤) .

  26. وعن سعيد بن جبير قال: قدِم حذيفة من سفر، وعلى صبيانه قُمُصٌ من حرير، فمزَّقه على الغلمان، وتركه على الجواري (٥) .

  27. رواهنَّ الخلَّال.

  28. وهذا كلُّه دليل على أنهم فهموا من الحديث عمومَ التحريم في الرجال (١) . وعمرُ وحذيفةُ من رواة حديث التحريم، فهم أعلم بمعنى ما سمعوا.

    vol. 3, p. 294
  29. ولأنَّ ذلك إجماع منهم، فإنه لم يبلغنا أنَّ (٢) أحدًا منهم أرخص فيه. وعبد الرحمن لم يخالف عمر في إنكاره عليه إلباسَه الحريرَ، بل أقرَّه على إنكاره عليه إلباسَهم الحرير، وإنما قال له: أفزعتَ الصبيَّ. فعُلِم أنه وافق عمرَ على أنَّ الصبيان ممنوعون من لُبس الحرير، وأنَّ ذلك الإلباس إمَّا يكون مِن فعلِ [ص ٨٦] النساء، أو يكون (٣) عبد الرحمن لم يكن سمع النهي.

  30. وقد روي (٤) أنه قاس ابنه على نفسه، لأنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان قد أرخص له في لُبس الحرير للحِكَّة، فقال له عمر: إنه ليس مثلَك. وهذا دليل على أنَّ أحدًا منهم لم يفرِّق بين الصغير والكبير.

  31. ولأنَّ تزيين الغلام بما تُزيَّن به الجاريةُ ليس بجائز، لأنه ليس محلًّا للشهوة، بل يجب صونُه عمَّا يُشبِه به النساءَ، ويصير به بمنزلة المخنَّث؛ فإنَّ ذلك سببٌ لاعتياده التشبُّهَ بالنساء وتخنيثه إذا كبر؛ وربما كان سببًا للفتنة به، إلى غير ذلك من المفاسد.

  32. وأما إلباسُه الذهبَ، فالمنصوص عنه فيه التحريم، لكن أصحابنا أجرَوا

    vol. 3, p. 295فيه الروايتين، لعدم الفرق بينه وبين الحرير (١) .

  33. فصل

    ويباح لبسُ الحرير، وهو ما كان بقدر (٢) أربع أصابع مضمومة، إذا كان تابعًا لغيره، مثل العَلَم، والرُّقعة في الثوب، ولِبْنة الجيب الذي تسمِّيه العامَّة «الزِّيق» ، وسُجُفِ (٣) الفِرَاء وغيرها، والأزرار، وكفِّ الأكمام (٤) ، والفُرُوج به، وطرَف العمامة. هذا هو المذهب المنصوص عنه في عامَّة جواباته (٥) .

  34. وقد روي عنه كراهة العَلَم، لأنَّ ابن عمر كان ينزعه من الثوب. قال: وهو أسهل من المُصْمَت (٦) . قال الخلال: ذكر حنبل عن أبي عبد الله العلَم في موضعين. أحدهما: توقَّف فيه، والآخر: أباحه على رواية أصحابه، وهو إجماع التابعين.

  35. وذلك لما روى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: نهى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاثة أو أربعة. رواه الجماعة إلا البخاري (٧) .

  36. وفي لفظ أحمد وأبي داود (١) : «وأشار بكفِّه» . وذلك إنما يكون إذا كانت مضمومة، فإنها إذا فُرِّقت كان موضعها أكثر من أربع أصابع، لأجل الفُرَج.

    vol. 3, p. 296
  37. وعن أسماء ابنة أبي بكر رضي الله تعالى عنهما أنها أخرجت جُبَّةَ طيالسةٍ عليها لِبْنَةٌ شِبْرٌ من ديباج كِسْرَواني، وفَرْجَيها مكفوفَين (٢) به. فقالت: هذه جبةُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كان يلبسها، كانت عند عائشة، فلمَّا قُبِضَت عائشُة قبضتُها إليَّ، فنحن نغسلها للمريض يَستشفي بها. رواه أحمد ومسلم (٣) ، وهذا لفظ أحمد. وفي رواية: قالت: يا جاريةُ ناوليني جُبَّةَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فأخرجَتْ جُبَّةَ طيالسةٍ مكفوفةَ الجَيب والكمَّين والفَرْجين بالدِّيباج. رواه أبو داود وابن ماجه (٤) .

  38. وعن معاوية بن أبي سفيان أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نهى عن لبس الحرير إلا مقطَّعًا. رواه أحمد (٥) .

  39. فأما [ص ٨٧] اليسير المفرد، كالتِّكَّة والشُّرَّابة (١) والمنطقة والخيط ونحو ذلك، فيحرُم في المنصوص (٢) ، لأنه نهى عن الحرير إلا مقطَّعًا، والمقطَّع: المفرَّق في غيره. وكذلك قوله عليه السلام: «إلا موضع إصبعين أو ثلاثة أو أربعة» يدل على أنه موضوع في غيره. ولأنه قرَن الحريرَ بالذهب، والذهبُ يحرُم منفردًا، فكذلك الحرير. ولأنَّ الذهب والفضة في الآنية والذهب في اللباس إنما يباح يسيرُه إذا كان تابعًا، فكذلك يسيرُ الحرير؛ لأنَّ هذه الأشياء تجتمع في السرف والفخر والخيلاء.

    vol. 3, p. 297
  40. ولو لبس ثيابًا، في كلِّ ثوب حريرٌ يسيرٌ، بحيث لو جُمِع ما في جميعها صار ثوبًا= جاز ذلك، وإن لم يُجز لُبسُ ذلك الحرير لو جُمِعَ ونُسِج ثوبًا على حِدةٍ، لأنَّ هذا هو معنى قوله: «نهى عن لُبس الحرير إلا مقطَّعًا» ، فإنه إذا فُرِّق في الثياب صار مقطَّعًا، لأنَّ كلَّ ثوب له حكمُ نفسِه.