مسألة: (ولبس الحرير والذهب مباح للنساء، دون الرجال إلا عند الحاجة)
102 paragraphs · vol. 3, p. 287
Page 2 of 3
- vol. 3, p. 297
فصل
فإن نُسج مع الحرير غيرُه كالقطن والكتَّان والوَبْر والصوف ونحو ذلك، فالذي ذكره أكثرُ المتأخرين من أصحابنا: القاضي وأصحابه ومَن بعدهم: أنه إن كان الحرير هو الغالب حَرُم، وإن كان الحرير هو الأقلّ جاز، قال بعضهم: قولًا واحدًا.
- وإن استويا فوجهان:
- vol. 3, p. 298
أحدهما: يحرُم أيضًا. وهو أشبه بكلام أحمد (١) ، لأنَّ الرخصة إنما جاءت في اليسير الذي هو مقدار أربعة أصابع، وفي الخِّز، فألحقنا بذلك ما إذا كان الحرير هو الأقلّ، لأنَّ الحكم للأكثر. أمَّا إذا تساويا فأحاديث التحريم تعُمُّه، ولم يجئ فيه رخصة. ولأنه قد تعارض المبيح والحاظر، فغُلِّب الحاظرُ (٢) ، كالمتولِّد من بين ما يؤكل وما لا يؤكل.
-
والآخر: يُكرَه، ولا يحرُم؛ لما روى ابن عباس قال: إنما نهى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن الثوب المُصْمَت من الحرير. قال ابن عباس: فأمَّا العلَم من الحرير وسَدَى الثوب، فلا بأس به. رواه أبو داود (٣) وأحمد واحتجَّ به. ولأنه قد تعارض الحاظر والمبيح فيرجع إلى الأصل، وهو الحِلُّ. وإذا شككنا هل هو من القسم المباح أو القسم المحرَّم كُرِه لُبسُه، ولا يثبت التحريمُ بالشكِّ.
-
وجعل بعضُ المتأخرين من أصحابنا المُلحَم (٤) والقَسِّيَّ والخَزَّ (٥) من
vol. 3, p. 299صور الوجهين، وجعل التحريمَ قولَ أبي بكر لأنه حَرَّم المُلحَم والقَسِّيَّ، والإباحةَ قولَ ابن البناء، لأنه أباح الخَزَّ. وهذا مع أنَّ أبا بكر قال: ويلبس الخزَّ، ولا يلبس المُلحَم ولا الديباج. وقال: نهى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن لُبس القَسِّيِّ، وعن الحرير والذهب.
-
وأما المنصوص عن أحمد وقدماء الأصحاب، فإباحة الخَزِّ دون المُلَحَم وغيره. وهذا أكثر في كلامه (١) . قال: أكره لباسَ المُلحَم للرجال، فأمَّا الخَزُّ فلا بأس به. [ص ٨٨] الخَزُّ ثخين يلي الجلد، والحرير لا يكاد يستبين من تحته.
وقال أيضًا: يُكرَه لباسُ المُلحَم إلا الخَزَّ، فإنه على جلده الخَزُّ.
وقال: لا يعجبني إلا الخَزُّ، قد لبسه القوم. وأمَّا هذا المُلحَم المحدَث فما يعجبني.
-
وسئل في موضع آخر عن الثوب سَداه حرير، ولَحمته قطن. فقال: هذا شبيه (٢) بالخز لأنَّ الخَزَّ سَداه حرير، وهو الذي لبسه أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - (٣) .
-
وكره هذا لأنَّ سَداه قطن، وهو محدَث. وكذلك ذكر أبو بكر وعامة قدماء الأصحاب أنَّ الخزَّ الذي لبسته الصحابة رضوان الله عليهم مباح،
vol. 3, p. 300وكرهوا الملحَم وغيره، وصرَّحوا بأنَّ هذه كراهة تحريم. فمن زعم أنَّ في الخزِّ خلافًا فقد غلط.
-
والأصل في إباحة الخزِّ: ما روى عبد الله بن سعد عن أبيه قال: رأيتُ رجلا ببخارى (١) على بغلة بيضاء، عليه عمامةُ خَزٍّ سوداءُ، فقال: كسانيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. رواه أبو داود (٢) .
-
وقد صحَّ عن خلق من الصحابة أنهم لبسوا الخزَّ، وأرخصوا فيه. منهم: عبد الرحمن بن عوف (٣) ، وأبو قتادة (٤) ، وعمران بن حصين (٥) ، وعائشة (٦) ، والحسن بن علي (٧) ، وأبو هريرة (٨) ، وابن عباس (٩) ، وابن
vol. 3, p. 301الزبير (١) ، وابن عمر (٢) ، وابن أبي أوفى (٣) ، وأنس بن مالك (٤) ، وأبو أبيّ الأنصاري ابن أمِّ حرام (٥) ، ووابصة (٦) ، ومروان (٧) ؛ في أوقات متفرقة. ولم ينكِر ذلك أحد، فصار إجماعًا، فثبت إباحةُ الخزِّ، وهو الذي يكون سَداه حريرًا ولَحمتُه وبرًا أو صوفًا ونحوه. وكذلك في حديث ابن عباس: فأمَّا العلَم من الحرير وسدى الثوب فلا بأس (٨) . وقد احتجَّ به أحمد.
-
وإنما كرهنا المُلحَم لعموم أحاديث التحريم. وإنما استُثني منها ما استُثني، وليس الملحم في معناه (٩) ، كما سيأتي. ولأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نهى عن لُبس القَسِّي (١٠) ، والقَسِّيُّ ثياب مخلوطة بحرير. قال البخاري في «صحيحه» (١١) :
vol. 3, p. 302قال عاصم عن أبي بردة: قلنا لعلي: ما القَسِّيَّةُ (١) ؟ قال: ثيابٌ أتتنا من الشام أو من مصر، مضلَّعةٌ فيها حرير أمثال الأتْرُجِّ. وقال أبو عبيد وجماعة من أهل اللغة والحديث (٢) : ثيابٌ يؤتى بها من مصر، فيها حرير.
قال بعضهم (٣) : هو ضربٌ من ثياب كتَّان، مخلوطٌ بحرير، يؤتى به (٤) من مصر، نُسِب (٥) إلى قرية على ساحل البحر يقال لها «القَسُّ» . ويقال: القَسِّيّ: القَزِّيّ، أبدلت الزاء سينًا، كما يقال: ألسمتُه الحجَّةَ أي ألزمته الحجة. وقيل: هو منسوب إلى القَسِّ (٦) ــ وهو الصقيع ــ لبياضه.
-
ونسبتُها إلى المكان هو قول الخليل بن أحمد (٧) وغيره. فقد اتفقوا كلُّهم على أنها ثياب فيها حرير، وليست حريرًا مُصْمتًا، وهذا ليس هو المُلْحَم.
- وأيضًا [ص ٨٩] فإنَّ الخزَّ أخفُّ من وجهين:
-
أحدهما: أنَّ سداه حرير، والسَّدى أيسَر من اللَّحمة. وهو الذي بيَّن ابن
vol. 3, p. 303عباس جوازه بقوله: فأمَّا العلَم من الحرير وسَدى الثوب فلا بأس به (١) .
-
والثاني: أنَّ الخزَّ ثخين، والحرير مستور فيه بين نِير (٢) الوبر، فيصير الحرير بمنزلة الحشوة، ويصير الذي يلي الجلد ويظهر هو الوبر. ومعلوم أنَّ الحرير الباطن ليس بمنزلة الحرير الظاهر، إذ ليس في الباطن سرَف ولا فخر ولا خيلاء، ولهذا كان الصحيح جوازَ حَشْوِ الجِباب والفُرُش به. وقد ذكر أحمد - رضي الله عنه - هذين الفرقين. فإذا كان الحديث عامًّا في التحريم، بل خاصًّا في الملحَم، وإنما أبيح الخَزُّ= لم يجُزْ أن يلحق به إلا ما في معناه. فعلى هذا كلُّ ما سوى الخَزِّ من الملحَم يُكرَه لذلك.
-
والخَزُّ: ما كان لَحمته من الوبر ونحوه، مما له ثخانة تغطِّي الحرير، فتكون الرخصة معلَّقةً بكون السَّدى حريرًا، وكونِ اللَّحمة من الوبر ونحوه.
وقال القاضي: المُلْحَم: هو الذي سَداه حرير ولَحمته غزل، أو لحمته حرير وسَداه غزل. والخَزُّ: ما كانت لَحمته أو سَداه خَزًّا. فجعل الاعتبار بنفس ما يُنسَج مع الحرير من غير فرق بين السَّدى واللَّحمة، لأنَّ أحمد علَّل بثخانة الخزِّ، وأنه يلي الجلدَ، والحريرُ لا يكاد يستبين من تحته.
-
وعنه: إن كان السَّدى حريرًا حلَّ مطلقًا، على ما رواه صالح (٣) ، لحديث ابن عباس (٤) .
- vol. 3, p. 304
ثم كراهة الملحم كراهة تحريم. ذكره القاضي وغيره. وقال غيره من أصحابنا: هي كراهة تنزيه إلا أن يكون المنسوج مع الإبريسَم أكثر.
-
وقد روي عن معاوية عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تركبوا الخَزَّ ولا النِّمارَ» رواه أبو داود (١) .
-
وفي حديث أبي عامر أو أبي مالك الأشعري: سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ليكونَنَّ من أمتي أقوام يستحِلُّون الخَزَّ والحريرَ والخمر والمعازف. ولينزلنَّ أقوام إلى جنب عَلَمٍ، تروحُ عليهم سارحةٌ (٢) لهم، يأتيهم رجل (٣) ، فيقولون: ارجع إلينا غدًا. فيُبَيِّتُهم اللهُ، ويضَع العلَم، ويمسخ آخرين قِرَدةً وخنازيرَ إلى يوم القيامة» رواه البخاري بلفظ «الحِرَ» ، ورواه أبو داود (٤) .
قال أصحابنا: وهذا محمول على خَزٍّ كثيرٍ حريرُه، أو نوعٍ من الحرير يسمَّى خزًّا، كما يسمَّى قَزًّا. قال بعض أصحابنا: الذي يسمِّيه الناس اليوم
vol. 3, p. 305«الخَزَّ» هو ما يعملونه من سِقْط الحرير ومُشَاقَتِه (١) والتِّبر الذي يلقيه الصانع (٢) من فمه من تقطيع الطاقات، فيدقُّونه كالقطن، ثم يغزلونه، ويعملونه ثيابًا؛ وهذا حكمه حكم الحرير.
-
فظهر بهذا أنَّ الخَزَّ اسمٌ لثلاثة أشياء: للوبر الذي [ص ٩٠] يُنسَج مع الحرير، وهو وبر الأرانب، واسمٌ لمجموع الحرير والوبر، واسم لرديء الحرير. فالأول والثاني: هو الحلال. والثالث: حرام.
-
وأمَّا حَشْو الثياب والفَرش بالحرير، فالمشهور من الوجهين: أنه مباح من غير كراهة، لأنه لا يستبين، ولا يُستَمتع به، وليس فيه سرف. والوجه الآخر يحرُم.
-
فصل
وإذا احتاج إلى لُبس الحرير لدفع حَرٍّ أو بَردٍ، أو ستر عورة، أو تحصُّن من العدو، ولم يقُم غيره مقامه= أبيح قولًا واحدًا؛ لأنه إذا أبيح للنساء لعموم حاجتهن إليه للزينة، فَلَأن يباح عند الضرورة أولى، فإنَّ الضرورة الخاصَّة أبلغ من الحاجة العامَّة. ولأنه إذا اضطُرَّ إلى ما حُرِّم من الأطعمة أبيح له، فكذلك المحرَّم من اللباس، لأنهما يشتركان في الاضطرار.
-
وإن احتاج إليه لمرض أو حِكَّةٍ يُرجى نفعُ الحرير وتأثيرُه فيه، ففيه
- روايتان:
-
إحداهما: لا يباح، لعموم أحاديث النهي، ولأنه تداوٍ بمحرَّم يُشتَهى، فأشبَه التداويَ بالخمر. وتُحمَل إباحةُ النبي - صلى الله عليه وسلم - للزبير وعبد الرحمن على تخصيصهما بذلك، لعلمه بانتفاء مفسدة اللبس في حقهما، كما شهد لأبي بكر أنه ليس ممن يجرُّ ثوبَه خيلاء (١) .
-
والثانية: يباح، وهي الصحيحة، لما روى أنس بن مالك - رضي الله عنه - أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رخَّص للزبير بن العوَّام وعبد الرحمن بن عوف في لبس الحرير من حِكَّة كانت بهما. رواه الجماعة (٢) . وما ثبت في حقِّ الواحد من الأمة ثبت في حَقّ الجميع، إلا ما خُصَّ في موضعين أو ثلاثة (٣) ، مع أنَّ أحدًا لم يُخَصَّ بحكم إلا لسبب اختُصَّ به. وهنا لم يختصَّا بالسبب لأنَّ الحِكَّة هي السبب، وهي تعرض لغيرهما كما عرضت لهما. ولأنَّ النساء أُرخِصَ لهنَّ في لبسه للحاجة إلى التزيُّن به، فالحاجةُ إلى التداوي أولى، بخلاف الخمر فإنها محرَّمة مطلقًا على كلِّ أحد، وفي كلِّ حال، وقد حُرِّم قليلُها وكثيرُها.
-
فصل
وفي لبسه في الحرب روايتان.
-
إحداهما: يحرُم للعمومات فيه، ولأنه يحرُم في غير الحرب فحَرُم في الحرب كالذهب.
-
والأخرى: يباح، وهي أقوى، لما روت أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنهما -
vol. 3, p. 307قالت: كانت عندي للزبير ساعدان من ديباج، كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أعطاهما إياه يقاتل بهما. رواه أحمد (١) .
-
وروى وكيع (٢) بإسناده قال: قال ناس من المهاجرين لعمر بن الخطاب: إنَّا إذا لقينا العدوَّ رأيناهم (٣) قد كفَّروا على سلاحهم [ص ٩١] بالحرير والديباج، فرأينا لذلك هيبةً. فقال عمر: وأنتم إن شئتم فكفِّروا على سلاحكم بالحرير والديباج.
-
ولأنَّ في ذلك إرهابًا للعدو، وكسرًا لقلوبهم، وإظهارًا لأُبَّهَة جيش الإسلام= فجاز ذلك، وإن كان فيه اختيال، لأنَّ الاختيال عند القتال غير مكروه؛ لما روى جابر بن عتيك أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنَّ من الخيلاء ما يحبُّ الله، ومنها ما يُبغض الله. فالخيلاءُ التي يحبُّ الله: اختيالُ الرجل في القتال، واختيالُه في الصدقة. والخيلاءُ التي يُبغِض الله: الخيلاءُ في البغي» أو قال: «في الفخر» . رواه أحمد وأبو داود والنسائي (٤) .
- vol. 3, p. 308
وقد قال - صلى الله عليه وسلم - لأبي دُجانة لمَّا اختال يومَ أحد: «إنها لَمِشْيةٌ يُبغضها الله إلَّا في هذا الموطن» (١) .
-
وقد ذكر بعض أصحابنا أنَّ الروايتين في لُبسه في دار الحرب، وذلك أعمُّ مِن لُبسه وقت الحرب (٢) .
-
فصل
ولا بأس أن يوضع المصحف في كيس حرير أو ديباج. نصَّ عليه في مواضع (٣) . قال القاضي: والمسألة محمولة على أنَّ ذلك قدر يسير، فلا يحرُم استعماله، كالطِّراز والذيل والجيب (٤) .
-
والصواب: إقرار النصِّ على ظاهره؛ لأنَّ الكيس إنما يكون أكثر من أربع أصابع، وذلك كثير. ولأنه مفرد، ولا فرق في المفرد بين اليسير والكثير كالتِّكَّة. وإنما وجه ذلك أنَّ المحرَّم إنما هو لباسُ الحرير، والاستمتاعُ به. ووضعُ المصحف فيه إنما هو جعلُه لباسًا للمصحف، ووعاءً له ليُصان ويُحفَظ. وما شُرِع له الكسوةُ من شعائر الله جاز أن يُكسَى الحرير كالكعبة، وأولى. ولأنَّ لباسَ الحرير إنما يُكرَه للآدمي، لما فيه من العظمة والسَّرَف، وهذا أمرٌ مطلوبٌ لكتاب الله وبيته.
- vol. 3, p. 309
والفرق بين هذا وبين الزخرفة: أنَّ الكسوة فيها منفعة للبيت والمصحف، فإذا حصلت بأشرف الثياب كان ذلك تعظيمًا لحرمات الله، بخلاف الزخرفة فإنَّه لا منفعة فيها، بل تُلْهي المصلِّين.
-
[الفصل الثاني في الذهب]
-
وهو قسمان. أحدهما: لُبسه. والثاني: التحلِّي به.
-
أمَّا لُبسه، فيحرُم على الرجال لبسُ المنسوج بالذهب والمموَّه به، إذا كان كثيرًا، لما تقدَّم من حديث علي وأبي موسى (١) - رضي الله عنهما -، ولأنه أبلغ في السَّرَف والفخر والخيلاء من الحرير، والحاجةُ إليه أقلُّ، فيكون أولى بالتحريم.