مسألة: (ولبس الحرير والذهب مباح للنساء، دون الرجال إلا عند الحاجة)
102 paragraphs · vol. 3, p. 287
Page 3 of 3
- vol. 3, p. 309
وإذا استحال لونه ففيه وجهان. أحدهما: يحرُم، لعموم النهي. والثاني: لا يحرُم، لأنه قد زالت مظنَّةُ الفخر والخيلاء.
-
فإن لم يحصل منه شيء إذا جُمِعَ أُبيحَ قولًا واحدًا.
-
وفي يسير الذهب في اللباس، مثل العلَم المنسوج بالذهب، روايتان مومَأ إليهما:
إحداهما: يحرُم. وهو [ص ٩٢] اختيار كثير من أصحابنا، لعموم النهي، ولأنه استعمال للذهب، فحُرِّم كاليسير في الآنية.
-
والثانية: لا يحرم. وهي اختيار أبي بكر وغيره (٢) ، لما روى معاوية بن
vol. 3, p. 310أبي سفيان أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نهى عن لُبس الذهب إلا مقطَّعًا. رواه أحمد وأبو داود والنسائي (١) ، واحتجَّ به أحمد، وفسَّر قوله: «إلّا مقطّعًا» باليسير (٢) .
-
ولأنه أحد الأصناف الثلاثة، فحلَّ منه اليسير التابع لغيره، كيسير الحرير ويسير الفضة في الآنية. والفرق بين يسيرِ الذهب في الآنية ويسيرِه في اللباس ونحوِه ظاهر، لأنَّ الآنيةَ تحرُم من الفضة ومن الذهب على الرجال والنساء، واللباسَ يباح للنساء من الذهب والفضة مطلقًا، ويباح للرجال يسيرُ الفضَّة منه مفردًا كالخاتم ونحوه، ولا يصح إلحاق أحدهما بالآخر.
-
وعنه رواية ثالثة: أنه يباح اليسيرُ لحاجةٍ، سواء كان مفردًا أو تابعًا، ولا يباح للتزيُّن، وهي المنصوصة عنه صريحًا، وكذلك ذكر القاضي في اللباس. قال في رواية صالح وعبد الله (٣) وأبي طالب وأبي الحارث ــ واللفظ له ــ: أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نهى عن لُبس الذهب إلا مقطَّعًا قال: الشيء اليسير، كشدِّ أسنانه، وما كان مثلَه مما لا يتزيَّن به الرجل. فأمَّا الخاتم ونحوه، فلا. وذلك لأنه قد دلَّ ذلك على أن القطع من الذهب ــ وهو اليسير منه ــ مباح مطلقًا، لكن لا بدَّ أن يكون لحاجة، لأنه قد دلَّت النصوص على
vol. 3, p. 311تحريم خاتم الذهب ونحوه.
-
وعن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «من تحلَّى أو حَلَّى بخَرْبَصِيصةٍ (١) من ذهبٍ كُوِيَ يوم القيامة» رواه أحمد (٢) . وهذا نهي عن التحلِّي بقليل الذهب مطلقًا، ومفهومه يدل على أنه لا يحرُم منه ما ليس بتَحَلٍّ.
-
القسم الثاني: التحلِّي به. فيحرُم على الرجل أن يتحلَّى بالذهب المفرد كالخاتَم والسِّوار ونحو ذلك، لما تقدَّم من قوله عليه السلام: «هذان حرام على ذكور أمتي» (٣) ، ولما روى البراء بن عازب وأبو هريرة - رضي الله عنهما - أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نهى عن خاتم الذهب (٤) . وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - اتخذ خاتمًا من ذهب، فجعله في يمينه، وجعل فصَّه مما يلي باطن كفِّه، فاتخذ الناس خواتيم الذهب. قال: فصعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المنبر، فألقاه، ونهى عن التختُّم بالذهب (٥) . متفق عليهن.
-
وجاء ذلك من عدَّة وجوه.
-
وقد تقدَّم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من تحلَّى أو حلَّى بخَربَصِيصة من ذهب كُوِي
vol. 3, p. 312[ص ٩٣] يوم القيامة».
قال أبو زيد الأنصاري: يقال: ما عليها خَرْبَصيصة، أي شيءٌ من الحُلِيِّ (١) .
-
فأما التابع من الذهب، فيباح من حِلية السيف مثلُ القَبيعة (٢) ، نصَّ عليه. وعنه: ما يدل على المنع، لما تقدَّم.
-
والأول أصحُّ، لما روى مَزِيدة العَصَري قال: دخل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الفتح، وعلى سيفه ذهب وفضَّة. قال الراوي: كانت قَبيعةُ السيف فضَّة. رواه الترمذي (٣) .
-
وذكر أحمد (٤) أنه كان لعمر بن الخطاب سيف، فيه سبائك من ذهب.
-
وكان في سيف عثمان بن حُنَيف مسمار ذهب (٥) .
-
ثم من أصحابنا من لا يبيح إلا القبيعة. قال ابن عقيل: قال أصحابنا: هذا
vol. 3, p. 313في القبيعة. فأمَّا تحلية جوانبه وحمائله ومنطقته بالذهب فلا يباح؛ لأنَّ القياس المنعُ مطلقًا. والمنصوص عن أحمد: الإباحة في القبيعة وغيرها من حلية السيف مثل المسمار فيه والسبائك، للأثر في ذلك، ولعدم الفرق.
-
وأمَّا تحليةُ غير السيف، ففيه ثلاثة أوجه مُومَأ (١) إليها في كلامه:
أحدها ــ وهو قول القاضي وأكثر أصحابه مثل ابن عقيل وأبي الخطاب ــ: لا يباح (٢) ، لأنَّ العموم والقياس يقتضي التحريم مطلقًا، وإنما خُصَّ من ذلك السيف للأثر، فيبقى الباقي على الأصل.
-
والثاني ــ وهو قول أبي بكر (٣) وغيره ــ: أنه يباح التحلِّي باليسير منه مطلقًا إذا كان على وجه التبع، كما تقدَّم في اللباس، وأولى.
-
والثالث: أنه يباح في السلاح دون غيره (٤) . قال الآمدي: فأمَّا استعمال الذهب في سلاحه كالمسمار في السيف، والسبائك فيه، وقبيعة السيف، ونعله= فيجوز.
-
وهذا أبين في كلام أحمد، قال في رواية الأثرم (٥) وإبراهيم بن الحارث في الفَصِّ يُخاف أن يسقُط، يُجعَل فيه مسمارٌ من ذهب؟ قال: إنما رُخِّص في الأسنان. يعني: وما كان لضرورة. قيل له: قد كان في سيف عثمان بن
vol. 3, p. 314حُنيف مسمار من ذهب. قال: ذاك الآن سيف.
-
وذلك لأنَّ المقصود من السلاح قتال العدو وإرهابه، فجاز أن يحلَّى بما يفيد إرهابَ العدو وخيلاءَ المسلم تكميلًا لهذا المقصود. ولذلك جاز لبسُ الحرير حين القتال.
-
ولأنَّ اللُّتَّ (١) ونحوَه في معنى السيف على هذا القول، فيخرَّج فيه وجهان كالفضة. أحدهما: الجواز. وهو قول الآمدي، ذكره في المنطقة وفي حمائل السيف. والثاني: المنع. قاله جماعة، وحكاه القاضي عن أحمد.
-
وسائر مسائل التحلِّي في الزكاة.