مسألة: (ومن لم يجد إلا ثوبا نجسا أو مكانا نجسا صلى فيهما، ولا إعادة عليه)

277 paragraphs · vol. 3, p. 333

Page 6 of 7

  1. وعن ابن عمر أنه: رأى على ابن له ثوبًا معصفَرًا، فنهاه. وأبصر على أهله ثيابًا معصفرةً، فلم ينههم (٣) .

    vol. 3, p. 388
  2. رواهنَّ وكيع. وهذان المرسلان من وجهين مختلفين، وقد اعتضدا بقول الصحابة. وذلك يؤكِّد الاحتجاج بها، ويقتضي تعاضدها (٤) على الدلالة.

  3. وأيضًا إن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إذا نهى عن المعصفر، فغيرُه من الأحمر المشبَع أولى بالنهي منه، إذ ليس في المعصفَر ما يُكرَه منه سوى لونه. وليس هو

    vol. 3, p. 389بأشدِّها حمرةً، فغيرُه من الأحمر الذي يساويه في لونه وبريقه أو يزيد عليه أولى أن ينهَى عنه. والتفريقُ بينهما تفريقٌ بين الشيئين المتماثلين، وذلك غير جائز.

  4. وأيضًا فإنَّ هذا اللون يوجب الخيلاء والبطر والمرح والفخر، فكان منهيًّا عنه، كالحرير والذهب. ولهذا أبيح هذا للنساء، كما أبيح لهن الحرير والذهب.

  5. فأما الخفيف الحمرة، مثل المورَّد ونحوه، فقد ذهبت بهجته وتوقُّده، وصار قريبًا من الأصفر، فلا يُكرَه. والأحاديثُ التي جاءت في الرخصة في الأحمر محمولةٌ على هذا، فإنه يسمى أحمر، وإن كانت حمرته خفيفة؛ وعلى ما يكون بعضُه أحمر مثل البرود التي فيها خطوط حُمْر. وهذا معنى قولهم: «حُلَّة حمراء» .

  6. وهل هذه كراهة تحريم أو تنزيه؟ فيه وجهان، ويبنى على ذلك صحة الصلاة فيه. وفيها وجهان:

    أحدهما: تصح. قاله طائفة من أصحابنا، لأنه لم يجئ في ذلك تصريح بالتحريم. ولو كان حرامًا لَصُرِّح بتحريمه، كما صُرِّح بتحريم الذهب والحرير؛ فإنَّ الفرق بينه وبين الحرير ظاهر في الحديث.

  7. والثاني: لا تصح الصلاة فيه. قال أبو بكر: يعيد كلُّ من صلَّى في ثوب نُهي عن الصلاة فيه، كالمعصفر والأحمر والغصب ونحوه (١) ، لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ذلك نهيًا مطلقًا، وموجَب النهي التحريم، لاسيَّما وقد قرَنه بالقَسِّيِّ

    vol. 3, p. 390وبخاتم الذهب؛ فإنَّ ظاهره يدل على أنَّ المعصفر والحرير والذهب من باب واحد. كيف وسببُ الكراهة فيها واحد. وقد امتنع من ردِّ السلام على لابسها، وإنما يُترَك ردُّ السلام المفروض على المتلبِّس بمعصية.

  8. وقد أمر عبد الله بن عمرو بتحريقهما (١) ، ولو كان الانتفاع بهما (٢) جائزًا لم يأمره بإتلاف ماله، [ص ١٢٦] فعُلِمَ أنَّ ذلك كإراقة الخمر. وإنما لم يأذن له في الغسل ــ والله أعلم ــ لأنَّ اللون لا يزول بالغسل مرة أو مرتين.

  9. وأما قوله في الرواية الأخرى لمَّا أخبره أنه حرَّقَهما (٣) : «هلَّا كسوتَها بعضَ أهلك، فإنه لا بأس بذلك للنساء» ، فيحتمل أن يكون لما استأذن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - في غسلها لِيلبَسها بعد الغسل أراد - صلى الله عليه وسلم - أن يقطع طمعَه في اللبس قبل الغسل وبعده، وأن يعرِّفه أنَّ إتلافه المضرَّج وإخراجه عن ملكه هو الواجب دون الغسل. فلما رآه قد سمَح بذلك قال: فإذا كنت كذلك، فأن تعطيه بعضَ أهلك خيرٌ من أن تتلفه.

  10. فصل

    فأمَّا الأصفر، فلا يُكرَه، سواء صُبغ بزعفران أو غيره. وكذلك الأحمر المورَّد ونحوه. نصّ عليه (٤) في مواضع. وقال: لا بأس بالمورَّد. وكان يصبغ بالزعفران. وقيل له: الثوب المصبوغ بالزعفران للرجل؟ فلم ير به

    vol. 3, p. 391بأسًا. وهو قول أكثر أصحابه حتى جعلها الخلال رواية واحدة.

  11. ونقل صالح (١) عنه أنه سأله: أيصلِّي الرجلُ وعليه القميص المصبوغ بالنَّشَاسْتَج (٢) ؟ فقال: قد: نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتزعفر الرجل (٣) ، ونهى عن المعصفَر. فأمَّا النَّشَاسْتَج والزعفران، فإن كان شيئًا خفيفًا فلا بأس. وهذا يقتضي كراهة المزعفَر، وهو قول أبي الخطاب وأبي محمد (٤) ، لما روى أنس بن مالك أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يتزعفر الرجل. رواه الجماعة (٥) .

  12. وفي حديث يعلى بن أمية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له وقد أحرم في جُبَّة، وهو متضمِّخ بخَلوق: «اغسل عنك أثرَ الخَلوق، واصنع في عمرتك ما كنت صانعًا في حَجِّك» متفق عليه (٦) .

  13. والأول هو الصحيح، لما روي عن ابن عمر أنه كان يصبغ بالصفرة، وقال: رأيتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصبِغ بها. متفق عليه (١) .

    vol. 3, p. 392
  14. ولأبي داود والنسائي (٢)

  15. عنه عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يصبغ ثيابه بالخَلوق كلَّها حتى عمامته. ولفظ أبي داود: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصبغ بها. ولم يكن شيءٌ أحبَّ إليه منها. وكان يصبغ بها ثيابه كلَّها حتى عمامته.

  16. وفي رواية لأحمد (٣) عنه أنه كان يصبغ ثيابه، ويدهن بالزعفران، وقال: كان أحبَّ الأصباغ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يدهن به، ويصبغ به ثيابه.

  17. وعن قيَلة بنت مَخْرَمة: أنها رأت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسمال ملاءتين (٤) كانتا بزعفران، وقد نفضتا. [ص ١٢٧] رواه الترمذي (٥) .

  18. وقد تقدم جواز صبغة اللحية بالزعفران.

  19. وقد نهى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن يلبس المُحرِمُ ثوبًا فيه وَرْسٌ أو زعفران. فدلَّ على أنه لا يُنهَى عنه غيرُ المُحْرِم.

    vol. 3, p. 393
  20. وعن يحيى بن عبد الله بن مالك قال: كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يصبغ ثيابه بالزعفران حتى العمامة (١) . وعن يحيى بن عبَّاد بن عبد الله بن الزبير أنَّ الزبير كان عليه يوم بدر عمامة صفراء معتجِرًا بها، فنزلت الملائكة وعليها عمائم صُفْر (٢) . رواهما وكيع في باب اللباس.

  21. وأمَّا نهيُه أن يتزعفر الرجل، فالمراد به أن يخلِّق بدنَه بالزعفران، فإنَّ طيب الرجل ما ظهر ريحُه وخفي لونُه. وكذلك أمرُه للذي أحرم، وعليه جُبَّة، وهو متضمِّخ بخلوق: أن ينزع عنه الجبة، ويغسل عنه أثرَ الخَلوق. وقد جاء مفسَّرًا عن أنس عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى أن يزعفِر الرجلُ جِلدَه. رواه النسائي (٣) .

  22. فصل

    ولا بأس بلُبس السَّواد في الحرب وغيرها، سواء كان عمامة أو غيرها. نصَّ عليه (٤) ، فقال: لا بأس بالعمامة السوداء في الحرب وغير الحرب. لبس النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عمامةً سوداءً. وقال أيضًا: لا بأس بلُبس العمامة السوداء. قد

    vol. 3, p. 394لبس النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يوم الفتح عمامةً سوداَء، وعمَّم (١) عليًّا بعمامة سوداء.

  23. وذلك لما روى جابر قال: دخل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مكةَ يومَ الفتح، وعليه عمامة سوداء. رواه الجماعة إلا البخاري (٢) .

  24. وعن عمرو بن حريث أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - خطب، وعليه عمامة سوداء (٣) . وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: خرج النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، وعليه مِرْطٌ مرحَّل (٤) من شعر أسود. رواهما أحمد ومسلم (٥) .

  25. وعن أمِّ خالد ابنة سعد بن العاص أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ألبسها بيده خَميصةً (٦) سوداءَ. وقال: «أَبْلِي وأَخْلِقِي» رواه أحمد والبخاري (٧) .

  26. وقد كره أحمد - رضي الله عنه - لُبْسَ السواد في الوقت الذي كان شعارَ الولاة والجند. واستعفى الخليفةَ المتوكِّلَ مِن لُبسه لمَّا أراد الاجتماع به، فأعفاه بعد مراجعة. وكان هذا الزيُّ إذ ذاك شعارَ أهل طاعة السلطان في إمارة ولد العباس - رضي الله عنه -.

  27. وكان مَن لم يلبسه ربما اتُّهِمَ بمعصية السلطان والخروج عليه. والقصة في ذلك مشهورة لمَّا أظهر المتوكل إحياء السنَّة وإطفاءَ ما كان الناس فيه من المحنة، وأجاز أبا عبد الله وأهل بيته بالجوائز المعروفة، وطلب اجتماعه به، وكان يرسل إليه يستفتيه ويستشيره، [ص ١٢٨] فأحبَّ أبو عبد الله أن لا يدخل في شيء من أمر السلطان، ولم يقبل الجوائز، ونهى أهل بيته عن قبولها. ففي تلك المرَّة استعفى من لُبس السَّواد.

    vol. 3, p. 395
  28. وسأله رجل عن خياطة الخزِّ الأسود، فقال: إذا علمتَ أنه لجنديِّ فلا تَخِطْه (١) .

  29. وسأله رجل: أخيط السواد؟ قال: لا.

  30. وسئل عن المرأة تأمر زوجها أن يشتري لها ثوبَ خزِّ (٢) أسود. فقال: هو للمرأة أسهل.

  31. قيل له: فأَيْشٍ (٣) ترى للرجل؟ قال: لا يروِّع به. قيل: فترى للخياط أن يخيط له؟ قال إذا خاطه فأيشٍ قد بقي؟ قد أعانه. وقال في رجل مات وترك سوادًا، وأوصى إلى رجل. فقال: يُحرَق حتى لا يُروَّع به مسلم.

  32. قيل: له صبيانٌ (٤) ، ترى أن يُحرَق؟ قال: يحرقه الوصيُّ.

  33. وكان يعذِر في لُبسه من يعلم منه الخير وأنه كالمكره عليه. وهذا لأنه كان لباسَ الولاة والأمراء وأعوانهم، مع ما كانوا فيه من الظلم والكبرياء وإخافة الناس وترويعهم. ولم يكن يلبسه إلا أعوان السلطان. وكان الرجل المسوِّدي إذا رُئي خِيفَ ورُعِب منه، لأنه مظنة الترويع، حتَّى قال بعضُ أهل العلم يَضرِبُ المثلَ بذلك: ترى الرجل مطمئنًّا ثابتَ القلب ساكنَ الأركان، فإذا عاين صاحبَ سَوادٍ رعَب من سلطانه، ودخله من الرُّعب ما غيَّر لونَه، ورجَف قلبهُ، واسترخت قدماه، وذهب فؤاده. فلمّا كان معونةً على الظلم والشرِّ وإيذاء المسلمين صارت خياطته وبيعه بمنزلة بيع السلاح في الفتنة. وكُرِه أن يلبسه الرجلُ إذ ذاك، لأنه من تشبَّه بقوم فهو منهم؛ ولأنه يصير بذلك من أعوان الظلَمة، أو يُخاف عليه أن يدخل في أعوانهم.

    vol. 3, p. 396
  34. وفي معنى هذا كلُّ شعار وعلامة يدخل بها المرءُ في زمرة من تُكرَه طريقتُه بحيث يبقى كالسِّيما عليه، فإنه ينبغي اجتنابها وإبعادها (١) . وكلُّ لباس يغلب على الظنِّ أنه يستعان بلُبسه على معصية، فلا يجوز بيعه وخياطته لمن يستعين به على المعصية والظلم. ولهذا كُره بيعُ الخبز واللحم لمن يعلم أنه يشرب عليه، وبيعُ الرياحين لمن يعلم أنه يستعين به على الخمر والفاحشة. وكذلك كلُّ مباح في الأصل عُلِم أنه يستعان به على معصية. وهذا يختلف باختلاف الأمكنة والأوقات والأحوال، فهذه كراهة لسبب عارض.

  35. فأمَّا لبسُ الجند أو غيرهم له في دار الحرب أو غيرها، إذا لم يكن مظِنَّةَ

    vol. 3, p. 397الظلمِ، ولاسِيمَا الظَّلمةِ، فلا يُكرَه البتَّة.

  36. وكذلك أيضًا لو لبست المرأة السوادَ تُحِدُّ به على ميِّت، أو لبسه الرجلُ، لم يجُز لبسُه إحدادًا على [ص ١٢٩] الميِّت، لأنَّه لا يحِلُّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحِدَّ على ميِّت فوق ثلاثة أيام، فهذه كراهة للإحداد؛ حتَّى لو فُرِض أن الإحداد كان بلُبس القطن أو بتغيير (١) الهيئة ونحو ذلك دخل في النهي، كما يُذكر إن شاء الله تعالى في موضعه.

  37. فصل

    ولا يجوز لبسُ ما فيه صور الحيوان من الدوابِّ والطير وغير ذلك، ولا يلبسه الرجل ولا المرأة. ولا يعلَّق سِتْر فيه صورة. وكذلك جميع أنواع اللباس إلا الافتراش، فإنه يجوز افتراشها. هذا قول أكثر أصحابنا، وهو المشهور عن أحمد.

    قال في رواية صالح: الصورة لا ينبغي لبسها (٢) .

  38. وقال في رواية الأثرم وسئل عن الستر عليه يكون صورة قال: لا. وما لم يكن له رأس فهو أهون. وإن كان له رأس فلا (٣) .

    وقال أيضًا: إنما يُكرَه منها ما عُلِّق.

    وقال أيضًا: إنما يُكرَه ما كان نصبًا. وإذا كان تمثالًا منصوبًا يُقطَع رأسُه.

  39. وقال في الرجل يصلِّي، وفي كمِّه منديل حرير، فيه صور: أكرهه.

    وقال: التصاوير ما كُرِه منها فلا بأس (١) .

    vol. 3, p. 398
  40. وسئل عن الرجل يصلِّي على مصلًّى عليه تماثيل. فلم ير به بأسًا (٢) .

    وقال أيضًا: إذا كانت توطأ، فلا بأس بالجلوس عليها (٣) .