مسألة: (والأرض كلها مسجد تصح الصلاة فيها إلا المقبرة والحش والحمام وأعطان الإبل)

297 paragraphs · vol. 3, p. 432

Page 2 of 8

  1. وأيضًا فإنَّ قوله: «لا تجوز الصلاة فيها» صريحٌ في التحريم، والتحريم يقتضي الفساد خصوصًا هنا، ولذلك لا يصح أن يقال هنا بالتحريم مع الصحة، وإن قلنا به في الدار المغصوبة، لأنَّ النهي هناك ليس عن خصوص الصلاة، وقد يقال: إنه ليس لمعنًى في المنهيِّ عنه. وهنا النهيُ عن نفس الصلاة في المكان المخصوص لمعنًى في نفس المنهيِّ عنه.

    vol. 3, p. 445
  2. وأيضًا فقوله: «لا تجوز» (١) دليل على أنه لا تجزئ، لأن العبادة (٢) الجائزة هي الماضية النافذة، وضدُّها [ص ١٥١] الموقوفة المردودة. وإذا

    vol. 3, p. 446كانت الصلاة موقوفة محبوسة مردودة لم تكن مُجزئة. بل قوله: «لا تجوز» أبلغ من قوله: «لا تجزئ» لأنَّ هذا يعُمُّ الفرض والنفل، وذاك يختصُّ الفرض (١) . وأيضًا فإن الصلاة في المكان النجس فاسدة، مع أنه لم ينطق كتاب ولا سنّة بأنها فاسدة ولا أنها غير مجزئة، وإنما فهم المسلمون ذلك من نهي الشارع عن الصلاة فيها، وتخصيص الإباحة بالأرض الطيبة. فهذه المواضع التي سُلِبت اسمَ المسجد، وترادفت أقاويلُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالنهي عن الصلاة فيها= أولى أن لا تجزئ الصلاة فيها.

  3. فإذا قيل: إنَّ الصلاة على مكانٍ فيه قطرةُ بولٍ أو خمرٍ، أو في بعض مساقط ثوب المصلِّي لا تصح اعتمادًا على قوله: «جُعِلت لي كلُّ أرضٍ طيِّبةٍ مسجدًا وطهورا» (٢) ، واستنباطًا من تخصيصه وتعليله، مع أنه فهمٌ حسنٌ وفقه صحيح= فما هو أبينُ منه وأصرَحُ، من النهي الصريح والاستثناء القاطع، مع كونه أصحَّ وأشهر، وهو عن السلف أظهر وأكثر= أولى (٣) أن يُعتمَد عليه، فإنَّ هذا كالإجماع من الصحابة.

    قال أنس: كنت أصلِّي، وبين يديَّ قبرٌ، وأنا لا أشعر. فناداني عمر: القبرَ القبرَ، فظننتُ أنه يعني القمر، فرفعت رأسي إلى السماء. فقال رجلٌ: إنما يعني القبر. فتنحَّيتُ عنه. رواه سعيد وابن ماجه وغيرهما (٤) . وذكره

    vol. 3, p. 447البخاري في «صحيحه» (١) .

  4. وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: لا تُصلِّ في حمَّام أو عند قبر (٢) .

    وقال جابر بن سمرة - رضي الله عنه -: لا تصلِّ في أعطان الإبل (٣) .

  5. وكذلك روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - (٤) . ذكر ذلك ابن حامد.

  6. وعن ابن عمر (٥) وابن عباس (٦) كراهة الصلاة في المقبرة. وهذا أولى أن يكون صحيحًا مما ذكره الخطابي (٧) عن ابن عمر أنه رخَّص في الصلاة في المقابر. فلعل ذلك ــ إن صحَّ ــ أراد به صلاة الجنازة.

  7. وعن علي - رضي الله عنه - مرفوعًا وموقوفًا قال: من شرار الناس من يتخذ القبور مساجد رواه عبد الرزاق (٨) .

  8. وعن عبد الله بن عمرو أنه سأله رجل أنصلِّي في مناخ الإبل؟ قال: لا، ولكن صلِّ في مرابض الغنم. رواه مالك وغيره (١) .

    vol. 3, p. 448
  9. وعن عبد الله بن عمرو قال: تُكرَه الصلاة إلى حشٍّ، وفي حمَّام، وفي مقبرة (٢) .

    وقال إبراهيم: كانوا لا يصلون التطوع. فإذا كانوا في جنازة، فإن حضرت صلاة مكتوبة تنحَّوا عن القبور، فصلَّوا. رواهما سعيد (٣) .

  10. وقد قدَّمنا عن عمر وغيره من الصحابة أنهم نهَوا عن قراءة القرآن في الحمام، فكيف بالصلاة التي لا بَّد فيها من القراءة، والتي يشترط لها ما لا يشترط لمجرَّد القراءة.

  11. وهذه مقالات انتشرت، ولم يُعرَف لها مخالف، إلا ما رُوي عن يزيد ابن أبي مالك قال: كان واثلة [ص ١٥٢] بن الأسقع يصلِّي بنا صلاة الفريضة في المقبرة، غير أنه لا يستتر بقبر. رواه سعيد (٤) . وهذا محمول على أنه تنحَّى عنها بعضَ التنحِّي، ولذلك قال: «لا يستتر بقبر» . أو لم يبلغه نهيُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة فيها، فلما سمع النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن الصلاة إليها (٥)

  12. لأنه هو راوي هذا الحديث (١) ، ولم يبلغه النهيُ عن الصلاة فيها= عمِلَ بما بلغه، دون ما لم يبلغه.

    vol. 3, p. 449
  13. وأمَّا الأحاديث المشهورة في جعل الأرض مسجدًا، فهي عامَّة، وهذه الأحاديث خاصَّة. وهي تفسِّر تلك الأحاديث، وتبيِّن أن هذه الأمكنة لم تُقصَد بذلك القول العامِّ. ويوضِّح ذلك أربعة أشياء:

    أحدها: أنَّ الخاصَّ يقضي على العام، والمقيَّد يفسِّر المطلق، إذا كان الحكم والسبب واحدًا، والأمر هنا كذلك.

  14. الثاني: أنَّ قوله: «جُعِلت لي الأرضُ مسجدًا وطَهورًا» بيانٌ لكون جنس الأرض مسجدًا له، وأنَّ السجود عليها لا يختصُّ بأن تكون على صفة مخصوصة، كما كان في شرع من قبلنا. لكنَّ ذلك لا يمنع أن تعرِضَ للأرض صفةٌ تمنع السجود عليها. فالأرضُ التي هي عطَن أو مقبرة أو حمام، هي مسجدٌ، لكنَّ اتخاذها لما [ .... ] (٢) له مانع عرض لها إخراجُها عن حكمها. ولو خرجت عن أن تكون حمّامًا أو مقبرةً لكانت على حالها. وذلك أنَّ اللفظ العامَّ لا يُقصَد به بيانُ تفاصيل الموانع، كقوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} [النساء: ٢٤] ، وقد عُلِم أنَّ العقد لا بدَّ فيه من عدم الإحرام، وعدم العِدَّة، ولا بدَّ له من شروط وأركان.

  15. الثالث: أنَّ هذا اللفظ العامَّ قد خُصَّ منه الموضعُ النجسُ اعتمادًا على

    vol. 3, p. 450تقييده بالطهارة في قوله عليه السلام: «كلُّ أرض طيِّبة» (١) ، وتخصيصُه بالاستثناء المحقَّق والنهي الصريح أولى وأحرى.

  16. الرابع: أن تلك الأحاديث إنما قُصِد بها بيانُ اختصاص نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - وأمته بالتوسعة عليهم في مواضع الصلاة، دون من قبلنا من الأنبياء وأممهم حيث حُظِرت عليهم الصلاة إلا في المساجد المبنيِّة للصلاة، فذكر - صلى الله عليه وسلم - أصلَ الخصيصة والمزية، ولم يقصِد تفصيلَ الحكم. واعتضد ذلك بأن هذه الأماكن قليلة بالنسبة إلى سائر الأرض، فلما اتفق قلَّتُها وأنه لم يتمحَّض المقصود لبيان أعيان أماكن الصلاة ترَكَ استثناءَها. فأما أحاديث النهي، فقصد بها بيان حكم الصلاة في أعيان هذه الأماكن، وهذا بيِّن لمن [ص ١٥٣] تأمَّله. وما ذكروه من تعليل النهي، فسنتكلَّم عليه إن شاء الله.

  17. إذا ثبت ذلك، فمن صلَّى فيها غيرَ عالم بالنهي فهل تجب عليه الإعادة؟ على روايتين شبيهتين بالروايتين بالتوضؤ من لحم الإبل لغير العالم. وكثير من متأخري أصحابنا ينصرون البطلان مطلقًا للعمومات لفظًا ومعنًى. والذي ذكره الخلال أن قوله استقرَّ أن (٢) لا إعادة. وهذه أشبه، لاسيَّما على قول من يختار منهم أنَّ من نسي النجاسة أو جهلها لا إعادة، فيكون الجهل بالحكم فيها كالجهل بوجود النجاسة إذا كان ممن يُعذَر.

  18. ولأنَّ النهي لا يثبت حكمه في حقِّ المنهيِّ حتى يعلم، فمن لم يعلم فهو كالناسي، وأولى. ولأنه (٣) لو صلَّى صلاة فاسدة لنوع تأويل، مثل أن يمسَّ

    vol. 3, p. 451ذكره أو يلبس (١) جلود السباع ويصلِّي، ثم يتبيَّن له رجحان القول الآخر لم تجب عليه الإعادة مع سمعه للحجَّة. فالذي لم يسمع الحجة يجب أن يُعذَر لذلك، إذ لا فرق بين أن يتجدَّد له فهمٌ لمعنًى لم يكن قبل ذلك، أو سماعٌ لعِلمٍ لم يكن قبل ذلك، إذا كان معذورًا بذلك؛ بخلاف من جهل بطلانَ الصلاة في الموضع النجس، فإنَّ هذا مشهور.

  19. ولو صلَّى في موضع لم يعلم أنه مقبرة، ثم تبيَّن له أنه مقبرة، فهنا ينبغي أن يكون كما لو صلَّى في موضع نجس لا يعلم بنجاسته، ثم علِمَ بعد ذلك، وقد تقدَّم قولُ عمر لأنس: «القبرَ، القبرَ» . ولم يأمره بالإعادة لأنه لم يكن يعلم أنَّ بين يديه قبرًا.

  20. الفصل الرابع

    أنَّ أكثر أصحابنا لا يصحِّحون الصلاة في شيء من هذه المواضع، ويجعلونها كلَّها من مواضع النهي

    ومنهم من لم يعدَّ مواضع النهي إلا أربعة فقط، وهي: المقبرة، والحُشّ، والحمّام، وأعطان الإبل؛ سوى الموضع النجس والمغصوب. وهذا هو الذي ذكره الشيخ - رحمه الله -، وهو مقتضى كلام الخِرَقي وغيره لوجهين:

    أحدهما: أنَّ النهي إنما صحَّ في المقبرة والحمَّام وأعطان الإبل. والحُشُّ أسوأ حالًا منها، فأُلحِقَ بها. وسائرُ الأمكنة مدارها على حديث ابن عمر، وإسناده ليس بالقوي، ولا يعارض عموم الأحاديث الصحيحة، لاسيَّما

    vol. 3, p. 452وقد استثنى في حديث أبي سعيد المقبرة والحمام خاصَّةً دون غيرهما، وقال: «الأرض كلُّها مسجد» .

  21. الثاني: أنَّ النهي إنما كان لأنها مظِنَّة النجاسة. وهذه العلة يمكن الاحتراز عنها غالبًا في تلك المواضع، فلا تبطل الصلاة مع تيقُّن اجتناب النجاسة غالبًا.

  22. والأول أظهر لوجهين:
  23. أحدهما: الحديث المذكور. وقد تقدَّم الجواب عن تضعيفه، لاسيَّما والحديثُ الذي يسمِّيه [ص ١٥٤] قدماء المحدِّثين ضعيفًا مثل هذا خيرٌ من القياس والمجمل، أعني ما ذُكِر فيه الحكمُ جملةً وإن كان بصيغة العموم. وهو أحقُّ أن يتَّبع منه، على ما هو مستوفًى في مواضعه من أصول الفقه، فكيف إذا لم يعارضه إلا عمومٌ ضعيفٌ لكونه مخصوصًا بصور كثيرة، أو قياس ضعيف؟ ثم إن بعض تلك المواضع قد جاء فيها نصوص أخرى مثل جوادِّ الطريق (١) ومثل ظهر بيت الله الحرام (٢) ، فإنَّ فيه آثارًا عن الصحابة.

  24. والمزبلة والمجزرة أولى بالمنع من الطريق والحمَّام، فصار ذلك الحديث معتضدًا بالآثار التي توافقه، وبفحوى الخطاب الذي يطابقه. وقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي سعيد: «الأرض كلُّها مسجدٌ إلا المقبرة والحمام» (٣) يشبه ــ والله أعلم ــ أن يكون إنما استثنى ما على هيئة مخصوصة لا يصلح أن

    vol. 3, p. 453تكون إلا على الوجه المنهيِّ عنه، فإنَّ المقبرة والحمَّام لهما هيئة مخصوصة يتميزان بها عن سائر البقاع. وأعطانُ الإبل والمزبلةُ ونحو ذلك فإنَّها لا تتميَّز بنفس هيئة الأرض، وإنما تتميَّز بما يكون فيها.

  25. الوجه الثاني: القياس في المسألة. وفي ذلك ثلاثة (١) مسالك.

  26. أحدها ــ وهو مسلك كثير من أصحابنا، منهم أبو بكر والقاضي وغيرهما ــ: أنَّ الحكم ثبَت تعبُّدًا، فيتعلَّق (٢) بنفس الأسماء ومفهومها من غير زيادة ولا نقص.

  27. وإذا قال بعض الفقهاء: هذا الحكم تعبُّد، فله تفسيران:

    أحدهما: أن يكون الحكم شُرع ابتلاءً وامتحانًا للعباد، ليتميز المطيع عن العاصي، ويثاب المطيع على محض الطاعة والانقياد والإسلام، كما يعاقَب العاصي على محض المعصية والمخالفة، وإن لم يكن في نفس العمل ــ لولا الأمر ــ معنًى يقتضي العمل. ومثلُ هذا أمرُ الله خليلَه بذبح ابنه، وتحريمُه على أصحاب طالوت أن يطعَموا من النهر إلا غرفة واحدة. وكثيرٌ من الأحكام من هذا النمط. وهذا التعبد حقٌّ واقعٌ في الشريعة عند أهل السنَّة خلافًا للمعتزلة ونحوهم، إلَّا أنَّ الصلاة في هذه الأماكن ليست ــ والله أعلم ــ من هذا القبيل؛ لأنه قد أشير فيها (٣) إلى التعليل.

  28. ولأنَّ مواضع الصلاة مبنيَّة على التوسعة والإطلاق في شريعتنا، ولا تناسب الحَجْر والتضييق. ولأنه لا بد أن تشتمل هذه الأماكن على معانٍ

    vol. 3, p. 454اقتضت المنعَ عن الصلاة فيها وامتازت بتلك المعاني عن غيرها، وإلا كان النهيُ عنها دون غيرها تخصيصًا بغير مخصِّص. ولأنَّ من أنعَمَ (١) النظرَ علِمَ اشتمالَها على معانٍ انفردت بها عن غيرها.

  29. التفسير الثاني: أن يُعنَى بالتعبد أن المكلَّف لم يطَّلِع على حِكمة [ص ١٥٥] الحكم جملةً ولا تفصيلًا، مع أنَّ العمل يكون مشتملًا على وصفٍ لأجله عُلِّق به الحكم، سواء كان الوصف حاصلًا قبل نزول الشريعة وإرسال نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم -، أو إنما حصل بعد الرسالة.

  30. والحكم المعلَّق به قد يُطلَق على نفس خطاب الله الذي هو الأمر والنهي والإباحة، وعلى موجَبِ الخطاب الذي هو الوجوب والحرمة والحِلّ. والأول إضافة إلى الفعل، والثاني: صفة ثابتة للفعل لكنها صفةٌ أثبتها الشارع له. وقد يطلَق الحكمُ على التعلُّق الذي بين الخطاب وبين الفعل. وقد يعنى بالحكم أيضًا صفة ثابتة للفعل قبل الشرع، أظهرها الشرع، كما يقوله بعض أصحابنا، منهم التميمي وأبو الخطاب. وأكثرهم لا يُثبت حكمًا قبل الشرع، وإنما كان ثابتًا عندهم بعضُ علل الأحكام. فمن قال: إنَّ الحكم في هذه المواضع تعبد بهذا التفسير، فقد ذكر أنه لم يظهر له حكمةُ الحكم على وجه منضبط، فأدار الحكمَ على الاسم. فهذا مسلك سديد (٢) في نفسه، وإن لم يكشِف فقهَ المسألة.

  31. والمسلك الثاني: مسلك طائفة من أصحابنا وغيرهم. علَّلوا الصلاة

    vol. 3, p. 455بالمقبرة، بأن التراب يختلط بصديد الموتى ورطوباتهم، فيتنجَّس. ومن قال هذا من أصحابنا قال: لما كانت المقبرة في الجملة مظنَّةَ النجاسة عُلِّق الحكم، وإن تخلَّفت الحكمة في (١) آحاد الصور، لأنَّ المذهب لا يختلف عندنا أنه لا فرق بين المقبرة الحديثة والعتيقة، وإن كان بعض الفقهاء يجوِّز الصلاة في المقبرة الجديدة لزوال هذه المفسدة.

  32. وكذلك علَّلوا الصلاة في الحمَّام بأنه مصَبُّ الاقذار والأوساخ من البول والدم وما تولَّد منه والقيء وغير ذلك. وهذا في الحُشِّ والمزبلة والمجزرة ظاهر. وكذلك الطريق هو مظنَّة أرواث الدواب وأبوالها.

  33. وأمَّا أعطان الإبل، فعلَّلها بعضُ الناس بنجاسة أبوالها. وأجاب أبو بكر وغيره عن ذلك بأنه لو كان كذلك لم يكن فرق بين أعطان الإبل وبين مرابض الغنم، لأنَّ فيها أبوالها أيضًا، وحكمُ بول الإبل والغنم واحد.

  34. وعلَّل ذلك بعضهم بأنَّ فيها شِماسًا (٢) ونُفورًا، فربما نفرت، فأفزعت المصلِّي، وقطعت (٣) صلاته، وخَبَطته. وهذا المعنى معدوم في الغنم لضعف حركتها وسكونها. وأجاب [أبو] (٤) إسحاق بن شاقْلا وغيره عن ذلك بأنه لو كان كذلك لما صلَّى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إلى البعير (٥) ، ولما صلَّى عليه (٦) . وأيضًا لو

    vol. 3, p. 456كان كذلك لما صلَّى بين الإبل في السفر؛ وهو خلافُ سنَّة المسلمين، وخلافُ ما كان يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه. وأيضًا فلو كانت هذه العلَّة لكان النهيُ عن الصلاة عندها سواء كان في أعطانها، أو غير أعطانها ولم يكن [ص ١٥٦] النهي عن الصلاة في مباركها وأعطانها، سواء كانت حاضرة أو غائبة.

    وقال بعضهم: إن مواضعها مناخ الركبان، وكانوا يبولون ويتغوَّطون في أمكنتهم، ثم يرتحلون. فنهى أن يصلَّى في أمكنتها لموضع أبوال الناس.

    وقال بعضهم: معنى الحديث أنه كره الصلاة في السهول من الأرض، لأنَّ الإبل إنما تأوي إليها، وتعطِنُ فيها. والغنم إنما تُبَوَّأ (١) وتُراح إلى الأرض الصلبة. قال: والمعنى في ذلك أنَّ الأرض الخوَّارة التي يكثر ترابها ربما كانت فيها النجاسة، فلا يبين موضعها، ولا يأمن المصلِّي أن تكون صلاته فيها على نجاسة. فأمَّا العَزَاز الصُّلب من الأرض، فإنَّه ضاحٍ بارز، لا يخفى موضع النجاسة إذا كانت فيه.

  35. وهذا تكلُّف بارد. فإنَّ الأول يقتضي أن النهي عن مواضعها في الأسفار. وليس بشيء، فإنَّ الصلاة في تلك المواضع جائزة بالسنة الماضية، ولأنَّ المعطِن إمَّا موقفها (٢) عند صَدَرها عن الشرب، أو المكان الذي تأوي اليه.

  36. والثاني يقتضي كراهةَ الصلاة في كلِّ موضع سهل، وهو باطل. ثم هو خلاف تعليل الشارع - صلى الله عليه وسلم -. ثم إنَّ ما ذكره من الفرق بين معاطن الإبل

    vol. 3, p. 457ومرابض الغنم ليس بمطَّرِد (١) ، بل ربما كان الأمر بخلاف ذلك.

  37. المسلك الثالث: تفسيرُ النهي عن الصلاة في هذه المواضع وتوجيهه بما دلَّ عليه كلامُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

  38. فأما القبور، فإنَّ الصلاة عندها تعظيمٌ لها، شبيهٌ بعبادتها، وتقرُّبٌ بالصلاة عندها إلى الله سبحانه. أما من يقصد هذا فظاهر، مثل من يجيء إلى قبر نبيٍّ أو رجلٍ صالحٍ، فيصلِّي عنده متقرِّبًا بصلاته عنده إلى الله سبحانه. وهذا نوع من الشرك وعبادة الأوثان، بل هو أحد الأسباب التي عُبِدَت بها الأوثان.

  39. قيل: إنهم كانوا يصلُّون عند قبور صالحيهم، ثم طال العهد حتى صوَّروا صُوَرَهم، وصلَّوا عندها، وعكفوا عليها، وقالوا: إنما نعبدهم ليقرِّبونا إلى الله زلفى. ولمَّا كان النصارى قد {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: ٣١] ، كان العكوف عند القبور والتماثيل فيهم أكثرَ.

  40. ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم - عن الكنيسة التي أُخبِر عنها: «إنَّ أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح، فمات بنَوا على قبره مسجدًا، وصوَّروا فيه تلك الصور. أولئك شِرارُ الخلق عند الله يوم القيامة» (٢) .

    vol. 3, p. 458وقال: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبَد. واشتدَّ غضبُ الله [ص ١٥٧] على قوم اتخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد» (١) .

    وقال عليه السلام: «إنَّ من كان قبلكم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد. ألا، فلا تتخذوا القبورَ مساجدَ، فإنِّي أنهاكم عن ذلك» (٢) .