مسألة: (والأرض كلها مسجد تصح الصلاة فيها إلا المقبرة والحش والحمام وأعطان الإبل)

297 paragraphs · vol. 3, p. 432

Page 8 of 8

  1. وإذا دارت السفينة، فقال ابن أبي موسى (٢) وغيره: يستقبل القبلة في الفرض، ويدور إليها كلَّما دارت السفينة. [ص ١٩٠] ويُعذَر في النفل أن لا يدور إلى القبلة إذا دارت السفينة. وهذا يشبه الراكبَ في العَمّارية (٣) والمَحْمِل ونحوهما.

    vol. 3, p. 525
  2. وفي وجوب الاستدارة عليه في النفل إذا أمكنه وجهان.

  3. وإن لم يمكنه القيام في السفينة بأن يخاف الغرق، أو يهيج به المِرَّة (١) فيمرض ونحو ذلك، لصغرها وسيرها، أو تكون مسقوفة ولا يمكنه الصعود إلى الطبقة العليا، أو يخاف أن يراه عدوٌّ يؤذيه ونحو ذلك= صلَّى جالسًا، وسجد على ما فيها من الأحمال والثياب والأمتعة وغيرها إن أمكنه. ولا بدَّ من استعلاء عجيزته على رأسه مع القدرة، فإن عجز أومأ إيماء.

    vol. 3, p. 526
  4. فإن أمكنهم أن يصلُّوا قيامًا فرادى واحدًا (٢) بعد واحد، ولم يمكنهم أن يصلُّوا جميعًا إلا بجلوس بعضهم؛ فقال جماعة من أصحابنا: يصلُّون وُحْدانًا مع اتساع الوقت ولا يسقط القيام هنا للجماعة (٣) ، بخلاف المريض الذي لا يمكنه القيام في الجماعة ويمكنه في الانفراد، فإنه يصلِّي في الجماعة إن شاء؛ لأنَّ حكم العجز لا يثبت لغير معيَّن. ولهذا قلنا في العُراة: إنهم يصلُّون في الثوب واحدًا (٤) بعد واحد. وعلى هذا فإذا خافوا خروج الوقت بالصلاة قيامًا صلَّى بعضهم قاعدًا كما في العراة. وقال ابن أبي موسى (٥) : لم يختلف قوله: إنه إن قدر جميعُهم على القيام جاز أن يصلُّوا جماعة في السفينة. فإن عجزوا عن القيام، فهل يصلُّون جماعةً أم لا؟ على روايتين. أجاز ذلك في إحداهما، ومنع منه في الأخرى، واختياري أن ذلك جائز.

    vol. 3, p. 527وقال غيره: إن أمكن أن يقوم بعضهم دون بعض صلَّى من أمكنه القيام ثم قعدوا (١) ، وصلَّى الآخرون. وإن ضاق بهم الوقت صلَّى كلُّ واحد بحسب إمكانه (٢) .

  5. وان عجزوا عن القيام، فهل يصلُّون جماعةً؟ على روايتين. وظاهر ما اختاره ابن أبي موسى من الروايتين هو قياس المذهب، وهو أن يصلُّوا جماعةً مع قعودهم أو قعود بعضهم. ثم إن كان موضع القيام واحدًا قام فيه الإمام، وإن كان أكثر من واحد صلَّوا على المقاعد التي كانوا عليها قبل الصلاة؛ لأن من أصلنا جواز القعود خلف الإمام إذا صلَّى قاعدًا، لأن فضل الجماعة أسقط القيام. وكذلك المريض له أن يصلِّي جماعةً مع قعوده وإن أمكنه الصلاة وحده قائمًا. ولأنَّ الجماعة مع الخوف فيها مما يُفسِد الصلاة في الجملة أعظم من ترك القيام، ثم احتُمِل ذلك لأجل الجماعة. ومن تأمَّل [ص ١٩١] الشريعة علِم أنَّ الشارع يحافظ على الصلاة جماعةً (٣) كيفما أمكن، ولا يبالي ما فات في ضمن الجماعة.

  6. ولأنَّ من أصلنا أنَّ الجماعة واجبة، والقيام واجب أيضًا، لكن القيام ركن خفيف يسقط في النوافل مطلقًا، ويسقط في الفرائض في مواضع. وأمَّا الجماعة فلم نجد الشارع أسقطَها إذا أمكنت من غير ضرر قطُّ.

  7. فصل

    وأما العذر في الراحلة، فثلاثة أسباب: الخوف والوحل والمرض.

    vol. 3, p. 528
  8. فأما الخوف، فمثل الذي يخاف في نزوله من عدوّ، أو من انقطاعه عن الرفقة الذين لا يحتبسون له، أو لا يمكنه النزول لكونه على مركوب لا يُنزله عنه إلا إنسان، وليس هناك من يُنزله عنه؛ أو يمكنه النزول ولا يمكنه الصعود ولا يقدر على المشي، أو يخاف انفلات الدابَّة بنزوله، ونحو ذلك ممَّا يخاف في نزوله ضررًا في نفسه أو ماله= فإنه يصلِّي على حسب حاله، كما يصلِّي الخائفُ من العدوّ، على ما سنذكره ــ إن شاء الله تعالى ــ، لعموم قوله سبحانه: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة: ٢٣٩] . وفي حديث ابن عمر: «فإن كان خوفٌ أشدُّ من ذلك صلَّوا ركبانًا ورجالًا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها» (١) . لاسيما إذا قلنا: إن طالب العدوِّ يصلِّي على الدابة إذا خاف من فوته، فإنَّ ما يخافه في هذه المواضع قد يكون أشدَّ ضررًا مما يخافه من فوت العدو. ولأنَّه يخاف في النزول ضررًا، فجاز أن يصلِّي على الدابة كالخائف من العدو. ولأنَّ القيام والاستقبال من أخفِّ فروض الصلاة يسقطان في التطوع، فإذا كانت الطهارة والسترة تسقط بمثل هذا الخوف، فسقوطُ القيام والتوجه أولى. هكذا ذكر طائفة من أصحابنا.

    وقال ابن أبي موسى (٢) : لم يختلف قوله: إنّ التوجه إلى القبلة في المكتوبة في سائر الأحوال من شرط صحة الصلاة إلا في حال المسايفة خاصَّة.

  9. السبب الثاني: الوحل. فإذا خاف التأذِّي في بدنه أو ثيابه بالوحل والمطر والثلج بأن لا يمكنه بسطُ شيء عليه إمَّا لكثرته وأذاه للبسط أو لعدم البسط، ولا يمكنه الوقوف عليه إلا بضرر؛ فإنه يصلِّي على الراحلة بأن يستقبل القبلة ويقف إن كان مسيره إلى غير القبلة. وإن كان جهة مسيره إلى القبلة، فقال أصحابنا: يصلِّي في حال سير الدابة، كما يصلِّي في السفينة. هذه إحدى الروايتين.

    vol. 3, p. 529
  10. وعنه: يلزمه النزولُ إلى الأرض، والسجودُ على متن الطين. نقلها حنبل.

  11. [ص ١٩٢] وكذلك الروايتان فيمن كان في ماء أو طين. فعلى الرواية الأولى يومئ إلى الحدِّ الذي لو زاد عليه تلوَّث، وهذه الرواية اختيار الخرقي وأكثر أصحابنا (١) . وعلى الرواية الأخرى، يسجد على متن الماء أو الطين. وهو اختيار أبي بكر.

    وقال ابن أبي موسى (٢) : «اختلف قوله في الغريق يُصلِّي في الماء والطين على روايتين، قال في إحداهما: يومئ بالركوع والسجود. وقال في الأخرى: يسجد على متن الماء. والقائمُ في الماء والطين، العاجزُ عن الخروج عنه يصلِّي ويومئ في الركوع والسجود إيماءً (٣) قولًا واحدًا». وفرَّق بين الماء والطين، وهو فرق حسن. فإن قلنا: يجب النزول ويجب السجود على الطين، فلما روى أبو سعيد قال: رأيتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سجد (٤) في

    vol. 3, p. 530الماء والطين حتَّى رأيت أثر الطين في جبهته (١) .

  12. وعن عطاء قال: سألتُ عائشة: هل رُخِّص للنساء أن يصلِّين على الدوابِّ؟ قالت: ما رُخِّص لهن في شدَّة ولا رخاء. رواه أبو داود (٢) .

  13. ووجه الأول: ما روى يعلى ابن أمية أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - انتهى إلى مضيق هو وأصحابه، وهو على راحلته، والسَّماءُ من فوقهم، والبِلَّةُ من أسفل منهم، فحضرت الصلاة، فأمر المؤذِّنَ فأذَّن وأقام، ثم تقدَّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على راحلته، فصلَّى بهم يُومئ إيماءً، يجعل السجود أخفض من الركوع. رواه أحمد والترمذي (٣) . وعن أنس بن مالك: أنه صلَّى بهم المكتوبة على دابته، والأرض طين. ذكره أحمد وغيره (٤) . وقد رواه الدارقطني مرفوعًا (٥) إلا أنه

    vol. 3, p. 531قال: المحفوظ عن أنس فعلُه غير مرفوع. ولم يُنقَل عن صحابي خلافه.

  14. السبب الثالث: المرض. فعنه: أنه ليس بعذر في الصلاة على الراحلة. نصَّ عليه (١) مفرِّقًا بينه وبين الوحل، لأنَّ ابن عمر - رضي الله عنه - روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يوتر على راحلته، ويسبِّح عليها، ولا يصلِّي عليها المكتوبة. متفق عليه (٢) . وكان ابن عمر يُنزِل مرضاه، فيصلُّون بالأرض (٣) . ذكره أحمد. فعُلِمَ أنه فَهِم من فعل النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - استواءَ الصحيح والمريض في هذا الحكم. ولأنَّ المريض لا ضرر عليه في صلاته بالأرض، بل ذلك أهوَن عليه من صلاته على الدابة. وإنما قد يشقُّ عليه حركة النزول فقط، وهذا يعارضه حركة هَزِّ الدابة.

  15. وعنه أنَّ المريض يصلِّي على الدابة، لأنَّ المشقة عليه في نزوله [ص ١٩٣] أعظم من مشقَّة التلوُّث بالطين.

  16. ثم من أصحابنا من أطلق الروايتين. وعلى هذه الطريقة فقد اختار جدِّي - رحمه الله -: إن تضرَّر بنزول أو لم يكن له من يُنزله، فإنه يصلِّي على الدابة. وإن لم يتضرَّر فهو كالصحيح (٤) .

  17. ومن أصحابنا من جوَّز ذلك، فقال: إن كان النزول يزيد في مرضه، أو لا