مسألة: (وإن اختلف مجتهدان لم يتبع أحدهما صاحبه. ويتبع الأعمى والعامي أوثقهما في نفسه)
59 paragraphs · vol. 3, p. 571
Page 2 of 2
- vol. 3, p. 583
فصل
وإذا اختلف اجتهاد رجلين لم يجُز أن يأتمَّ أحدهما بصاحبه، في المنصوص المشهور. ومتى ائتَّم أحدهما بالآخر، فصلاة المأموم باطلة. وفي صلاة الإمام وجهان.
وقال بعض أصحابنا (١) : قياس المذهب جوازه، كما لو ائتمَّ بمن يخالف اجتهاده في بعض شروط الصلاة، كمن يصلِّي خلف من يصلِّي في جلود السِّباع، فإنه تصح صلاته في المنصوص عنه. ولأنَّ خطأ الإمام هنا لا يمنع صحة الصلاة ظاهرًا ولا باطنًا، لأنَّ الإمام لا يعيد إذا تبيَّن له الخطأ، بخلاف ما لو اعتقد الماموم أن الإمام مُحدِث.
-
ووجه الأول: ما تقدَّم من الحديث المذكور، فإنَّ الصحابة رضوان الله عليهم حينئذ صلَّى كلُّ واحد منهم على حدته، ولم يصلُّوا جماعة واحدة (٢) . ولو كان ذلك جائزًا لفعلوا، لأنَّ الجماعة واجبة أو سنَّة مؤكدة.
- vol. 3, p. 584
ولأنَّ المأموم يعتقد أنَّ الإمام يترك شرطًا من شرائط الصلاة للعجز عنه، فأشبه ما لو كان الإمام عاريًا، أو مُحدِثًا وعَدِم (١) الماء والتراب، أو مربوطًا إلى غير القبلة، أو حاملًا لنجاسة لا يقدر على إزالتها، أو أمِّيًّا، أو أقطع.
-
وأيضًا فإنه هنا يتيقَّن أنَّ صلاته اشتملت على ترك استقبال القبلة، وكلُّ صلاة تيقَّن أنه ترك فيها استقبال القبلة فهي باطلة؛ لأنه إن كان هو المصيب فصلاته مبنيَّة على صلاة إمامه، وصلاةُ إمامه على هذا التقدير إلى غير القبلة، فتكون صلاته إلى غير القبلة، مع القدرة على ترك ذلك. وإن كان إمامه هو المصيب، فصلاته هو إلى غير القبلة.
-
وبهذا يظهر فقه المسألة، فإنَّ العفو عما يجوز أن يكون صوابًا أو خطأً، إذا ضُمَّ إليه ما يتيقَّن باجتماعهما حصولُ الخطأ، لم يحصل العفو عنهما جميعًا؛ كما لو أحدث أحد رجلين (٢) ، ولم يعلم عينه، وقلنا لكلٍّ منهما أن يصلِّي، فليس لأحدهما أن يأتمَّ بالآخر. وكما لو قال رجل: إن كان هذا الطائر غرابًا فعبدي حرٌّ، وقال آخر: إن لم يكن غرابًا فعبدي حُرٌّ. فإذا اجتمع العبدان في ملك واحد حكمنا بعتق أحدهما.
-
وبهذا يظهر الفرق بينه وبينما إذا ترك الإمام ما يعتقده المأموم ركنًا أو شرطًا، لأنه لا يتيقَّن اشتمال الصلاتين على مبطِل، لجواز أن يكون اعتقاد إمامه صوابًا، وحينئذ فتكون صلاة الإمام صحيحة في الباطن، وكذلك صلاته؛ لأنه لم يترك شيئًا، ومجرَّدُ اعتقاد إمامه (٣) لا يؤثِّر في صلاته.
- vol. 3, p. 585
نعم، نظير مسألة القبلة: أن يفعل أحدهما شيئًا ويتركه الآخر، وهو [ص ٢٢١] عند أحدهما واجب (١) ، وعند الآخر مبطل. فإنه هنا إن كان واجبًا فقد تركه أحدهما، وإن كان مبطِلًا فقد فعله أحدهما، فالصلاة مشتملة على تركِ واجب أو فعلِ محرَّم بيقين.
-
على أنَّ القياس على مسائل الاجتهاد الفقهية قد فرَّق بينهما، إذا سُلِّم بما تقدَّم في التي قبلها. وذلك أنَّ مسائل الاجتهاد إذا لم يخالف الرجلُ فيها كتابًا ولا سنّةً ولا اجماعًا، فإنه لا يُنقَض حكمه، ولا يُحكم (٢) بخطئه، ولا يُحكَم ببطلان صلاته، ولا يُنهَى عن استفتائه، ولا يُنهى (٣) أن يعمل باجتهاده؛ بل قد يؤمر باستفتائه، إما لأنَّ الحكم يختلف باختلاف الاجتهادات، كما يقوله من يعتقد: كلُّ مجتهد مصييب؛ أو (٤) لأنَّ الناس لم يكلَّفوا إلا ما يقتضيه رأيهم وإن كان في الباطن أشبه، كما يقول أصحاب الشبه؛ أو لم يكلَّفوا إلا طلبَ ما هو الحقُّ في الباطن سواء أصابوه أو أخطؤوه وقد عفي عنهم إذا أخطؤوه. أو لأنه وإن كان مخطئًا في اجتهاده وحكمه، فإنَّ الله تعالى رفع الحرج فيها عن المخطئ، وجعل له أجرًا على اجتهاده إقرارًا لكلِّ ذي رأي على رأيه، مع أنَّ الحقَّ عند الله واحد؛ لخفاء مدركها، وخفّة أمرها، ومشقَّة إصابة الحقِّ فيها، وعموم الرحمة والمصلحة
vol. 3, p. 586في تيسير ذلك، وتفاقُم الفساد من هدم بعض الاجتهادات ببعض.
-
وهذان القولان هما اللذان يقولهما أصحابنا، وإن كان الأول قد حُكي في المذهب أيضًا. وهذا الواقع في أحكام الشريعة لا يلزم مثله في مسألة تقع (١) في الدهور مرَّةً، ولا يُلزِم العفوُ فيما تعُمُّ به البلوى العفوَ عما لا تعُمُّ به البلوى.
-
فإن اتفقا على الجهة واختلفا في العين، فقال أحدهما: ننحرف (٢) يمينًا، وقال الآخر: ننحرف شمالًا؛ فقال القاضي في «الجامع» : إن قلنا: المطلوب العين، لم يجُز له أن يتبعه. وإن قلنا: المطلوب الجهة ــ وهو الصحيح من قوله ــ جاز له أن يتبعه. وقال في «المجرد» وغيره: من أصحابنا من يجوِّز الائتمامَ هنا مطلقًا. وهذا أصح، لأنَّا إن قلنا: المطلوب العين، فإنَّ الانحراف اليسير مع الخطأ معفوٌّ عنه بكلِّ حال بالإجماع، والصلاة إلى قبلة واحدة في مثل هذه الحال.
-
فصل
إذا صلَّى بالاجتهاد، ثم تبيَّن له في أثناء الصلاة أنَّ جهة القبلة خلاف ذلك عن يقينٍ، استقبلَ القبلةَ، ويبني على صلاته كأهل قباء؛ لأنَّ أولى صلاته كانت صحيحه ظاهرًا وباطنًا، فهو كالعاري إذا وجد السترة في أثناء صلاته.
-
وإن تبيَّن له ذلك باجتهاد انحرف إلى الجهة التي تبيَّن له أنها القبلة.
- vol. 3, p. 587
نصَّ عليه، وهو قول أكثر الأصحاب. وقال ابن أبي موسى (١) والآمدي وغيرهما [ص ٢٢٢] : يبني على صلاته، لأنَّ الاجتهاد لا يُنقَض بالاجتهاد.
-
والأول أصح، لأننا لا ننقض الاجتهاد الأول، وإنما نأمر أن يُتِمَّ الصلاة إلى الجهة الأخرى، كما لو علم القبلة يقينًا. وهذا ممكن هنا، دون القضايا والفتاوى فإنَّ ذلك لا يمكن فيها إلا في حادثتين. ثم إن كان إمامًا فارقه المأمومون إذا لم يتغير اجتهادهم، وأتمُّوا جماعة وفرادى. وإن كان مأمومًا فارق إمامه، وبنى.
-
وإن (٢) لم يبق اجتهاده إلى تلك الجهة، ولم يؤدِّه اجتهاده إلى جهة أخرى= بنى (٣) على جهته، لأنه لم يتبيَّن له خطؤه، وقد دخل دخولًا صحيحًا.
-
وإن صلَّى بتقليد، ثم أخبره في أثناء صلاته مخبِرٌ أنَّ القبلة في جهة أخرى، فإن كان الثاني ممن لا يُقبَل خبرُه ولا اجتهادُه، أو أخبره باجتهاده، وهو عنده مثل الأول= لم ينصرف عن قبلته. وإن كان الأول أخبره باجتهاده، والثاني عن علم، انحرف إلى الجهة التي أخبره بها. وإن كان الثاني أخبره باجتهاد، وهو أوثق من الأول، فهو كما لو تغيَّر اجتهاده وهو من أهل الاجتهاد، فهل ينحرف؟ على وجهين.
-
فصل
وإذا صلَّى بالاجتهاد، ثم حضرت صلاة أخرى، جدَّد الاجتهاد. فإن تغيَّر
vol. 3, p. 588اجتهاده صلَّى بالثاني، ولم يُعِد ما صلَّى بالأول، كالمفتي والحاكم يجدِّد اجتهاده في قضاياه وفتاويه. والاجتهاد لا يُنقَض بالاجتهاد، لأنه لم يتيقَّن الخطأ فيما فعله أولًا، مع أنه لو تيقَّن (١) ذلك في القبلة لم يُعِدْ، فأولى أن لا يعيد مع استمرار الشكِّ في الجملة.
-
فصل
ولا يتبع دلالة مشرك بحال، مثل أن يدخل بلدًا فيه محاريب [لا يعلم] (٢) هل هي بناء المسلمين أو المشركين؟ أو يخبره الكفار أنها مبنيَّة إلى القبلة، ونحو ذلك.
-
ولو رأى على المحراب آثار المسلمين، وهو في بلد كُفَّار، أو في بلدٍ خرابٍ لا يعلم هل هو بلد مسلم أو كافر؟ لم يصلِّ إليه، لاحتمال أن يكون الباني له كافرًا مستهزئًا غارًّا للمسلمين، إلّا أن يكون مما يعلم أنه من محاريب المسلمين.
قال بعض أصحابنا (٣) : لو علِم قبلةَ الكفار، فله أن يستدلَّ بها على قبلة المسلمين؛ مثل أن يرى قبلةَ النصارى في كنائسهم، وقد علم أنهم يصلُّون إلى الشرق، فإنه يستدلُّ بها على القبلة، فيجعله عن يساره وأن كانت هذه قبلته، لأنَّ خبرهم عن قبلتهم بمنزلة التواتر، وهم لا يُتَّهمون فيه.