مسألة: (ويجب صيام رمضان على كل مسلم بالغ عاقل قادر على الصوم، ويؤمر به الصبي إذا أطاقه)
161 paragraphs · vol. 4, p. 5
Page 1 of 5
- vol. 4, p. 5
في هذا [ق ٢] الكلام فصول:
أحدها: أن صيام رمضان فرضٌ في الجملة
وهذا من العلم العام الذي توارثَتْه الأمةُ خلَفًا عن سَلَف، وقد دلَّ عليه الكتابُ والسنةُ والإجماع.
-
أما الكتاب فقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} إلى قوله: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ
vol. 4, p. 6الْقُرْآنُ ... } الآيات [١٨٣ - ١٨٥] .
-
وأما السنة فقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن عمر: «بُنيَ الإسلامُ على خمسٍ: شهادةِ أنْ لا إله إلا الله، وأنّ محمدًا رسولُ الله، وإقامِ الصلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، وصومِ رمضانَ، وحجِّ البيتِ» (١) .
-
وقوله في حديث جبريل: «الإسلامُ: أنْ تشهدَ أنْ لا إله إلا الله وأنّ محمدًا رسولُ الله، وتقيمَ الصلاةِ، وتؤتيَ الزكاةَ، وتصومَ رمضانَ، وتحجَّ البيتَ إن استطعتَ إليه سبيلًا» (٢) .
-
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومًا بارزًا للناس، فأتاه رجل فقال: يا رسول الله، ما الإيمان؟ قال: «أن تؤمنَ بالله وملائكتِهِ وكتابِه ولقائه ورُسُلِه وتؤمنَ بالبعثِ الآخر» . قال: يا رسول الله، ما الإسلامُ؟ قال: «الإسلامُ: أن تعبد اللهَ لا تشركَ به شيئًا، وتقيمَ الصلاةَ المكتوبةَ، وتؤدِّي الزكاةَ المفروضةَ، وتصومَ رمضانَ» . قال: يا رسول الله, ما الإحسان؟ قال: «أن تعبدَ اللهَ كأنّك تراه، فإنك إنْ لا تراه فإنه يراك» وذَكَر الحديث. متفق عليه (٣) .
-
وعن أبي هريرة: أن أعرابيًّا جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله، دُلّني على عمل إذا عملتُه دخلتُ الجنةَ. قال: «تعبد الله لا تُشْرِكَ به شيئًا، وتقيمَ الصلاةَ المكتوبةَ، وتؤدِّي الزكاةَ المفروضةَ، وتصومَ رمضانَ» . قال: والذي
vol. 4, p. 7نفسي بيده لا أزيدُ على هذا شيئًا ولا أنقصُ منه. فلمّا ولَّى قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ سرَّهُ أن ينظرَ إلى رجلٍ منْ أهلِ الجنةِ، فلينظر إلى هذا» متفق عليه (١) .
-
وعن طلحة بن عُبيد الله قال: جاء رجل إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من أهل نجدٍ ثائرُ الرأس، نسمَع دَوِيَّ صوته ولا نفقه ما يقول، حتى دنا، فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «خمسُ صلواتٍ في اليومِ والليلةِ» فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تتطوَّع» . قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «وصيامُ رمضانَ» . قال: هل عليَّ غيره؟ قال: «لا، إلا أن تتطوّع» . قال: وذَكَر له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الزكاةَ، فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تتطوّع» . قال: فأدبرَ الرجلُ، فقال: والله لا أزيدُ على هذا ولا أنقصُ. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أفلحَ إنْ صَدَق» (٢) .
-
وعن أبي جمرة (٣) ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أنّ وفدَ عبد القيس لمّا أتوا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَن القومُ (أو: مَن الوفد) ؟ » قالوا: ربيعة. قال: «مرحبًا بالقوم (أو بالوفد) غير خَزايا ولا نَدامى». فقالوا: يا رسول الله، إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام، وبيننا وبينك هذا الحيّ من كُفّار مُضَر، فمُرْنا بأمرٍ فصلٍ نُخْبِرْ به مَن وراءَنا وندْخُلْ به الجنةَ. قال: فأمرهم بأربعٍ ونهاهم عن أربع، أمرهم بالإيمان بالله وحده، وقال: «أتدرونَ ما الإيمانُ بالله وحْدَه؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «شهادةُ أن لا إله إلا الله وأنّ محمدًا رسولُ الله، وإقامُ الصلاةِ، وإيتاءُ الزكاةِ، وصومُ رمضانَ، وأن تُعْطوا من المَغْنَمِ الخُمُسَ» . ونهاهم عن أربع، عن
vol. 4, p. 8الحَنْتَم والدُّبّاء والنَّقير والمُزَفَّت، وربما قال: المُقيَّر. قال: «احفظوهنّ، وأخْبِروا بهنَّ مَن وراءكم» . رواه الجماعة إلا ابن ماجه (١) .
-
وقد أجمعت الأمةُ إجماعًا ظاهرًا على وجوب صيام شهر رمضان، وأنه الشهر التاسع من شهور العام بين شعبان وشوّال (٢) .
-
والأفضل أن يقال: جاء «شهر رمضان» ، وصمنا «شهرَ رمضان» ؛ موافقةً للفظ القرآن وأكثر الأحاديث.
-
فأما إطلاق «رمضان» عليه، فقال القاضي وغيره (٣) : يُكره إطلاق هذا الاسم عليه من غير قرينةٍ تدلّ على أن المراد به الشهر؛ لأن الله سبحانه قال: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة: ٢٨٥] .
-
ولِمَا رُوي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تقولوا جاء رمضانُ، فإنّ رمضانَ اسمُ الله، ولكن قولوا: جاء شهرُ رمضان» رواه [أبو] (٤) أحمد بن عدي (٥) .
- vol. 4, p. 9
وفي رواية: «لا تقولوا: جاءَ رمضانُ (١) ، فإنّ رمضانَ اسمٌ من أسماءِ الله، ولكن قولوا: جاء شهرُ رمضانَ».
-
وقد رُوي عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئل عن شهر رمضان؟ فقال: «أرْمَضَ الله فيه ذنوبَ المؤمنين فغفَرَها لهم» (٢) .
وقالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تسمّوا رمضانَ، فإنّ رمضانَ اسمٌ من أسماء الله عز وجل، فانْسبوه إليه كما نَسَبه لكم في القرآن» (٣) رواه (٤) ابن شاهين.
- vol. 4, p. 10
وظاهر الأثر المذكور يقتضي كراهة إطلاق «رمضان» عليه بكل حال؛ لأنه نهى أن يقال: «جاء رمضان» ــ ومعلومٌ أنّ هذه قرينةٌ ــ، ونَهى عن تسمية رمضان (١) .
-
وقد روى أبو سعيد الأشجّ وغيره عن مجاهد (٢) : أنه كره أن يقول: «رمضان» ، ويقول: «شهر رمضان» كما سمى الله شهر رمضان.
-
ولعل وجه هذا ــ إن كان له أصل ــ أن يكون الله سبحانه وتعالى لما كان يرمضُ الذنوبَ في هذا الشهر على الشهر (٣) فيحرقها ويفنيها، كان هذا من أسمائه، لكن على هذا التقدير لا يُسمّى الشهر «رمضان» لا مطلقًا ولا مقيَّدًا؛ لأن الاسم لله سبحانه، اللهم إلا أن يُقال: الاسم مشترك يُسمَّى به الله سبحانه ويسمّى به الشهر، فيجوز مع القرينة أن يُعنَى به الشهر، كما قد قيل مثل هذا في الربّ والمَلِك والسيّد ونحو هذا.
وقال غيره من أصحابنا كابن الجوزي (٤) : لا يُكره تسميته رمضان بحال. وهذا هو المعروف من كلام أحمد، فإنه دائمًا يطلق رمضان ولا يحترز عن ذلك؛ لما رُوي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - [ق ٣] قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا جاء رمضان، فُتِحَتْ أبوابُ الجنة» متفق عليه (٥) .
- vol. 4, p. 11
وعنه أيضًا: قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يتقدَّمنَّ أحدُكم رمضانَ بصومِ يومٍ أو يومين، إلا أن يكون رجلًا كانَ يصومُ صومًا فلْيَصُمْه» رواه الجماعة (١) .
-
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ صامَ رمضانَ إيمانًا واحْتِسابًا، غُفِر له ما تقدّمَ مِن ذنبه» متفق عليه (٢) .
-
وعمَّن سمع من فَلْق فِي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «مَن صامَ رمضانَ وشوَّالًا والأربعاءَ والخميس دخَلَ الجنةَ» رواه أحمد (٣) .
وعن أبي أيوب وجابر وثوبان، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَن صامَ رمضانَ، ثم أَتْبَعه بستٍّ مِن شوَّال ... » وذكر الحديث. رواه مسلم وغيره (٤) .
-
وعن سَلَمة بن المُحَبّق قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ كانتْ له حَمُولةٌ
vol. 4, p. 12تأوي إلى شَبَعٍ فليصُمْ رمضانَ حيثُ أدْرَكَه». وفي لفظ: «مَنْ أدركه رمضان في السفر» رواهما أبو داود (١) .
-
وعن أبي هريرة وعائشة: أن رجلًا قال: يا رسول الله، أصبتُ أهلي في رمضان. متفق عليهما (٢) .
-
وهذا كثير في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأما عن أصحابه فأكثر من أن يُحصى.
قالوا: ولأنه لم يذكر أحدٌ في أسماء الله «رمضانَ» ، ولا يجوز أن يُسمَّى به إجماعًا (٣) .
-
والحديثان المتقدمان (٤) لا أصل لهما؛ أما الأول فإنّ مداره على أبي مَعْشَر، والثاني مداره على إسماعيل بن أبي زياد الشامي، عن هشام بن عروة.
-
وأما قوله سبحانه: {شَهْرُ رَمَضَانَ} فكقولهم: شهر ربيع الأول وشهر
vol. 4, p. 13ربيع الآخر، وهو من باب إضافة الاسم العام إلى الخاص، كما يقال: يوم الأحد ويوم الخميس.
قال بعض أهل [اللغة] (١) : ما كان في أوله [راءٌ من] (٢) الشهور، فإن الغالب أن يُذكَر بإضافة الشهر إليه دون ما لم يكن كذلك، فيقولون: المحرم، وصفر، وشهر ربيع الأول، شهر ربيع الآخر، [شهر] (٣) رجب، شعبان، شهر رمضان.
-
* وأما اشتقاقه، فقال القاضي (٤) : قيل: سُمي رمضان لأنه يَرْمُض الذنوب؛ أي: يُحْرِقها ويُهْلِكها. وقد تقدمت الروايةُ بذلك.
-
وعن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أتدرون لأيِّ شيء سُمّي شعبان؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «لأنه يتشعَّبُ فيه خيرٌ كثير، وإنما سُمِّي رمضان لأنه يرمض الذنوب» (يعني: يحرق الذنوب) . رواه ابن شاهين وغيره (٥) .
- vol. 4, p. 14
وهذا المعنى لا يخالف ما يذكره أهلُ اللغة؛ فإنهم يزعمون أن أسماء الشهور لمَّا نقلوها عن اللغة القديمة، سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحَرّ، فسُمّي بذلك، كما سمَّوا شوّالًا؛ لأن الإبل تشول بأذنابها، وسمّوا شعبان لانشعاب القبائل فيه، وغير ذلك.
-
وهذا لأن الرَّمَض شدّةُ وَقْعِ الشمس على الرمل وغيره، والأرضُ رَمْضاء، ورَمِضَ يومُنا يرمض رَمَضًا: اشتدّ حرُّه، ورَمِضتْ قدمي، ورَمِض الفصيلُ: أصابه حرُّ الرمضاء.
-
فاجتمع في رمضان أنّ وقت التسمية كان زَمَن حَرّ، ثم إن الله فرض صومَه، والصومُ فيه العطشُ والحرارة، ثم إنه يوجب التقوى فتحرق الذنوبَ وتهلكها. وقد يُلْهِم الله خلقَه أن يسمّوا الشيءَ باسمٍ لمعنًى يعلَمُه هو ويبيّنه فيما بعد (١) ، وإن لم يعلموا ذلك حين الوَضْع والتسمية؛ كما سمّوا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - محمدًا.
-
وغير مستنكَر أن يكون ما اشْتُق منه الاسم قد تضمَّن معاني كثيرة يفطَن بعضٌ لبعضها.
-
وأيضًا فإن هذه التسمية لغوية شرعية، فجاز أن يكون له باعتبار كلِّ واحدٍ من التسميتين معنًى غير الآخر. وقد قيل: هو اسم موضوع لغير معنى كسائر الشهور.
- vol. 4, p. 15
وقيل: شُرِع صومه دون غيره ليوافق اسمه معناه، وقد سمّي بذلك لأن الله حين فرضه كان وقت الحرّ. وهذا ضعيف؛ لأن تسميته رمضان متقدِّمة على فرضه، ولأنه لما فُرض كان في أوائل الربيع الذي تسميه العربُ الصيفَ؛ فإنَّ أولَ رمضانَ فُرِض كانت فيه وقعة بدر، وقد أنزل الله عليهم فيها ماءً من السماء، والقيظ العظيم لا ينزل فيه مطر.
-
فصل (١)
-
ويستحبّ لمن رأى الهلال ــ هلال رمضان أو غيره ــ أن يدعوَ بما رُوي عن طلحة بن عبيد الله: أنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - كان إذا رأى الهلالَ قال: «اللهم أَهِلَّه علينا باليُمْن والإيمان، والسلامة والإسلام، رَبّي وربُّك الله» رواه أحمد والترمذي (٢) ، وقال: حسن غريب.
-
وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا رأى الهلال قال: «الله أكبر، اللهم أَهِلَّه علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق
vol. 4, p. 16لما تحبّ وترضى، ربِّي ورَبُّك الله» رواه الأثرم (١) .
-
وعن ابن (٢) حرملة قال: خرجتُ مع سعيد بن المسيب، وهو آخذ بيدي، فرفعتُ رأسي؛ فإذا أنا بالهلال، فقلت: الهلال يا أبا محمد، فرفع رأسَه، فقال: «آمنتُ بالذي خَلقَك فسوَّاك فعَدَّلك» . ثم قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول هذا. رواه أبو داود في «المراسيل» (٣) .
-
وعن قتادة أنه بلَغَه أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا رأى الهلال قال: «هلالُ خيرٍ ورُشْد، آمنتُ بالذي خَلَقَك» ثلاث مرات. ثم يقول: «الحمدُ لله الذي ذهبَ بشهرِ كذا وجاءَ بشهرِ كذا» رواه أبو داود في «السنن» و «المراسيل» (٤) ، وقال: رُوي متصلًا ولا يصح.
- vol. 4, p. 17
ورواه عبد الرزاق في «الجامع» (١) : أنبانا مَعْمَر، عن قتادة قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا رأى الهلال كبَّر ثلاثًا، ثم هلَّل ثلاثًا، ثم قال: «هلالُ خيرٍ ورُشْد» ثلاثًا، ثم قال: «آمنتُ بالذي خَلَقك» ثلاثًا. ثم قال: «الحمدُ لله الذي ذهبَ بشهرِ كذا وكذا وجاءَ بشهرِ كذا وكذا» .
-
وعن قتادة: [ق ٤] أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا رأى الهلال صَرَف وجْهَه عنه. رواه أبو داود (٢) .