مسألة: (ويجب بأحد ثلاثة أشياء: كمال شعبان، ورؤية هلال رمضان، ووجود غيم أو قتر ليلة الثلاثين يحول دونه)

185 paragraphs · vol. 4, p. 50

Page 1 of 5

  1. وجملةُ ذلك: أن الموجِب لصوم رمضان أحدُ ثلاثة أشياء:

    أحدها: إكمال عِدّة شعبان، فمتى أكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا لزمهم الصومُ، سواء رأوا الهلال أو لم يروه، وسواء حال دون منظره سحاب أو قَتَر أو لم يَحُل؛ لتواتر الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك، ولأن الشهر لا يكون أكثر من ثلاثين يومًا، فمتى كَمُل شعبان فقد تيقّنَّا دخولَ شهر رمضان.

    ثم إكمال شعبان مبنيٌّ على ابتدائه، فإن كان أوَّلُه قد عُلِم (٢) بالرؤية العامة؛ فآخره قد تُيُقّن انصرامُه بكمال العدة، وإن كان بشهادة عدلين ... (٣)

    vol. 4, p. 50
  2. الثاني: رؤية الهلال، فإذا رُئي رؤيةً عامة فقد وجب الصوم، سواء رأوه بعد إكمال عدة شعبان أو لتسعٍ وعشرين خلت منه. وهذا أيضًا من العلم العام. وقد قال الله سبحانه: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: ١٨٩] ، وتواترت الأحاديثُ عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بوجوب الصوم لرؤيته.

  3. الثالث: أن يحول بيننا وبين مطلعه غَيْمٌ أو قَتَرٌ ليلة الثلاثين من شعبان،

    vol. 4, p. 51وذلك أنه إذا لم يُرَ ولم تكمل العدة؛ فإما أن يكون هناك مانعٌ (١) يمنع من رؤيته لمن أرادها وقَصَدَها، أو لا يكون هناك مانع؛ فإن لم يكن هناك مانع، لم يجز صومه من رمضان، ومنه يوم الشكُّ المنهيّ عن صومه، كما سيأتي إن شاء الله.

  4. وإن كان هناك حائلٌ يمنع من رؤيته، وهو أن يكون دون مطلعه ومنظره سحابٌ أو قَتَرٌ، يجوز أن يكون الهلال تحته قد حال دون رؤيته، فالمشهور عن أبي عبد الله - رحمه الله - أنه يُصام من رمضان، ويجزئ إذا تبيَّن أنه من رمضان، ولا يجب قضاؤه. نقله عنه الجماعة، منهم ابناه والمرُّوذي والأثرم وأبو داود ومهنّا والفضل بن زياد (٢) .

  5. وهل يقال: يجوز على هذا أن يُسمّى يوم شكٍّ؟ فيه (٣) روايتان:

    إحداهما: يُسمّى يوم شكّ، نقلها المرُّوذي، فعلى هذا يرجَّح جانب التعبُّد.

  6. والثانية: لا يُسمّى يوم شكّ، بل هو يوم من رمضان من طريق الحُكم، وهو ظاهر ما نقله مهنّا، وهو قول الخلَّال والأكثرين من أصحابنا.

  7. فعلى هذا لا يتوجّه النهيُ عن صوم يوم الشكِّ إليه إذا (١) قلنا: هو من رمضان، وعليه جماهير أصحابنا.

    vol. 4, p. 52
  8. وروى عنه حنبل: إذا حال دون منظر الهلال حائلٌ أصبح الناسُ متلوِّمين ما يكون بعد، وإذا لم يَحُل دون منظره شيء أصبح الناسُ مفطرين، فإن جاءهم خبر، كان عليهم يومٌ مكانه، ولا كفارة.

  9. فعلى هذا لا يُصام من رمضان، وهذا اختيار طائفة من أصحابنا، منهم ابن عَقيل والحُلْواني وأبو القاسم بن مَنْده (٢) ؛ فعلى هذه الرواية يستحبُّ له أن يصبح ممسكًا مُتَلَوِّمًا، وإن لم يَحُل دونه شيء أصبح مفطرًا.

  10. وروى عنه حنبل (٣) في موضع آخر وقد سئل عن صوم يوم الشكِّ، فقال: صم مع جماعة الناس والإمام، فإنَّ السلطانَ أحوطُ في هذا وأنْظَرُ للمسلمين وأشدُّ تفقّدًا، والجماعة يدُ الله على الجماعة، ولا يعجبني أن يتقدّم رجلٌ الشهرَ بصيام، إلا مَن كان يصوم شعبان، فلْيَصِلْه برمضان.

    قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: لا أرى صيام يوم الشكّ إلا مع الإمام ومع الناس. قال أبو عبد الله: وأذْهَبُ إلى حديث ابن عمر؛ لأن الصلاة والصيام والجهاد إلى الإمام. يعني ما رواه حنبل (٤) عن ابن عمر أنه قال:

    vol. 4, p. 53«صوموا مع الجماعة وأفطروا مع الجماعة» .

  11. ووجه عدم الصوم: ما رُوي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُمّ (أو: غبي، أو: غمي) (١) عليكم، فأكملوا عدَّةَ شعبانَ ثلاثين» رواه البخاري (٢) عن آدم، عن شعبة، عن محمد بن [ق ١١] زياد عنه.

  12. ورواه مسلمٌ (٣) من حديث معاذ بن معاذ، عن شعبةَ. والنسائيُّ (٤) من حديث ابن عُلَيَّة وورقاء، عن شعبة وقالا: «فإن غُمِّي (غُمَّ) عليكم الشهرُ، فعدّوا ثلاثين». ورواه مسلم (٥) من حديث الربيع بن مسلم، عن محمد بن زياد، وقال: «فأكملوا العَدَد، فعدّوا ثلاثين يومًا» (٦) .

  13. ورواه أحمد (١) من حديث شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «صوموا لرؤيته، فإن غَبِيَ عليكم فعدُوا ثلاثين يومًا» .

    vol. 4, p. 54
  14. وعن الزهري، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمَّ عليكم فصوموا ثلاثين يومًا» رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه (٢) .

  15. ورواه أحمد (٣) بهذا اللفظ عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. بإسناد صحيح.

  16. وعن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «صوموا لرؤيته، وأفْطِروا لرؤيته، فإن غُمّ عليكم فعدُّوا ثلاثين يومًا ثم أفطروا» رواه أحمد والترمذي (٤) وقال: حديث حسن صحيح.

  17. ورواه الدارقطني (٥) من حديث إسماعيل بن جعفر، عن محمد بن عَمرو، عن أبي سلمة. قال: ورواه أبو بكر بن عيَّاش وأسامة بن زيد، عن محمد بن عَمرو بهذا. قال: وهي أسانيد صحاح.

  18. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن حال بينكم وبينَه سحابٌ فكمّلوا العدّة ثلاثين، ولا تستقبلوا

    vol. 4, p. 55الشهرَ استقبالًا» رواه أحمد والنسائي (١) .

  19. وفي روايةٍ للنسائي (٢) : «فأكملوا العِدّة عِدّةَ شعبان» .

  20. ورواه أبو داود الطيالسي (٣) قال: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن حال بينكم وبينه غَمامةٌ أو ضَبَابةٌ، فأكملوا شهر شعبان ثلاثين، ولا تستقبلوا رمضان بيوم من شعبان» .

  21. وعن محمد بن حُنَين (٤) ، عن ابن عباس قال: عجبتُ (٥) ممن يصوم

    vol. 4, p. 56قبل الشهر [وقد] قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا رأيتم الهلالَ فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدَّة ثلاثين» رواه النسائي (١) .

  22. وفي رواية للنسائي والترمذي (٢) : «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن حالت دونه غيايةٌ فأكملوا العِدّة ثلاثين يومًا» قال الترمذي: حديث حسن صحيح.

  23. ورواه أبو داود (٣) ولفظه: «لا تَقَدَّموا الشهرَ بصيام يوم ولا يومين، إلا أن يكون شيئًا يصومه أحدُكم، ولا تصوموا حتى تروه، ثم صوموا حتى تروه، فإن حال دونه غمامةٌ فأكملوا العِدَّة ثلاثين يومًا ثم أفطروا» . هكذا رواه أبو داود من حديث زائدة (٤) ، عن سماك، وقال: رواه حاتم بن أبي صَغيرة وشعبة والحسن بن صالح، عن سِماك بمعناه، ولم يقولوا: «ثم أفطروا» .

  24. وقد روى مسلم في «صحيحه» (٥) عن ابن (٦) عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -

    vol. 4, p. 57قال: «إن الله قد أمدَّه لرؤيته، فإن أُغْمِي عليكم فأكملوا العدة» .

  25. وعن عائشة قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتحفَّظ من هلال شعبان ما لا يتحفَّظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غُمّ عليه عدّ ثلاثين يومًا ثم صام. رواه أحمد وأبو داود (١) . قال الدارقطني: هذا إسناد حسن صحيح.

  26. وعن رِبْعيّ، عن حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تقدَّموا الشهرَ حتى تروا الهلالَ أو تكملوا العدّةَ، ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تُكمِلوا العِدّة» رواه أبو داود والنسائي (٢) .

  27. ورواه النسائي (١) عن رِبْعيّ عن بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، ورواه أيضًا مرسلًا.

    vol. 4, p. 58
  28. وعن رِبْعيّ بن حراش: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُمّ عليكم فعدّوا شعبان ثلاثين ثم صوموا، فإن غُمّ عليكم فعدوا رمضان ثلاثين ثم أفطروا، إلا أن تروا قبل ذلك» رواه الدارقطني (٢) .

  29. وعن عمَّار بن ياسر قال: مَن صام اليوم الذي يُشَكّ فيه فقد عصى أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم -. رواه الأربعة (٣) ، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

  30. وذكره البخاريُّ (٤) تعليقًا، فقال: وقال صِلَةُ، عن حذيفة: مَن صام يوم الشكّ فقد عصى أبا القاسم.

  31. وعن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «الشهرُ تسعٌ وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى تروه، فإن غُمّ عليكم فأكملوا العِدَّة ثلاثين» . هكذا رواه البخاري (٥) بهذا الإسناد واللفظ.

  32. والذي في «الموطأ» (١) بهذا الإسناد: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «الشهر تسعٌ وعشرون، فلا تصوموا حتى تروا الهلالَ، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غُمّ عليكم فأكملوا العِدَّةَ ثلاثين» (٢) .

    vol. 4, p. 59
  33. ثم روى مالك (٣) عن ثور بن زيد، عن ابن عباس: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تصوموا حتى تروا الهلالَ، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غُمّ عليكم فأكملوا العِدّة ثلاثين» .

    فلعل ... (٤)

  34. وعن ابن عمر: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر رمضان، فضرب بيده، فقال: «الشهر هكذا وهكذا وهكذا ــ ثم عقد إبهامه في الثالثة ــ، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُمّ عليكم فاقدروا ثلاثين» رواه مسلم (٥) .

  35. فوجه الدلالة من هذه الأحاديث من وجوه:
  36. أحدها: أن قوله: «فأكملوا العِدّة» يقتضي إكمال العدّة في هلال الصوم وفي هلال الفطر، فإن الصوم والفطر قد تقدم ذكرهما جميعًا في قوله:

    vol. 4, p. 60«صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُمّ عليكم (في أحد هذين الموضعين) فأكملوا العِدّة»؛ لأن اللفظ مطلق فلا يجوز تقييده، ولأنه لو اختلف حكم الهلالين لبيَّنه، ولا يجوز حَمْلُه على أنه إن غُمّ فيهما جميعًا؛ لأن غمّه أعمّ من أن يُغمّ فيهما أو في أحدهما، فيجب حمله على الصور (١) جميعًا، وأن لا يُحْمَل على واحد منها (٢) .

  37. الثاني: أن قوله: «لا تصوموا حتى تروا الهلالَ أو تكملوا العِدّة» صريحٌ في هذا الحكم.

  38. الثالث: أن قولَه في حديث أبي هريرة: «فأكملوا عِدَّة شعبان» ، وكذلك في حديث ابن عباس وفي حديث ابن عمر: «لا تصوموا حتى تروه، فإن غُمّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين» خاصّ في عِدّة شعبان، وفي أنه لا يُصام حتى يُرى الهلال.

  39. الرابع: حديث عائشةَ نصٌّ مفسَّرٌ بقولها: «عدَّ ثلاثين يومًا ثم صام» .

  40. الخامس: أن حديث عمار مفسَّر بالنهي عن صوم يوم الشكّ، وهذا يوم شكّ؛ لأنه يحتمل أن يكون من شعبان ويحتمل أن يكون من رمضان، ولا معنى للشكّ إلا التردّد بين الجهتين.