مسألة: (ويجب صيام رمضان على كل مسلم بالغ عاقل قادر على الصوم، ويؤمر به الصبي إذا أطاقه)

161 paragraphs · vol. 4, p. 5

Page 2 of 5

  1. فإذا جَمَع بين هذا كلِّه: كبَّرَ ثلاثًا، ثم هلّل ثلاثًا، ثم قال: هلالُ خير ورشد ثلاثًا (٣) ، ثم قال: آمنتُ بالذي خلقك فسوَّاك فعدّلك ثلاثًا، ثم قال: الحمد لله الذي جاء بشهر كذا وذهب بشهر كذا، اللهم أهِلَّه علينا باليُمْن والإيمان والسلامة والإسلام.

    vol. 4, p. 17
  2. وأما رمضان، فقد رُوي عن أبي جَناب (٤) الكلبي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «هذا رمضانُ قد جاء فقولوا: اللهم سلِّمْه لنا وسلّمْنا له في يُسر وعافية

    vol. 4, p. 18وتقبَّله مِنّا» رواه عبَّاد بن يعقوب الأسدي (١) .

  3. وعن يحيى بن أبي كثير قال: كان من دعائهم: «اللهم سلِّمني لرمضان، وسلِّم لي رمضان، وسلِّمه منِّي متقبّلًا» رواه محمد بن كثير، عن الأوزاعي عنه (٢) .

  4. وعن أبي جعفر الباقر قال: «كان إذا أهلَّ رمضان قال: اللهم أهِلَّه علينا بالسلامة والإسلام، ودفع الأسقام، والعون على الصلاة والصيام، والرزق الواسع، والعفو والعافية، اللهم سلِّمْه لنا وسِلْمنا له» رواه عبَّاد بن يعقوب (٣) .

  5. الفصل الثاني (١)

    vol. 4, p. 19
  6. أنه يجب على كلِّ مسلم عاقل بالغ قادر، فيدخل في هذا المقيم والمسافر، والصحيح والمريض، والطاهر والحائض، والمُغمَى عليه. فإنَّ هؤلاء كلَّهم يجب عليهم الصوم في ذِمَمِهم، بحيث يخاطَبون بالصوم ليعتقدوا الوجوبَ في الذمة، والعزمَ على الفعل، إمَّا أداءً وإما قضاءً.

  7. ثمّ منهم من يُخاطَب بالفعل في نفس الشهر أداءً، وهو الصحيح المقيم إلا الحائض والنفساء.

  8. ومنهم من يُخاطَب بالقضاء فقط، وهو الحائض والنفساء والمريض الذي لا يقدر على الصوم أداءً وقد يقدر عليه قضاء.

  9. ومنهم من يخيَّر بين الأمرين، وهو المسافر والمريض الذي يمكنه الصوم بمشقّة شديدة من غير خوف التَّلَف.

  10. الفصل الثالث (٢)

  11. أنه لا يجب على الكافر، بمعنى أنه لا يُخاطَب بفعله، ولا يجب عليه قضاؤه إذا أسلم، وسواء كان أصليًّا أو مرتدًّا في أظهر الروايتين (٣) ، وقد تقدمت فروعُ ذلك في الصلاة (٤) .

  12. ولا يصح من الكافر ابتداءً ولا دوامًا، فلو ارتدَّ في أثناء يوم بطَلَ صومُه؛

  13. لأن الصوم عبادة، والكفر ينافي العبادة، ولأنها عبادة فبطلت بالرِّدّة كالصلاة، وطَرْدُه الإحرام والطهارة، ويتخرَّج .... (١) .

    vol. 4, p. 20
  14. فعلى هذا إذا عاد إلى الإسلام فإنه يجب عليه القضاء في المشهور، وإن عاد إلى الإسلام في أثناء النهار فهو أولى بوجوب القضاء.

    فأما إن قلنا: إن الإسلام في بعض النهار لا يوجب الإمساك والقضاء، وقلنا: إنه لا يقضي ما تركه قبل الردَّة ... (٢) .

    وقال ابن أبي موسى (٣) : من ارتدَّ عن الإسلام أفطر، وحَبِط عملُه، فإن عاد إلى الإسلام في بقية رمضان صام ما تبقى. وهل يلزمه قضاء ما أفطر منه بعد الردة أم لا؟ على روايتين (٤) .

  15. الفصل الرابع (٥)

  16. أنه لا يجب على المجنون في المشهور من المذهب. نصّ عليها في رواية الأثرم، وفرَّق بينه وبين المُغمَى عليه، وعليها أصحابنا، حتى مَن أوجبه على الصبيّ. ورُوي عن حنبل أنه يقضيه إذا أفاق كالحائض.

  17. والقضاء هنا أوجَه من قضاء الصلاة؛ لأنّ ما أَسْقَط أداءَ الصلاة في الغالب فإنه يُسْقط قضاءَها، بخلاف الصوم فإنه يُقضى مع الحيض والسفر

    vol. 4, p. 21والمرض وغير ذلك، وإن لم يجب الأداء مع هذه الأسباب، ولأن إيجاب القضاء عليه لا مشقَّة فيه هنا بخلاف إيجاب قضاء الصلاة، ولأن الصوم قد لا يتكرَّر مثلُه في حال الإفاقة فيفضي إلى تركه بالكلّية بخلاف الصلاة، وذلك لأنه زوالُ عقلٍ فلم يمنع وجوب القضاء كالإغماء والسُّكْر.

  18. فعلى هذه الرواية يجب عليه القضاء، سواء كان الجنون طارئًا عليه بعد البلوغ أو مُسْتَدامًا من حين البلوغ، وسواء استغرق الشهرَ أو بعضَه.

  19. فأما إن توالت عليه رمضاناتٌ في حال الجنون، فعلى ما ذكره القاضي إنما يقضي الرمضانَ الذي أفاق بعده، فأما ما قبل ذلك الرمضان فلا يقضيه؛ لأن أحسن أحواله أن يكون كالحائض، والحائض لابدّ أن يتخلّل بين الرمضانين زمنٌ لقضائها (١) .

  20. وكلامُ غيره: تُصام، وهو ظاهر كلامه في هذه الرواية؛ لأنه عُذْرٌ توالَى في عِدّة رمضانات، فلم يُسْقط القضاءَ كالمرض والسفر.

  21. ووجه الأول: أن قوله: «رُفِع القلمُ عن المجنون حتى يَفِيق» (٢) يقتضي

    vol. 4, p. 22الرفع عنه مطلقًا، وإيجاب القضاء يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يوجب القضاءَ على المجنون مِن نصّ ولا قياس؛ إذ لا نصّ في المسألة.

  22. والفرق بينه وبين الحائض والمُغْمَى عليه ظاهر؛ فإن الحائض من أهل التكليف حين انعقاد سبب الوجوب، وهو استهلال الشهر، فثبت الوجوب في ذمتها كما يجب غيره من الفرائض، والمجنون ليس من أهل التكليف، فلا يصح الإيجاب عليه.

  23. ولا فرق في ذلك بين الجنون المُطْبِق والذي يَعْرِض أحيانًا، فإنه لا يجب عليه الصوم إلا في حال الإفاقة.

  24. وهل يصح منه الصوم بنيَّة وليّه له كالصبي وكما في الإحرام؟ على وجه.

  25. * (١) فإن نوى الصومَ وجُنَّ في بعض اليوم، لم يبطل صومُه إذا أفاق في جزء منه، وجمهور أصحابنا ــ كابن (٢) عقيل وأبي الخطاب (٣) فيما ذكره القاضي ــ أنه (٤) كالإغماء. وقال جَدِّي (٥) : يبطل صومُه.

  26. * فأما [ق ٥] الصّرَع، وهو الخَنْق الذي يَعْرض وقتًا ثم يزول، فينبغي أن يُلْحَق بالإغماء والغَشْي؛ لأنه يُزيل الإحساسَ من السمع والبصر والشمّ

    vol. 4, p. 23والذوق، فيُغطي، فيزول العقل تبعًا لذلك، بخلاف الجنون فإنه يُزيلُ العقلَ خاصة، فيُلْحِقه بالبهائم.

  27. فصل

    فأما مَن زال عقلُه بغير جنون من إغماء أو غيره، فإنه يجب عليه الصوم بغير خلاف في المذهب، ويصحُّ صومُه إذا نواه في وقت تصحُّ فيه النية، وأفاقَ بعضَ النهار، سواء أفاق في أحدَ الطرفين أو في الوسط.

  28. فأما إن أُغمي عليه جميعَ النهار لم يصح صومُه. ولو نام جميعَ النهار صحّ صومُه. هذا هو المنصوص المشهور في المذهب (١) ، وإن كان سكرانَ أو مبنَّجًا أو زال عقلُه (٢) بشرب دواء ... (٣) ، وذلك لأن الإغماء مرضٌ من الأمراض، فلم يمنع صحةَ الصوم كسائر الأمراض.

  29. وإنما اشترطنا أن يفيق في جزء من النهار لأن الصوم لابدّ فيه من الإمساك؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يحكي عن ربِّه في صفة الصائم: «يدَعُ طعامَه وشهوتَه مِنْ أجلي» (٤) . والإمساكُ لا يكون إلا مع حضور العقل.

  30. ولم نشترط وجود الإمساك في جميع النهار، بل اكتفينا بوجوده في بعضه لأنه دخل في عموم قوله: «يدعُ طعامَه وشهوتَه مِنْ أجلي» .

  31. فعلى هذا إن نوى الصومَ من الليل، ثم أُغْمِي عليه في أثناء النهار

    vol. 4, p. 24واتصل أيامًا، صحَّ له صوم الأول دون ما بعده؛ لفوات الإفاقة فيه والنية.

    قال ابن أبي موسى (١) : وقال بعض أصحابنا ــ ويجيءُ على قولنا: يجزئه نية لجميع الشهر ــ: إنه إذا صح له صومُ الأول صحّ له ما بعده.

  32. كأنَّ صاحبَ هذا القول شبَّه جَعْل إفاقة واحدة كافية في جميع الشهر، كما أن نية واحدة تكفي على هذه الرواية.

  33. نعم لو أُغمي عليه أيامًا، فأفاق في أثناء نهارٍ، فإنه هنا يجزئه ذلك الصوم على قولنا: إنه يصح [أن] (٢) يكفي لجميع الشهر نيّة واحدة.

  34. الفصل الخامس

    أنه لا يجب على الصبيّ حتى يبلغ في إحدى الروايتين (٣) . قال في رواية حنبل: إذا احتلم في بعض الشهر لا يقضي، ويصوم فيما يَسْتقبِل.

  35. واليهوديُّ والنصرانيّ إذا أسلما يصومان ما بقي ولا يقضيان ما مضى، إنما وجبت الأحكامُ عليهما بعدما أسلما.

    وقال في رواية المرُّوذي: إذا حاضت في بعض الشهر تصوم الباقي. وقال في رواية ابن إبراهيم (٤) : تصوم إذا حاضت، فإن أجهدها فلتفطر ولتقض.

    vol. 4, p. 25وقال في رواية حرب (١) ــ وقال له: غلامٌ احتلم لثلاثة عشرة، فقيل له: صم، فقال: لا أقدر ــ قال: إذا احتلم صام لا يترك. قلت: فالجارية؟ قال: إذا حاضت.

  36. وعنه: أنه يلزمه الصوم إذا أطاقه، حتى لو أطاق بعضَه في أثناء الشهر لزمه صومُ ما يَسْتقبله، ولو تبيَّن له في أثناء النهار، وأنه يطيقُ صومَ ذلك اليوم، كان بمنزلة إسلام الكافر. وهذا اختيار أبي بكر.

    قال في رواية أبي داود (٢) : يُؤمَر الغلام بالصوم إذا أطاقه.

  37. وقال في رواية المرُّوذي في غلام ابن اثنتي عشرة (٣) سنة لم يحتلم: أرى عليه الصيام، فإن لم يَصُم يُضْرَب على الصوم والصلاة.

  38. وقد تأوَّلها القاضي فقال: وذكر ابنُ أبي موسى (٤) هذه الرواية إذا أطاقه (٥) صيام ثلاثة أيام تباعًا لا تضرُّ بصحته (٦) أُخِذ بصيام رمضان، فيكون صوم ثلاثة أيام متتابعة تفسيرًا (٧) للطاقة المذكورة في الرواية الأخرى؛ لأن أحمد - رضي الله عنه - قال في رواية عبد الله (٨) . قال: ورواه ابن جريج قال: أُخبِرت

    vol. 4, p. 26عن محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة، عن أبيه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا صام الغلامُ ثلاثةَ أيام متتابعة فقد وجب عليه صيام شهر رمضان» . قال أبو عبد الله: يؤمر الصبيُّ بالصيام إذا أطاق.

  39. فهذا يبين أنه أخذ بالحديث في تفسير الطاقة.

  40. وروى عبد الرزاق في «كتابه» (١) عن ابن جُرَيج، عن محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة، عن أبيه، عن جدّه: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا صام الغلام ثلاثةَ أيامٍ متتابعة، فقد وجب عليه صيام رمضان» .