مسألة: (ويجب صيام رمضان على كل مسلم بالغ عاقل قادر على الصوم، ويؤمر به الصبي إذا أطاقه)
161 paragraphs · vol. 4, p. 5
Page 4 of 5
- vol. 4, p. 37
فصل
فأما إذا وُجِد سببُ الفطر في أثناء النهار، مثل أن تحيض المرأةُ، فإنها تصير مُفطِرة؛ لأن الحيضَ يمنع صحةَ الصوم، وتأكل ولا تُمْسِك، فيما ذكره ابنُ [ق ٨] المنذر (٤) عن أحمد، وهو رواية (٥) .
vol. 4, p. 38قال في رواية عبد الله (١) : إن كانت امرأة صامت ثم حاضت، تُمسِك عن الطعام إلى آخر النهار، وتعيد ذلك اليوم. وكذلك المسافر إذا قَدِم المِصْر وهو مفطر يمسك.
قال القاضي: لأن اليوم قد اجتمع فيه ما يوجبُ الإمساكَ وهو الصوم أوَّله، وما يوجبُ الأكلَ وهو الحيض آخره، فغُلّب الإمساك، كما (٢) لو حاضت أوَّله أو قَدِم المسافر، والأول ... (٣)
-
وكذلك إذا مرض الرجل، فإنّ (٤) له أن يفطر، فإن المريض رُخِّص له في الفِطْر لأجل المشقّة التي تلحقه بالصوم، وهذا لا فرق فيه بين أول النهار وآخره، وكذلك لو ابتدأ الصلاةَ قائمًا ثم اعتلّ أتمَّها جالسًا.
-
لكن هل يجوز له الجماع وتجب عليه الكفارة؟ على الروايتين في المسافر.
-
أما إذا سافر في أثناء النهار، فهل يجوز له الفطر؟ على روايتين (٥) :
أحدهما (٦) : لا يجوز. قال في رواية صالح (٧) : إذا أصبح في شهر
vol. 4, p. 39رمضان ثم سافر آخر النهار فلا يعجبني أن يفطر.
-
لأن العبادةَ المختلفةَ بالحَضَر والسفر إذا تلبَّس بها في الحضر، ثم سافر، غُلِّب فيها حكم الحَضَر كالصلاة والمَسْح، ولأنه قد شَرَع في صومٍ وجبَ عليه، فلم يَجُز له الخروج منه لغير ضرورة، كما لو شَرَع (١) .
-
ولعل هذه الرواية خاصة فيمن أراد السفر آخر النهار، فإنه قد صام معظم يومه، ويدلّ على ذلك: ما رواه أبو داود في «مراسيله» (٢) عن طاووس قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سافر أول النهار أفطر، وإذا سافر حين تزول الشمس لم يفطر.
-
والأخرى: يجوز له الفطر كسائر الأعذار. وقال في رواية الفضل فيمن خرج في سفر هل يفطر؟ قال: اختلفوا فيه، وأرجو أن لا يكون به بأس. وقال أيضًا فيمن يصوم بعض رمضان ثم يعرض له سفر (٣) : يفطر إذا جاوز (٤) البيوتَ. وقال في رواية ابن منصور وابن إبراهيم إذا خرج مسافرٌ متى يفطر؟ قال: إذا برز (٥) عن البيوت (٦) . وهي أشهر عنه وأصح عند أصحابنا، لكن إتمام الصوم له أفضل.
قالوا: لما روى عُبيد بن جَبْر قال: كنتُ مع أبي بَصْرة الغِفاري في سفينة
vol. 4, p. 40من الفُسْطاط في رمضان، فدفع ثم قُرِّب غداؤه، ثم قال: اقترب، فقلت: ألستَ بين البيوت؟ فقال أبو بصرة: أرَغِبْتَ (١) عن سنة النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؟! رواه أحمد (٢) وابن يونس في «تاريخ مصر» .
-
وفي رواية لأحمد (٣) عن يزيد بن أبي حبيب: أن أبا بَصْرة الغفاري خرج في رمضان من الإسكندرية، فأُتيَ بطعامه، فقيل له: لم تغِبْ عنّا منازِلُنا بعدُ. فقال: أترغبون عن سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ ! قال: فما زلنا مفطرين حتى بلغوا مكان كذا وكذا».
-
وعن محمد بن كعب قال: أتيتُ أنسَ بن مالك في رمضان، وهو يريد سفرًا، وقد رُحِّلَت له راحلتُه، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام، فأكل، فقلت له: سُنّة؟ فقال: سُنّة، ثم ركب. رواه الترمذي (٤) وقال: حديث حسن. والدارقطني (٥) وقال فيه: وقد تقارَبَ غروبُ الشمس. والصحابيُّ إذا أطلق السنةَ فإنما تنصرف إلى سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
-
وعن أبي الخير، عن منصور الكلبي: أن دَحْيَة بن خليفة خرج من قريةٍ
vol. 4, p. 41من دمشق: مِزَّة (١) إلى قَدْر قريةِ عُقْبة من الفسطاط، وذلك ثلاثة أميال، في رمضان، ثم إنه أفطر وأفطر معه ناس، وكره آخرون أن يفطروا، فلما رجع إلى قريته قال: والله لقد رأيتُ اليومَ أمرًا ما كنتُ أظنّ أني أراه، إن قومًا رغبوا عن هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه (يقول ذلك للذين صاموا) . ثم قال عند ذلك (٢) : اللهم اقبضني إليك. رواه أحمد وأبو داود (٣) .
-
وقد احتجَّ بعضُ أصحابنا على ذلك بما رواه خالد الحذَّاء، عن عكرمة، عن ابن عباس - رضي الله عنهما -، قال: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رمضان إلى حُنين، والناس مختلفون فصائِمٌ ومُفْطِر، فلما استوى على راحلته دعا بإناءٍ من لبن أو ماء، فوضعه على راحلته (أو: راحته) ثم نظر إلى الناس، فقال المفطرون للصُّوَّام: افطروا. رواه البخاري (٤) .
-
قال أبو بكر عبد الرزاق بن عبد القادر الجيلي (٥) : صوابه: خيبر أو
vol. 4, p. 42مكة؛ لأنه قصَدَهما في هذا الشهر، فأما حُنين فكانت بعد الفتح بأربعين ليلة.
-
واعلم أنّ الروايةَ صحيحةٌ، ولا يجوز أن يُعتقد أن ذلك كان إلى خيبر، فإنه لا خلاف بين أهل العلم بمغازي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه غَزَى خيبرَ مرجِعَه من الحديبية، وأنها (١) كانت في ذي القَعدة سنة ست، وخيبر في أوائل سنة سبع (٢) ، فكيف يجوز أن يُعْتَقد أن خيبر كانت في رمضان، ثم هم لا يختلفون أنها لم تكن في رمضان؟!
-
نعم ذكَرَ حُنينًا لأنها كانت في ضمن غزوة الفتح، ولم يكن في الفتح قتال، وإنما كان القتال بحنين، وأراد بغزوة حُنين غزوةَ الفتح، ولذلك لما ذكر البخاريُّ (٣) هذه الرواية قال: «وقال عبد الرزاق: أنا معمر، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح» . لم يَزِد.
-
ورواه البَرْقاني (٤) وغيرُه بتمامه قال: «خرج النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح في شهر رمضان، حتى مَرَّ بغدير في الطريق، وذلك في نحر الظهيرة. قال: فعطش الناس، وجعلوا يمدّون أعناقَهم، وتتوقُ إليه أنفسُهم. قال: فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقَدَح فيه ماء، فأمسكه على يده حتى رآه الناس، ثم شربَ، وشربَ الناس في رمضان» (٥) .
- vol. 4, p. 43
وهذا الخروج إما أن يكون خروجه من المدينة إلى مكة، أو خروجه من مكة إلى حُنين؛ [ق ٩] فإنه لم يزل صائمًا في خروجه إلى أن بلغ الكَديد، كما في حديث ابن عباس المشهور (١) ، كما تقدم في الرواية الأخرى، وأما خروجه إلى حُنين ... (٢) .
-
ثم قد رُوي عن ابن عباس: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غزا غزوةَ الفتح في رمضان، وقال: «صام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى [إذا] بلغ الكَديد ــ الماء الذي بين قُدَيد وعُسْفان ــ أفطر حتى انسلخَ الشهرُ» . رواه البخاري (٣) .
-
وهذا يقتضي أنه لم يَشْرع في صومٍ بعد يوم الكَديد، وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما غزا في رمضان غزوةَ بدرٍ وغزوةَ الفتح خاصة.
-
وعن سيَّار بن مِخْراق: أنه سأل ابنَ عمر عن صيام المسافر؟ فقال: «خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأربعَ عشرةَ مضت من رمضان، فأناخ راحلتَه، ووضع إحدى رجليه في الغَرْز والأخرى في الأرض، فدعا بلَبَنٍ من لبنها، فشرب» . رواه حرب (٤) .
- vol. 4, p. 44
وقد احتجَّ كثيرٌ من أصحابنا بما روى جابرُ بن عبد الله - رضي الله عنهما -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى مكة عام الفتح، فصام حتى بلغ كُراع الغَميم، وصام الناسُ، فقيل له: إن الناس قد شقّ عليهم الصيام، وإن الناس ينظرون فيما فعلتَ؟ فدعا بقَدَحٍ من ماء بعد العصر، فشرب والناس ينظرون إليه، فأفطر بعضُهم وصام بعضُهم، فبلَغَه أن ناسًا صاموا، فقال: «أولئك العُصاة» . رواه مسلم والنسائي والترمذي وصححه (١) .
-
وربما احتجّ بعضُهم بحديث ابن عباس قال: «سافر رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في رمضان، حتى بلغ عُسْفان، ثم دعا بإناء من ماء، فشرب نهارًا ليراه الناس، وأفطر حتى قَدِم مكة» .
-
وكان ابن عباس يقول: «صام رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في السفر وأفطر، فمن شاء صام، ومَن شاء أفطر» . متفق عليه (٢) .
-
وفي رواية عن ابن عباس: «أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - خرج من المدينة ومعه عشرة آلاف، وذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مَقْدمه المدينة، فسار بمن معه من المسلمين إلى مكة، يصوم ويصومون حتى بلغ الكَديد ــ وهو ما بين عُسْفان وقُدَيد ــ أفطر [وأفطروا] » .
وقال الزهري: وإنما يؤخذ مِن أَمْر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الآخِرُ فالآخر. متفق عليه (٣) .
- vol. 4, p. 45
واعْتَقَد من احتجَّ بهذا أنه خرج من المدينة صائمًا، وأنه وصل ذلك اليوم إلى كُراع الغَميم وإلى الكَديد، وهذا خطأ؛ فإنّ عُسفان قرية معروفة بينها وبين مكة نحو من يومين، وهي اليوم خراب (١) .
-
ولهذا قال ابن عباس: «يا أهل مكة، لا تقصروا في أقلّ من أربعة بُرُد، من مكة إلى عُسفان» (٢) .
-
وجبل قُدَيد (٣) قريب منها، وهذا الماء بينهما. فهذا يبيِّن أن الفطر إنما كان بعد عدَّة أيام من مَخْرجه من المدينة.
وأما كُراعُ الغَميم (٤) ، فقد قيل: إن الأبنية و ... (٥) .
-
فتبيَّن بهذا أن هذا الفطر إنما كان في صومٍ قد أنشأه في السَّفَر، فيدلّ هذا على أن المسافر إذا نوى الصومَ في السفر، ثم بدا له أن يفطر فله ذلك، وهذا
vol. 4, p. 46لا يختلف المذهبُ فيه، إلا أن يريد الفطرَ بالجماع، ففيه روايتان (١) :
إحداهما: ليس له ذلك، وعليه الكفارة إذا أفطر بجماع، نصَّ عليه في رواية مثنّى بن جامع (٢) .
-
وكذلك إذا قلنا فيمن نوى الصومَ ثم سافر إنه ليس له الفطر، فجامعَ فعليه الكفّارة؛ لأن الواجبَ الموسّعَ إذا شَرَع فيه ثم أراد الخروج منه (٣) ، لم يكن له ذلك، كما لو شَرَع في قضاءِ رمضان، والصلاةِ في أول الوقت.
-
والصومُ في السفر أدنى أحواله أن يكون بمنزلة الواجب الموسَّع، فكان القياس أن لا يجوز الخروج منه بعد الدخول فيه.
-
نعم، جاز ذلك بالأكل والشرب لمجيء السنة به، ولأن الحاجة تدعو إليه، فرخَّص في الخروج منه للحاجة.
-
أما هَتْك صوم رمضان الواجب بالجماع، فلم يجئ فيه رُخصة، ولا تدعو الحاجةُ إليه، وهذا كما أن السفَرَ يبيحُ الصلاة في السفينة للحاجة، ولا يبيحها على الراحلة، وإن اشتركا في عدم الاستقرار.
-
ولم يذكر القاضي في «المجرَّد» (٤) إلا هذا، قال: وعلى هذا الأصل
vol. 4, p. 47المريضُ الذي تدعوه الحاجةُ إلى الفطر بالأكل، لا يجوز له الفطر بالوطء، فإن وطئ كان عليه الكفارة كالسفر سواء.
-
والرواية الثانية: له الفطر بالجماع وغيره، ولا شيء عليه. قال في رواية ابن منصور (١) : وقيل له: الزهريّ يكره للمسافر أن يجامع المرأةَ في السفر نهارًا في رمضان؟ فلم يرَ به بأسًا في السَّفَر. وهي المنصورةُ عند أصحابنا؛ لأنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان قد أصبح صائمًا في السفر ثم أفطر، كما تقدم.
-
وعن أبي سعيد قال: أتى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - على نهرٍ من ماء السماء، والناسُ صيام في يوم صائف مُشاةً، ونبيّ الله - صلى الله عليه وسلم - على بغلة له، فقال: «اشربوا أيها الناس» قال: فأبوا. فقال: «إني لستُ مثلكم، إني أيسرُكم، إني راكب» . فأبوا. فثَنَى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فخِذَه، فنزل فشربَ (٢) وشربَ الناسُ، وما كان يريد أن يشرب. رواه أحمد (٣) .
-
وهذا والذي قبله نصٌّ ظاهر في أنه كان قد أصبح والمسلمون صيامًا،
vol. 4, p. 48ثم أفطروا بعد ذلك، وكلُّ مَن جازَ له الإفطار بالأكل جاز له الإفطار بالجماع، كالمسافر الذي لم ينو، وذلك أنه إذا نوى المريضُ أو المسافرُ الفطرَ وأكَلا، فلهما فِعْل كلّ ما ينافي الصومَ مِن جماع وغيره على إحدى الروايتين، قاله أصحابنا؛ وذلك لأنه إذا عزم على الإفطار صار مفطرًا، فيقع الجماعُ مِن مُفْطِر.
-
والفرقُ بين هذا وبين العبادة الموسَّعة أن هنا صوم رمضان عبادة مضيَّقة، وإنما السفر والمرض جوَّز تأخيرَها عن وقتها، فإذا أثَّر في التضييق الواجب بالشرع فَلَأن يؤثّر في التضييق [ق ١٠] الواجب بفعل المكلَّف أولى وأحرى؛ لأن المقتضي لإباحة (١) الفطر هنا قائمٌ في جميع الوقت.
-
والفرقُ بين الصوم والصلاة: أن قَصْر الصلاة إسقاطٌ لشَطْرِها، فليس له أن يتركه بعد أن يلتزمه أو ينعقد سبب لزومه، ولهذا قلنا: لو سافر وقد وجبت (٢) عليه الصلاةُ صلَّاها تامّة، والصوم مجرّد تأخيرٍ للصوم إلى وقت آخر، ليس هو إسقاطًا، ثم المشقة في السفر تلحقه باستدامة الصوم، بخلاف تكميل تلك الصلاة، فإنه لا مشقّة فيه.
-
فعلى هذا يجوز له الفطر، سواء كان قد نوى السفر من الليل أو نواه في بعض النهار، على رواية الجماعة.
-
ونقل عنه صالح (٣) : إذا كان قد حدَّث نفسَه من الليل بالسفر فيفطر وإن
vol. 4, p. 49أدركه الفجر في أهله، إلا أن يكون نوى السفرَ في بعض النهار، فلا يعجبني أن يفطر.
-
ويُحتمل أن تكون هذه الرواية مثل الرواية الأولى التي نقلها صالح، فيكون فيما إذا نوى السفرَ من الليل يجوز له الفطرُ قولًا واحدًا، ويحتمل أن يُجْمَع في هذا بين الروايتين في الأصل.
قال القاضي: وظاهر هذا يقتضي جوازَ نيَّة الفِطْر في أهله قبل خروجه من بلده؛ لأنه إذا كان من نيَّته السفر من يومه والفطر في سفره، لم يصح له نية الصوم.
ويفارقُ هذا الفطرُ بالأكل والشرب أنه (١) يتأخر حتى يفارق البيوت، ففي الموضع الذي يجوز له القَصْر يجوز له الفِطْر ... (٢)