مسألة: (ويجب صيام رمضان على كل مسلم بالغ عاقل قادر على الصوم، ويؤمر به الصبي إذا أطاقه)

161 paragraphs · vol. 4, p. 5

Page 3 of 5

  1. وبكلّ حال فإنه يُؤمَر به إذا أطاقَه (٢) ، ويُضْرَب عليه ليعتادَه. هكذا ذكر جماعةٌ من أصحابنا منهم أبو الخطاب (٣) ، وعليه تأوَّل القاضي قول أحمد بالضرب.

    وقال ابن عقيل: هل يلزمه الصوم ويُضْرَب عليه؟ على روايتين (٤) .

    vol. 4, p. 26
  2. فعلى هذا لا يُضرَب على ترك الصوم قبل الوجوب، وإن ضُرِب على الصلاة، بناء على أن رواية المرُّوذي فيمن وجب عليه.

  3. ويصح صومه إذا بلغ حدّ التمييز كما تصح منه الصلاة. فأما قبل ذلك،

    vol. 4, p. 27فهل يُصَوِّمُه وليُّه؟ ... (١)

  4. وعلى هذا فقال الخِرَقي (٢) وغيرُه: إذا كان للغلام عشر سنين وأطاق الصيام أُخِذَ به. فجعل السنَّ الذي يُضْرَب عليه عشر سنين مع الطاقة قياسًا على الصلاة، لكن تُعتبر هنا الطاقة بخلاف الصلاة فإنه لا مشقَّة فيها.

  5. وقد قال في رواية المرُّوذي: ابن اثنتي عشرة سنة. وأطلق بعضُهم الطاقة.

  6. الفصل السادس

    * أنه لا يجب الصوم إلا على القادر لقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: ١٦] ، وقوله: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: ٢٨٦] .

  7. فإن كان عاجزًا عنه في وقته قادرًا عليه بعد خروج الوقت، كالمريض والحامل، فإنه يجب عليه القضاء كما سيأتي.

  8. وإن كان عاجزًا في الوقت وبعد الوقت ــ وهو الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة ــ فإنهما يفطران ويُطْعمان، كما سيأتي إن شاء الله.

    وإن كان به عُطاش أو شَبَق ... (٣)

  9. [ق ٦] وإذا أفاق من إغمائه في أثناء اليوم، فهو كما لو أفاق المجنون. ذَكَره ابنُ عقيل.

    وينبغي ... (١)

    vol. 4, p. 28
  10. فصل

    فإن صار من أهل الوجوب في أثناء النهار، مثل أن يُسلِم كافرٌ (٢) أو يَفيق مجنونٌ أو يبلغ صبيٌّ أو يطيق، ولم يكن نوى الصومَ، ففيه روايتان ذكرهما أبو بكر والقاضي (٣) وغيرهما:

    إحداهما: أنه يجب عليه أن يمسك بقية يومه ويقضيه، سواء كان قد أكل أو لم يكن. نصّ عليه في «الكافر» في رواية صالح (٤) ، وابن منصور (٥) في «اليهودي والنصراني يسلمان» : يكُفَّان عن الطعام ويقضيان ذلك اليوم.

  11. والثانية: لا يجب عليه إمساكٌ ولا قضاء.

  12. قال في رواية حنبل (٦) في اليهوديِّ والنصرانيِّ إذا أسلما والصبيِّ

    vol. 4, p. 29يحتلم: يصومان ما بقي ولا يقضيان ما مضى، إنما وجبت الأحكام بعد الإسلام.

  13. لأن الإسلام يَجُبُّ ما قبله من الفِطْر، فلا يجب عليه أداء ولا قضاءً. وإيجابُ بعضِ يوم لا يصح؛ لأن أقلّ الصوم الصحيح يوم، ولأنّ مَن جاز له الأكل أول النهار ظاهرًا وباطنًا جاز له الأكل آخره (١) كما لو دام به المانع.

  14. والأُولى اختيار القاضي وأصحابه؛ لما رُوي عن الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ قالت: «أرسل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - غَدَاة عاشوراء إلى قُرى الأنصار التي حول المدينة: «مَن كان أصبحَ صائمًا فليُتمّ صومه، ومن كان أصبح مفطرًا فليتمّ بقيةَ يومِه» فكُنَّا بعد ذلك نَصومه ونُصوِّمه صبياننا الصغار منهم، ونذهب إلى المسجد، فنجعل لهم اللعبة من العِهْن، فإذا بكى أحدُهم من الطعام أعطيناها إياه حتى يكون (٢) عند الإفطار» أخرجاه (٣) .

  15. وعن عبد الرحمن بن مَسْلمة، عن عمِّه: أن أسْلَم أتت النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «صمتم يومَكم هذا (٤) ؟ » قالوا: لا. قال: «فأتموا بقية يومكم واقضوه (٥) » رواه أبو داود (٦) .

  16. فابتداء الأمر به في أثناء النهار إيجابٌ له في أثناء النهار، وقد أمر بالإمساك والقضاء؛ لأنه طرأ عليه في بعض نهار رمضان ما لو كان موجودًا في ابتداء النهار لوجب عليه الصوم، فيجب أن يؤمر بالإمساك والقضاء، كما لو أكل في أول النهار، أو نوى الفطر يَعْتَقد أنه آخر شعبان، ثم علم في أثناء النهار أن ذلك اليوم كان أول رمضان، فإن هذا يجب عليه القضاء روايةً واحدةً.

    vol. 4, p. 30
  17. وكذلك الإمساك يجب روايةً واحدةً فيما ذكر عامةُ أصحابنا، حتى القاضي وأكثر أصحابه قالوا: بلا خلاف في المذهب (١) ، وهو منصوصُ أحمدَ في غير موضع، وخرَّج أبو الخطاب (٢) فيه الروايتين (٣) .

  18. ولو أفطر متعمِّدًا وجب عليه الإمساك والقضاء بغير خلاف.

    ولو نسي أن ذلك اليوم من رمضان فلم ينو صومه، ثم ذكر في أثناء النهار ... (٤)

  19. ولو أكَلَ يعتقد بقاء (١) الليل، ثم تبين أنه كان نهارًا أمسكَ بقيَّةَ يومه ولم يُجْزِه عن فرضه، فيقضيه بعد خروج الشهر، ولأن إدراك بعض وقتِ العبادة كإدراك جميعها في الإيجاب، ولهذا نقول: لو طهرت الحائض قبل طلوع الفجر بمقدار تكبيرة لزمها قضاءُ العشاءين، فإذا أدرك من اليوم بعضَه فقد أدرك بعض وقت العبادة، والأوجه أنه يجب عليه الإمساك دون القضاء لحديث عاشوراء.

    vol. 4, p. 31
  20. ولا فرق في هؤلاء بين أن يكونوا أكلوا قبل وقت الوجوب أو لم يأكلوا؛ لأن الحيض والجنون والكفر تمنع صحةَ الصوم كما يمنعه الأكل.

  21. فأما الصبي إذا لم يكن أكَلَ فقال القاضي (٢) : يجب عليه الإمساك روايةً واحدةً؛ لأن الرخصةَ زالت، ووقتُ العبادة باقٍ يقبل الصوم الصحيح في الجملة.

  22. فأما إن أصبح الصبيُّ صائمًا، ثم بلغ في أثناء اليوم بالسنّ أو الاحتلام، فقال أبو الخطاب (٣) : هو كما لو لم ينو الصيامَ؛ لأن نية الفرض لا تسقطُ بنيَّة النّفْل، كما لو بلغ في أثناء الصلاة فإنه يجب عليه قضاؤها.

  23. فعلى هذا يجب عليه القضاء والإمساك في أحد [القولين] (٤) .

    وقال القاضي (٥) : يتمّ صومَه ولا قضاء عليه هنا؛ لأن ما مضى صوم صحيح فَعَلهُ قبل وجوبه، فلم يجب عليه إعادته، وما يفعله بعد البلوغ هو

    vol. 4, p. 32الصوم الواجب عليه، وقد أمكن أن يأتي به صومًا صحيحًا؛ فإن كون بعض اليوم فرضًا وبعضه نفلًا غير ممتنع، كما لو نذر في أثناء النفل أن يتمَّه بخلاف مَنْ لم ينو الصومَ، فإنه وجب عليه هناك صوم ما أدركه، وصومُ بعضِ يومٍ غيرِ صحيحٍ ممكنٌ، فوجب أن يصوم يومًا؛ لأن أداء الواجب لا يتمّ إلا به.

  24. والفرق بين هذا وبين الصلاة: أنه قد خوطب هناك بالفعل في المستقبل، ولهذا لو بَلَغ بعد الفعل لزمه القضاء، فلم يُجْزِه ما فعله قبل الوجوب، وهنا لا يخاطَب بالإمساك لزمن (١) ماض، وما فعله قبل الوجوب لا نقول: إنه وقع واجبًا، وإنما نقول: وقع صحيحًا، وبصحته صحّ فعل الواجب بعد البلوغ، فأشبه ما لو توضَّأ قبل وجوب الصلاة أو أحرم بالحج أو العمرة قبل وجوبهما ثم بلغ قبل التعريف.

    قال بعض أصحابنا (٢) : ولا يجوز له الفطر هنا روايةً واحدةً، كما لو قَدِم المسافر صائمًا (٣) ، فأما ما قبل يوم الوجوب من الشهر فلا يقضونه على ظاهر المذهب كما تقدم.

  25. وذكر ابنُ عقيل روايةً أخرى في الصبيّ والمجنون: أنهما يقضيان من أول الشهر تنزيلًا لإدراك بعض الشهر بمنزلة إدراك كله على قولنا: يجزئ صومه بنية [ق ٧] واحدة.

  26. فصل

    فأما مَن يجب عليه القضاء (١) إذا زال عذرُه في أثناء اليوم، مثل الحائض تطهر، والمسافر المفطر يَقْدَم، والمريض يصحّ، فإن القضاء يجب عليهم روايةً واحدةً؛ لوجود الفطر في بعض اليوم، وينبغي لهم الإمساك أيضًا.

    قال في رواية الأثرم وابن منصور (٢) : إذا قَدِم من سفره في بعض النهار وهو مفطر فينبغي أن يتوقى الأكلَ في الحَضَر، وكذلك الحائض لا تأكل بقية النهار، وإذا قدِم من سفره وامرأته قد طهرت فلا أحبّ له (٣) أن يغشاها.

    vol. 4, p. 33
  27. وجابر بن زيد ــ زعموا ــ أنه قَدِم من سفرٍ فوجد امرأتَه قد طهرت من حيضها، فوقع عليها (٤) .

  28. وفي وجوبه روايتان، هذه طريقة القاضي وأصحابه (٥) .

    وقال ابن أبي موسى (٦) : إذا قَدِم المسافر مفطرًا أحببنا له أن يمسك عن الأكل والشرب بقيةَ يومه، فإن أكل أو جامع مَنْ قد طَهُرَت مِنْ حيضها أساء

    vol. 4, p. 34ولا كفارةَ عليه، ولا يلزمه سوى القضاء. والحائضُ إذا طهرت في بعض النهار، فلها الأكلُ بقيةَ يومها. وعنه رواية أخرى: أنها تمسك بقية يومها كالمسافر.

  29. فجعل المسافر يمسك روايةً واحدةً على سبيل الاستحباب المؤكَّد، بحيث يكون أكله مكروهًا، وحَمَل كلامَ أحمد حيث أذن على إقراره حيث منع على الكراهة، وجعَلَ في الحائض روايتين.

  30. ووجه ذلك: أن المسافر كان يمكنه الصوم ويصح منه في أول النهار، وإنما أفطر باختياره، فيصح إمساكه في الجملة بخلاف الحائض، فإنّ المنافي لصحة الصوم قد وُجِد أول النهار، فامتنع أن تمْسِك في يوم حاضت فيه، وجعل الإمساك بكل حال غير واجب لما يأتي.

  31. وعلى الطريقة الأولى: ففي الجميع روايتان:
  32. إحداهما: لا يجب الإمساك بل يستحب. قال في رواية ابن منصور (١) : إذا أصبح مفطرًا في السفر، فدخل أهلَه فأكل، ليس عليه شيء، ويعجبني أن لا يأكل. لأن الله سبحانه إنما أوجب صوم يوم واحد، فإيجابُ صومِ بعضِ يومٍ آخر يحتاج إلى دليل.

  33. والثانية: يجب الإمساك.

    قال في رواية حنبل (٢) : إذا قَدِم في بعض النهار أمسك عن الطعام، وإذا طهرت الحائضُ من آخر النهار تمسِكْ عن الطعام.

  34. وقال في رواية صالح (١) وابن منصور (٢) في المسافر يَقْدَم في شهر رمضان، واليهوديِّ والنصرانيِّ يُسلمان يكفّون عن الطعام، ويقضون ذلك اليوم، والحائض كذلك. وهي اختيار القاضي وأصحابه؛ لأن المقتضي للفِطْر قد زال فيجب الإمساك. وإن وجب القضاء كما لو قامت البينةُ بالرؤية في أثناء النهار، ولأن الإمساك ... (٣) هذا إن كان قد أكلوا، فأما إن كانوا ممسكين ولم ينووا في أثناء النهار الصومَ (٤) ، فقال القاضي وابن عقيل: يجب عليهم الإتمام روايةً واحدةً، كما لو نووا الصوم.

    vol. 4, p. 35
  35. فأما إن قَدِم المسافرُ أو صحّ المريضُ وقد بيَّتَ الصومَ، لم يَجُز الفطر روايةً واحدة، بل لو جامع بعد الإقامة لزمه الكفارة، نصّ عليه في رواية صالح (٥) . قال: وكذلك الصبي إذا بلغ صائمًا، والأشبه الفرق كما في التبييت.

  36. وخرَّج أصحابُنا أنه لا يلزمه، كما لو سافر وهو صائم، فإن له أن يفطر على الصحيح، فإذا جاز قطعُ الصومِ للسفر فرفعُه أولى.

  37. وإذا عَلِم المسافر أو غلب على ظنّه أنه يقيم (٦) في أثناء النهار فإنه يُبَيِّت

    vol. 4, p. 36الصومَ تلك الليلة.

    قال في رواية أبي طالب: إذا كان في سفر، فأراد أن يدخل المدينة إلى أهله من الغد، فليجمع الصوم من الليل، فإذا دخل المدينة كان صائمًا، هكذا كان ابن عمر.

  38. وذلك لما روى مالك (١) : أنه بلغه أنّ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان إذا كان في سفره في رمضان، فعلم أنه داخلٌ المدينةَ من أول يومه دخل وهو صائم. وقد ذكر أحمد عن ابن عمر (٢) نحوه.

    قال ابن عبد البر (٣) : هذا هو المستحبّ عند جماهير العلماء، إلا أن بعضهم أشدّ تشديدًا فيه من بعض.

    قال القاضي: ظاهر هذا أنه لا يجوز له الفطر إذا علم أنه يَقْدَم في بعض النهار؛ لأن مِن أصْلِه أنه إذا قَدِم تعيَّن عليه الإمساك إذا كان مفطرًا. فإذا عَلِم أن سفره لا يتسع لفطر يوم وجب أن يمتنع (٤) منه. لأن (٥) وجود السفر في أول النهار سبب يبيح الرخصة، فجاز العمل به، وإن علم أنه يزول آخر النهار، كما لو صلى في أول الوقت قاصرًا، وهو يعلم أنه يقيم (٦) في الوقت،

    vol. 4, p. 37أو صلى بالتيمم وهو يعلم أنه يجد الماء في آخر الوقت، وكما لو علم الصبيّ أنه يبلغ في أثناء النهار بالسنّ، فإنه لا يلزمه التبييت.

  39. ووجه الأول (١) : أن الفطر في الحَضَر غير جائز أصلًا، بل يجب الصوم فيه، ولا يمكن الصومُ فيه إلا بأن (٢) يُبيِّت النيةَ من الليل، وما لا يتمّ الواجب إلا به فهو واجب، ولأنّ الصومَ واجبٌ في ذِمّة المسافر، وإنما أجيز له تأخير الفعل إذا كان مسافرًا، فإذا علم أنه يقيم (٣) في أثناء اليوم، فقد أخَّرَ الصوم بدون سبب الرخصة، وبهذا يظهر الفرق بينه وبين الصبي، فإنه لم يجب عليه شيء قبل البلوغ.

  40. فأما الحائض إذا عَلِمَت أنها تطهُر في أثناء اليوم، فهنا لا يجوز تبييت النية؛ لأن الحيض يمنع صحة الصوم.