مسألة: (وإذا اشتبهت الأشهر على الأسير تحرى وصام، فإن وافق الشهر أو بعده أجزأه، وإن وافق قبله لم يجزئه)
154 paragraphs · vol. 4, p. 124
Page 2 of 4
- vol. 4, p. 135
فإن قيل: فقد روى ابن المظفَّر، عن عائشة - رضي الله عنها -، قالت: قال رسول الله
vol. 4, p. 136- صلى الله عليه وسلم -: «إذا اختلفَتْ أعيادُهم، فضحّى أهلُ كلّ بلد خلافَ أهلِ هذا البلد، وأهلُ هذا البلد خلافَ أهلِ هذا البلد» قال: «يا عائشة! عيدُ كلّ قومٍ يوم يعيّدون» (١) .
-
قيل: قوله: «عيدُ كلِّ قوم يوم يعيِّدون» كقوله: «صومُكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحُّون» ، وذلك لا يمنع وقوع الخطأ في الهلال، فإنه قد يفطر الناس بعد الرؤية بيوم أو قبلها إذا شهد به شاهد، وإنما المقصود به أن الحكم مبنيّ على ما ظهر، وأن العيد هو الاجتماع للصلاة والنُّسُك؛ ففي أيّ يومٍ حصل هذا فهو يوم عيد، واليوم الذي يخلو عن هذا ليس يوم عيد، وإن كان عاشر الشهر.
-
فيفيد هذا أن أهلَ مكة إذا أخطؤوا فوقفوا في الثامن أو العاشر، صح نُسُكهم، وأما سائر الأمصار إذا رأى الهلالَ أهلُ بلد، ولم يره الآخرون إلا بعد يوم؛ فأكثر ما فيه أنهم أخّروا التضحيةَ إلى ثاني النحر، وذلك جائز، والحديث لم يجئ إلا في عيد النحر، ثم لو عيّد قومٌ اليومَ، وآخرون غدًا، لم يكن فيه إلا صوم يوم خطأ، وذلك لا محذور فيه، بخلاف الخطأ في فِطْر يوم، فإنه يوجب القضاء.
-
فصل (٢)
-
ولا يصحّ الصوم إلا بنية كسائر العبادات؛ لقوله سبحانه: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة: ٥] .
- vol. 4, p. 137
وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الأعمال بالنيات» (١) .
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كلّ عمل ابن آدمَ له إلا الصوم فإنّه لي وأنا أجزي به، يدعُ طعامَه وشهوتَه مِن أجلي» (٢) .
-
فمَن لم يَذَر طعامَه وشهوتَه لله فليس بصائم.
والنية ... (٣) .
-
وفيها مسألتان: تبييتُ النية وتعيينُها.
-
أما تبييت النية (٤) : فإن الصومَ الواجبَ الذي وجب الإمساك فيه من أول النهار لا يصحّ إلا بنية من الليل، سواء في ذلك ما تعيَّن زمانُه كأداء رمضان والنذر المعيَّن، وما لم يتعين كالقضاء والكفارة والنذر المطلق.
قال أحمد في رواية أبي طالب: الفرض والقضاء والنذر يُجْمَع عليه من الليل، فإن لم يُجْمَع عليه من الليل فلا صوم.
وقال في رواية الميموني: ويحتاج في رمضان أن يُبيّت الصيام من الليل، فلو أن رجلًا حَمِق، فقال: لا أصوم غدًا، ثم أصبح فقال: أصوم! لا يجزئه عندي.
-
[ق ٢٨] وسواء ترك التبييتَ لغير عذرٍ كالمستحمق أو لعذر، مثل أن
vol. 4, p. 138يُغمى عليه أو يَجْهل أن ذلك اليوم من رمضان.
قال في رواية الأثرم: إذا لم يعزموا الصيام في أول الشهر، فأصبحوا على غير صوم، ثم تبيّن لهم أنه من رمضان، فصاموا بقية يومهم، فيقضون يومًا مكانه، وإن كانوا لم يأكلوا؛ لأنه لا صيام لمن لم يُجْمَع الصيام من الليل.
-
وهذا إنما هو في الفرض، وابن عمر إنما أصبح صائمًا حين حال دون منظره، ويعتدّ به ويجزئه، وإذا لم يكن علّة قال: يصبح عازمًا على الفطر.
-
وقال في الأسير إذا صام في أرض الحرب وهو لا يعلم أنه شهر رمضان ينوي به التطوُّع: لا يجزئه من شهر رمضان إلا بعزيمةِ أنه من رمضان. وهؤلاء يقولون: يجزئه، وكيف يجزئه وهو لا يجزئه في يوم الشكّ إذا أصبح ولم يأكل، ولا يجزئه يوم الشكّ إلا بعزيمةٍ من الليل؟!
-
وذَكَر قولَ النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن لم (١) يُجْمع الصيامَ من الليل قبل الفجر الزهريّ، عن سالم، عن ابن عمر، عن حفصة (٢) .
-
وذلك لما روى يحيى بن أيوب وغيرُه، عن عبد الله بن أبي بكر بن عَمرو بن حزم، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن حفصة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «مَن لم يُجمِع الصيامَ قبل الفجر فلا صيامَ له» رواه الخمسة (٣) .
- vol. 4, p. 139
وفي لفظ للنسائي (١) : «مَن لم يبيّت الصيامَ» .
-
وفي لفظ لعبد الله بن أحمد وابن ماجه والدارقطني (٢) : «لا صيامَ لمَن لم يَفْرِضْه مِن الليل» . وفي لفظ لهم: «لمَن لم يُورِّضه» (٣) .
قال الترمذي: لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وقد روي عن نافع عن ابن عمر قوله، وهو أصح. وقال الدارقطنيّ: رفَعَه عبدُ الله بن أبي بكر عن الزهري، وهو من الرفعاء. وقال ابن عبد البر: هذا حديث مُرِّض في إسناده، ولكنه أحسن ما روي مرفوعًا في هذا الباب. اهـ.
-
وقد رواه النسائي (٤) من حديث ابن جُريج، عن الزهري مرفوعًا كذلك.
-
ورواه حرب من حديث إسماعيل، عن الزهري، عن حمزة بن
vol. 4, p. 140عبد الله بن الزبير، عن حفصة - رضي الله عنها - قالت: سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا صيامَ من لم يوجِبْه بالليل» (١) .
-
ورواه أيضًا من حديث عُبيد الله بن عمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن حفصة أنها كانت تقول. موقوفًا (٢) .
-
ورواه أيضًا من حديث مَعْمَر بن راشد ويونس (٣) وابن عيينة، عن الزهري، عن حمزة بن عبد الله (٤) بن عمر، عن أبيه، عن حفصة موقوفًا (٥) .
-
ورواه مالك، عن الزهري، عن عائشة وحفصة قولها (٦) .
-
ورواه مالك وعُبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان يقول: «لا يصوم إلا من أجمع الصيام قبل الفجر» (٧) .
- والذي يقوّي رفعَه أشياء:
-
أحدها: أنّ الذي رفعَه عن الزهريّ رجلٌ جليل القدر سمع منه قديمًا، وقد تابعه غيرُه، والذين وقفوه سمعوه (٨) منه بعد ذلك، ومعلوم أن رفعه
vol. 4, p. 141زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة، لاسيما وسماع صاحب الزيادة متقدِّم، فعُلِم أن الزهريّ ترك رفعَه في آخر عمره، إما نسيانًا أو شكًّا أو غير ذلك.
-
ومنها: أن هذا الحديث كان عند الزهري عن عائشةَ وعن حفصةَ، وكان عنده عن سالم، عن ابن عُمر وعن (١) حمزة، عن ابن عمر. وهذا (٢) ليس بغريب من الزهري؛ فإن الحديثَ كان يكون عنده من عدّة جهات، يرويه كلّ وقتٍ عن بعض شيوخه، وإذا كان كذلك أمكن أن يكون عنده مرفوعًا وموقوفًا.
-
ومنها: أن احتجاج أحمد به يدلّ على صحة رفعه عنده.
قال أبو بكر عبد العزيز: صحّ الحديثُ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا صيام لمَنْ لم (٣) يُجْمِع الصيامَ من (٤) الليل».
-
ومنها: أنه قول عائشة وحفصة وابن عمر، ولا يُعرف لهم مخالف من الصحابة.
-
وعائشة تروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنه كان يُنشئ صومَ التطوع نهارًا» كما سيأتي (٥) . فلولا أن عندها عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في ذلك سُنة؛ لما فرّقت بين الفرض والنفل.
vol. 4, p. 142قال الميموني سألت أحمد عنه؟ فقال: أخبرك ما له عندي ذاك الإسناد؛ إلا أنه عن ابن عمر وحفصة إسنادان جيدان (١) .
-
وقد روى الدارقطني (٢) عن يحيى بن أيوب، عن يحيى بن سعيد، عن عَمرة، عن عائشة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَن لم يبيِّت الصيامَ قبل طلوع الفجر فلا صيام له» . وقال: كلهم ثقات.
-
وروى أيضًا (٣) عن ميمونة بنت سعد قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من أجمع الصيامَ من الليل فليصُم، ومَن أصبحَ ولم يُجْمِعه فلا يَصُم» وفي إسناده الواقدي.
-
وأيضًا: فإن الصوم الواجب هو الإمساك من أول النهار إلى آخره، فإذا خلا أوله عن النية فقد خلا بعضُ العبادة الواجبة عن النية، ذكرًا واستصحابًا، وذلك لا يجوز، ولأنه إذا لم يعقد (٤) الصومَ أول النهار لم يكن ممتثلًا للأمر بصومه؛ لأن امتثال الأمر بدون القصد لا يصح؛ فإذا لم يكن ممتثلًا للأمر بقي في عُهْدة الأمر قوله: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ ... } [البقرة: ١٨٧] ، وكونه معذورًا لا يقتضي أن يُحْكَم له بما لم يفعله، لكن يقتضي سقوط الإثم عنه، ويجزئه [ق ٢٩] القضاء كما لو لم يعلم به إلا بعد الزوال.
- vol. 4, p. 143
ولأنه صوم واجب، فلم يصح إلا بنية من الليل، كصوم الكفارة والقضاء والنذر المطلق، ولا يصح أن يقال: هناك لم يتعيَّن زمانُه فلا بدَّ من النية، بخلاف صوم رمضان والنذر المعيَّن؛ لأن التعيين لو كان كافيًا لكفى مجرَّد الإمساك بدون النية، ولم تفترق الحال بين ما قبل الزوال وبين ما بعده.
-
فإن قيل: فقد أمر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يوم عاشوراء أن يصوموا بنية من النهار، وكان صومًا واجبًا، ولولا أن الواجب يصح بنية من النهار لم يجزئهم.
-
قيل: لا نسلِّم أن صوم يوم عاشوراء كان واجبًا على ما يختاره كثير من أصحابنا، وعلى القول الآخر؛ فذاك إنما ابتدأ الله إيجابه من النهار، ولم يكن واجبًا عليهم من الليل، بخلاف صوم رمضان فإنه واجب من أول النهار، وإن لم يعلم بالزمان، وليس لنا صوم يوجبه الله ابتداءً في أثناء النهار.
-
نعم، أشبه شيء بهذا أن يُسلم الكافرُ أو يَفيق المجنون أو يحتلم الصبيُّ في أثناء النهار؛ فيجب عليه الصوم من حينئذ إذ (١) في المشهور عنه.
-
وأيضًا: فإن هذا لو ثبت؛ لكان في صوم عاشوراء، وذاك صوم منسوخ؛ فلا يلزم من ثبوت الحكم فيه ثبوتُه في الصوم المحكم؛ لجواز أن يكون ثبت وجوبه بصفةٍ تخالف صوم رمضان، لاسيما وقد كانوا في أول ما فُرِض رمضان عليهم يُخيَّر أحدهم بين أن يصوم وبين أن يفتدي بطعام مسكين عن كل يوم؛ لأنهم لم يكونوا قد اعتادوا الصومَ، فخفف عنهم في أول الأمر، ثم أُحْكِمت الفرائض.
-
فإن كان الواجب قد يجزئ بنية من النهار، فلعله في ذلك الوقت.
- vol. 4, p. 144
ثم إن قوله: «لا صيام لمَنْ لم يبيِّت الصيامَ من الليل» حديث متأخر عن صوم عاشوراء، فيكون ناسخًا له لو اجتمعا في صوم واحد، فكيف إذا كان ذلك في الصوم المنسوخ؟! لأن راويه حفصة وإنما تزوجها النبي - صلى الله عليه وسلم - [سنة ثلاثٍ من الهجرة] (١) وحديث عاشوراء كان في أول السنة الثانية من الهجرة.
-
فأما الصوم التطوع فيجزئ بنية من النهار، نصَّ عليه في غير موضع؛ لما رُوي عن عائشة قالت: دخل عليَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم، فقال: «هل عندكم من شيء؟» فقلنا: لا. قال: «فإني إذًا صائم» . ثم أتانا يومًا آخر، فقلنا: يا رسول الله، أهدي لنا حيس، فقال: «أدنيه، فلقد أصبحتُ صائمًا» رواه الجماعة إلا البخاري (٢) ، وفي بعض الروايات (٣) : فقال: «فإني صائم» ولم يقل: «إذًا» .
-
وهذا يدلّ على أنه أنشأ الصومَ من النهار؛ لأنه قال: «فإني صائم» وهذه الفاء تفيد السبب والعلة، فيصير المعنى: إني صائم لأنه لا شيء عندكم.