مسألة: (وإذا اشتبهت الأشهر على الأسير تحرى وصام، فإن وافق الشهر أو بعده أجزأه، وإن وافق قبله لم يجزئه)

154 paragraphs · vol. 4, p. 124

Page 4 of 4

  1. وهل يشترط أن ينوي نية الفريضة؟ على وجهين:
  2. أحدهما: لا يشترط. قاله القاضي وأبو الخطاب (٣) وأكثر أصحابنا.

  3. وهو ظاهر كلام الإمام أحمد؛ لأنه اعتبر أن ينوي رمضان ولم يذكر نية

    vol. 4, p. 154الفريضة؛ لأن نية رمضان من المكلّف تتضمَّن نيةَ الفرض؛ فإن رمضان منه لا يقع إلا فرضًا، وهذا أبلغ من الصلاة.

  4. والثاني: يشترط. قاله ابن حامد.

  5. وأما نية الأداء؛ فأشبه ما لو نوى صلاة في وقت التي قبلها.

  6. وتشترط النية لكلِّ يوم على انفراده في المشهور عنه الذي عليه عامة أصحابه.

  7. قال في رواية الجماعة ــ صالح وعبد الله وإبراهيم وابن منصور (١) ــ: يحتاج في شهر رمضان أن يُجمع في كلِّ يوم على الصوم.

  8. وروى عنه حنبل في بعض المواضع قال: سألت أبا عبد الله: هل يحتاج في شهر رمضان إلى نية كلّ ليلة؟ قال: لا، إذا نوى من أول الشهر يجزئه.

  9. وهذه التي نصَرَها ابنُ عقيل؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال (٢) : «وإنما لكل امرئ ما نوى» (٣) ، وهذا قد نوى جميعَ الشهر.

  10. وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما أهلَّ رمضان: «قد دخل عليكم هذا الشهر المبارك فقدِّموا فيه النية» (٤) .

  11. ولأن شهر رمضان بمنزلة العبادة الواحدة؛ لأن الفطر في لياليه عبادة أيضًا يستعان بها على صوم نهاره، ولهذا شملت البركة لياليه وأيامه، وسُمّي الفطر ليلة العيد فطرًا من رمضان، فعُلم أن الفطر الذي يتخلَّل أيامَه ليس فطرًا من رمضان، ويزكّون صومَهم ويُوَفَّون أجرَهم في آخره، فعلم أنه عبادة واحدة، فأجْزَأتْ فيه نيةٌ واحدة كسائر العبادات.

    vol. 4, p. 155
  12. وكون الفساد يختصّ ببعضه إذا صادفَه لا يمنع كونَه عبادة واحدة كالحج، فإنه يشتمل على إحرام ووقوف وطواف وسعي، ثم لو فسد الطواف لكونه على غير طهارة، أو قد اخترق (١) الحِجْرَ، ونحو ذلك؛ لم يتعدَّ الفساد إلى غيره، ومع هذا؛ فهو عبادة واحدة، بحيث تكفيه نية واحدة.

  13. ولأنّ النيةَ وقعت لهذا الصوم في زمان يصلح جنسُه لنية الصوم، من غير أن يتخلَّل النيةَ والصومَ المنويَّ زمانٌ يصلح جنسُه لصوم سواه، فجاز ذلك، كما لو نوى لكل يوم من ليلته.

  14. فأما القضاء والنذر فلا يجزئه إلا تبييت [ق ٣٢] النية في كلِّ ليلة قولًا واحدًا، ولم يفرق أصحابنا (٢) بين النذر المعيّن والكفارة المتتابعة وغيرها.

  15. ووجه الأول: قوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ لم يُجْمِع الصيامَ من الليل قبل الفجر؛ فلا صيام له» ، ولأن كل يوم عبادة مفردة، بدليل أنه لا يفسُد بعضُها بفساد بعض. والعبادة المفردة تفتقر إلى نية مفردة كسائر العبادات.

  16. والحج عبادة واحدة، بدليل أنه لو وطأ في آخره فسد أوله، ومع هذا

    vol. 4, p. 156فلابدّ للطواف من نية تخصّه، ولا تكفيه نية أصل الحج، وإنما يجزئ ذلك في الوقوف خاصة؛ لأنه من خصائص الحج وفي ضمنه، بخلاف الطواف فإنه عبادة مفردة بنفسه.

  17. فصل (١)

  18. ولا يجزئ الواجب من الكفارة والقضاء والنذر المطلق إلا بتعيين النية والنذر المعين.

  19. فأما رمضان، فلا يجزئ إلا بتعيين النية في إحدى الروايات.

  20. قال في رواية صالح (٢) فيمن صام شهر رمضان وهو ينوي به تطوعًا: أيجزئه؟ فقال: أو يفعل هذا مسلم؟ وكذلك الأثرم وقد تقدمت.

  21. ونقل عنه ... (٣) من يحجّ ينوي به التطوُّع، ويصوم ينوي به التطوع؛ فالحج والصوم سواء، لا يجزئه العمل فيه إلا بنية. نصّ عليه فيمن صام رمضان ينوي به تطوُّعًا لا يجزئ، سواء تعمَّد ذلك أو لم يدر؛ كيوم الشكّ والأسير وغيرهما قال: لا يجزئه، يعزمه أنه من رمضان.

  22. والثانية: يجزئه.

    قال في رواية المرُّوذي: إذا حال دونه حائلٌ فإنه يصوم. فقيل له: يصومه على أنه من رمضان؟ فقال: نحن أجمعنا على أن نصبح صيامًا، ولم نعتقد أنه من رمضان، فهو يجزئنا من رمضان. فقيل له: أليس تريد أن ينوي أنه من

    vol. 4, p. 157رمضان؟ قال: لا، إذا نوى من الليل أنه صائم أجزأه.

  23. فقد نصَّ بأنه لا يجب تعيين النية، حتى لو نوى الصومَ مطلقًا، أو نوى نذرًا أو قضاء أو تطوعًا أجزأه من رمضان.

    قال القاضي: فظاهره أنه لو نوى صومًا مطلقًا؛ أجزأه عن فرضه.

  24. ومِن أصحابنا مَن جعل هذه (١) رواية بكلِّ حال، وهذا اختيار الخرقي في «شرحه» (٢) . قال: من أصلنا لو نوى أن يصوم تطوُّعًا فوافق رمضان، أجزأه لأنه يحتاج أن يفرِّق بين الفرض والنفل لما يصلح لهما، وشهر رمضان لا يصلح.

  25. والرواية الثالثة: أن تعيين النية برمضان [لا] (٣) يجب مع الغيم دون الصحو.

    قال في رواية صالح (٤) : إذا حال دونه شيء، فأصبح صائمًا أجزأه، وإن لم يَحُل لم يجزئه حتى ينوي أنه من رمضان.

  26. واختار جَدِّي - رحمه الله - (٥) : أنه يجزئه مع الإطلاق على رواية المرُّوذي،

    vol. 4, p. 158ولا يجزئه مع تعيين غير رمضان؛ كما نص عليه في رواية الجماعة. وذلك لأن التعيين إنما يُفْتَقَر إليه للتمييز بين العبادتين، لجواز أن ينوي كلِّ واحدة منهما، والوقت هنا لا يصحّ لغير رمضان، ولا يصلح فيه غيره؛ فإنه لو صام في رمضان قضاءً أو نذرًا أو نفلًا، لم يصح وفاقًا.

  27. وإذا كان متميزًا بنفسه لم يَفْتَقِر إلى التعيين، كما لا يفتقر المقيمُ أن ينوي الظهرَ أربعًا، ولأنه متى قصدَ الصيامَ وأراده، فقد أتى بالصوم الشرعي؛ لأنه عبارة عن الإمساك والنية، وإذا أتى بالصوم الشرعي أجزأه عن صوم شهر رمضان؛ لأنه لا يصح في هذا الوقت غيرُه، ولأنها عبادة تَعَيَّن لها هذا الوقتُ شرعًا، فإذا وقع غيرها من جنسها، وقع عينها، كما لو أحرم بالحج نفلًا أو نذرًا، فإنه يقع عن حجة الإسلام؛ لأن الشارع عيَّن أول حجة لحجة الإسلام بقوله: «هذه عنك، ثم حُجّ عن شُبْرمة» (١) ، بل هذا أولى من الحجِّ؛ لأن هذا الزمان تعيَّن بتعيين الشارع، وقد أجمع الناسُ أنه لا يجوز أن يوقِعَ فيه غيرَه. والحجُّ وإن تعيَّن له ذلك العام فقد كان يجوز أن يوقَع في غيره.

  28. وقد اخْتُلف في جواز إيقاع غيره فيه، ... (٢) والأول هو المذهب الذي عليه عامة الأصحاب، مثل أبي بكر وأبي حفص والقاضي وأصحابه، لقوله سبحانه: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: ١٨٥] . فإنه أمرٌ بصوم هذا الشهر متضمِّن للأمر بنيته، فإنَّ مَن صام فيه تطوُّعًا أو قضاءً أو صومًا مطلقًا؛ لم يصمه، وإنما صام فيه، ولأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «وإنما لكلِّ امرئ ما نوى» ،

    vol. 4, p. 159وهذا لم ينو صومَ رمضان أصلًا ولا ضمنًا، فلا يجزئه، ولأنها عبادة ... (١)

  29. وإن قال ليلة الشكّ: إن كان غدًا من رمضان فهو فرضي، وإن لم يكن منه فهو نفلي، أجزأه إن كان منه، على قولنا: يصحّ بنيّةٍ [من] (٢) الليل لا يشترط تعيين النية، وعلى قولنا: يشترط، لا يجزئه. (٣) فيمن أصبح متلوِّمًا إذا كان من رمضان، وإلا فهو شعبان نافلة، فإذا صام على هذا، قضى يومًا مكانه، ولا يكون صائمًا حتى يُجْمِع عليه من الليل.

  30. وإن قال: إن لم يكن من رمضان؛ فصومي عن واجب آخر سماه لم يجزئه عن ذلك الواجب بحال، وهل [ق ٣٣] يجزئه عن رمضان إن بان أنه منه؟ على روايتين.

  31. وإن قال: إن كان من رمضان فأنا صائم، وإلا فأنا مفطر، لم يجزئه بحال، نصَّ عليه في رواية الأثرم. قال: سألت أحمد: تقول: إذا كان في السماء سحابة أو علة أصبح صائمًا، فإن لم يكن في السماء علة أصبح مفطرًا. ثم قال: كان ابن عمر إذا رأى في السماء سحابًا، أصبح صائمًا. قلت لأبي عبد الله: فيعتدُّ به؟ قال: كان ابن عمر يعتدّ به، فإذا أصبح عازمًا على الصوم، اعتد به ويجزئه. قلت لأبي عبد الله: فإن أصبح متلوِّمًا يقول: إن قالوا: هو من رمضان صمتُ، وإن قالوا: ليس من رمضان أفطرت. قال: هذا

    vol. 4, p. 160لا يعجبني، يتمّ صومه ويقضيه، لأنه لم يعزم.

  32. وكذلك نقل حرب في يوم الشكّ: إن لم (١) يجْمِع الصيامَ ولكنه أصبح يقول: أصوم إن صام الناس، وأُفْطِر إن أفطر الناس، ولم يُجْمِع الصيامَ، وصام ذلك اليوم، فإذا هو من رمضان، يعيد يومًا مكانه.

  33. وإن قال: أنا غدًا صائم من رمضان، أو من نَفْل، لم يجزئه عن رمضان إن تبين أنه منه؛ إلا على القول بإجزاء الفرض بنية النفل، لأنه شرَّك بين الفرض والنفل في النية.

  34. وإن قال في سائر الأيام: أنا صائم غدًا قضاءً أو تطوُّعًا، وقع تطوُّعًا.