مسألة: (وإذا اشتبهت الأشهر على الأسير تحرى وصام، فإن وافق الشهر أو بعده أجزأه، وإن وافق قبله لم يجزئه)
154 paragraphs · vol. 4, p. 124
Page 3 of 4
- vol. 4, p. 144
ومعلوم أنه لو كان قد أجْمَعَ الصومَ من الليل لم يكن صومه لهذه العلة.
-
وأيضًا فقوله: «فإني إذًا صائم» و «إذًا» أصْرَح في التعليل من الفاء.
-
وأيضًا: فإن الظاهر من حال من أجْمَعَ الصيامَ من الليل أن لا يجيء سائلًا عن الغداء، وإنما يسأل عن الغداء المُفْطِر أو المتلوِّم.
- vol. 4, p. 145
وذكر إسحاق بن إبراهيم الحنظلي (١) هذا الحديثَ، فقال: دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - على عائشة، فقال: «أطعمينا شيئًا» . فقالت: ما عندنا، قال: «فأشْهِدُكم إني صائم يومي هذا» . قال: فنوى الصيامَ بعد مضيّ بعض اليوم.
-
وأيضًا: قال البخاري (٢) : وقالت أمُّ الدرداء: كان أبو الدرداء يقول: عندكم [طعام] (٣) ؟ فإن قلنا: لا. قال: فإني صائم يومي هذا.
قال: وفعَلَه أبو طلحة، وأبو هريرة، وابن عباس، وحذيفة (٤) .
وذكره ابنُ عبد البر (٥) عن عليّ وابن مسعود وأنس. وذكره إسحاقُ عن معاذ بن جبل ... (٦)
-
عن سعيد بن المسيب قال: «رأيت أبا هريرة يطوف بالسوق، ثم يأتي أهله،
vol. 4, p. 146فيقول: هل عندكم شيء؟ فإن قالوا: لا. قال: فأنا صائم» رواه أبو عاصم (١) .
-
وهذا يفسِّر حديثَ حفصة: أن المراد بذلك الحديث الصوم الواجب، لا سيما وعائشة تروي هذا الحديث وهي تقول: «لا صيام لمن لم يُجْمِع الصيامَ من الليل» .
-
ولأن صيام عاشوراء لم يكن واجبًا في المشهور لأصحابنا، وقد أمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بصومه من النهار، ولأن بعض الواجبات يجوز أن يكون يُتَطوَّع به كما يتطوَّع بالقراءةِ والتسبيحِ من أركان الصلاة، والطوافِ من أركان الحج؛ ولأن النافلةَ يُخَفَّف فيها ما لا يُخَفَّف في الفريضة، بدليل أن نفل الصلاة يصح قاعدًا أو على الراحلة توسعةً للنافلة، فجاز أن يوسع التنفل بالصوم بنية من النهار.
-
فعلى هذا يجوز التطوُّع بنية من النهار قبل الزوال وبعده، نصَّ عليه في رواية الميموني، وقد سأله عن الذي ينوي الصيام بعد الفجر: أليس يتأوَّل حديثَ النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أتاهم فقال: «هل عندكم طعام؟» بعدما تعالى النهار؟ قال: نعم. ويتأوَّلُ حديثَ حذيفة بعدما زالت الشمس؟ ورأيتُه يذهب إلى هذا ما لم يكن فرضًا.
-
ولذلك أطلق الإجزاء بنيةٍ من النهار في رواية أبي طالب وغيره، وأطلقه الخِرَقي (٢) وغيره، وعلى هذا أصحابنا مثل ابن أبي موسى (٣) والقاضي في آخر قوليه.
- vol. 4, p. 147
وذكر ابن عقيل وغيره في هذه المسألة روايتين: إحداهما (١) : كذلك، والثانية: لا يجزئ نية بعد الزوال. قال: وهي أصح (٢) الروايتين.
-
وهذا اختيار القاضي في [ق ٣٠] «المجرَّد» ؛ لأن الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما جاء في صدر النهار، ولا يمكن إلحاق ما بعد الزوال به؛ لأنه إذا نوى أول النهار فقد حصل معظم اليوم منويًّا، فجاز أن يقوم مُقام الجميع، كما لو أدرك الإمامَ راكعًا؛ فإنه يحسب له جميع الركعة، بخلاف ما إذا نوى بعد الزوال. ولأن الإمساك أول النهار أمرٌ معتادٌ، فإذا لم يصادفه النية لم يقدح ذلك فيه، بخلاف الإمساك آخره فإنه بخلاف المعتاد؛ فإذا لم ينو ذهب الإمساك المقصود في الصوم باطلًا، لهذا يكره للصائم الاستياك بالعشي، ولم يكره له أول النهار.
-
فعلى هذا يصح قبل الزوال قولًا واحدًا على ما ذكره القاضي وعامة أصحابنا.
-
ومنهم من قال: إنما يصح قبل انتصاف النهار الذي أوله طلوع الفجر، وذلك قريب من آخر الساعة الخامسة؛ لأن النهار الذي يجب صومه من طلوع الفجر، فإذا لم تقع النيةُ قبل مضيِّ نصفه لم يكن أكثر زمان الصوم منويًّا.
-
ووجه الأول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد صام بنيّةٍ من النهار، ولا فرق بين أوله وآخره.
vol. 4, p. 148وقال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي (١) : الأكثرون على أنه يجوز، وإن لم ينو إلا بعد نصف النهار، منهم عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان ومعاذ بن جبل، رأوا إن لم ينو ليلًا أن يصوم في نهاره، يعني: ينوي أيَّ وقتٍ شاء، ولو كان بعد الزوال أيضًا، وهذا أعدل الأقوال عندنا وأشبه بسنة محمد - صلى الله عليه وسلم -.
-
عن المستورد بن الأحنف: أن رجلًا صلى مع عبد الله بن مسعود الظهر، فسأله، فقال: إني جئتُ في طلب غريم لي، فأصبحت، فلا أنا صائم ولا أنا مفطر. فقال: أنت بالخيار، إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر. رواه حرب (٢) .
-
فصل
قال أحمد في رواية أبي طالب: من صام فرضًا أو قضاءً أو نذرًا أجْمَع عليه من الليل، ابن عمر وحفصة يقولان: «مَن أجمع من الليل صام، ومن لم يُجْمِع من الليل فلا صوم» .
-
وحديث طلحة بن يحيى، عن مجاهد، عن عائشة: دخل عليَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ذاتَ يوم، فقال: «هل عندكم من شيء؟» . قلنا: لا. قال: «فإني صائم» . ثم جاءنا يومًا آخر، فقلنا: يا رسول الله! أهدي لنا حيس، فخبأنا لك منه، فقال: «أدنيه، فقد أصبحتُ صائمًا» فأكل (٣) .
-
فهذا في التطوع ويُكْتَب له بقية يومه.
vol. 4, p. 149وإذا أجمع من الليل كان له يومه، وسواء على هذا نوى قبل الزوال أو بعده، وهذا قول ... (١)
وقال القاضي وأبو الخطاب (٢) : يُحكم له بالصوم الصحيح الشرعي المُثاب عليه من أول النهار، لا من وقت النية، سواء نوى قبل الزوال أو بعده؛ لأن صوم بعض النهار لا يصح، بدليل ما لو نواه بعد الأكل، أو أراد الفطر في أثناء اليوم. فإذا صحّت (٣) نيتُه من أثناء النهار عُلِم أن صومه تام، فيُكْتَب له ثواب يوم تامّ.
-
وقد تنعطف النيةُ على ما مضى؛ كالكافر إذا أسلم؛ فإنه يُثاب على ما تحمَّله من الحسنات حال كفره، ولأنه لو كان صومه من حين النية؛ لوجب أن يجوز الأكل قبلها؛ بدليل أن وقت الفجر لمَّا كان أول وقت الصوم الذي يُثاب عليه، جاز له الأكل قبل طلوعه، فلما ثبت أنه لا يجوز أن يأكل ضحوةً ثم ينوي (٤) الصومَ الآكلُ؛ ثبت أن ما مضى من النهار قبل الصوم صوم صحيح.
-
والمنصوص أصح، وهو اختيار أبي محمد (٥) ؛ لأن الإمساك صدر النهار كان بغير نية، وإنما لكلِّ امرئ ما نوى، فكيف يُثاب على إمساكٍ لم يقصده ولم ينوه!؟ وكونه صام اليومَ كلَّه لا يوجب أن يُثاب عليه كلَّه، وإنما
vol. 4, p. 150يثاب فيما ابتَغَى وجهَ الله منه، هذا إذا سلّمنا أنه صام أوَّله، وإلا فالحقيقة أنه لا يوقَع عليه اسمُ الصوم إلا من حين النية، ونجعله قد صام بعض يوم، وما تقدَّم من الإمساك يشرط بصوم (١) بعضه، وإن سُمّي فيه صائمًا فعلى المعنى اللغوي لا على المعنى الشرعي.
-
أما إذا أكل، فقال أصحابنا: لا يصح صومُه بحال.
وقال القاضي: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في يوم عاشوراء: «ومن أكَلَ فليُمْسِك» على طريق الاستحباب، وقولهم: الإمساك في يوم لا يجب صومه لا يكون قُربة ليس بصحيح؛ لأن هذا يومٌ شريف فيه فضل، فالإمساك فيه قُرْبة ... (٢)
-
فعلى هذا مَن أكل معتقدًا أنه ليس بيوم شريف، ثم تبين له بخلافه، فإنه يُمْسِك ويُثاب (٣) .
-
فإن كان أول النهار ممن لا يصحّ صومُه كالكافر والحائض، لم يصح صومه إذا أسلم أو انقطع الدم، كما لو كان قد أكل في أول النهار.
-
فصل (٤)
-
وتصح النية في جميع ليلة الصوم، ولا يجب استصحاب ذكرها، بل يكفي (٥) استصحابُ حكمها إلى آخر النهار، ما لم يفسخها.
- vol. 4, p. 151
فإن فسخها ليلًا، صار كأنه لم ينو، وإن أكل بعدها أو جامع لم تبطل عند أكثر أصحابنا.
وقال ابن حامد: تبطل؛ لأنه تخلَّلَ بين العبادة وبينها ما ينافيها، فأشبه ما لو أحْدَث بعد نية الصلاة وقبل فعلها.
قال ابن عقيل: وكما لو نوى الإحرامَ فوطئ، وكما لو نوى الزكاة بطعام بعينه ثم طحنَه وخبزَه.
-
وإن فسخَها نهارًا بأن نوى الفطرَ صار مفطرًا بمنزلة [ق ٣١] مَن لم ينو ولم يأكل. هذا منصوص أحمد.
وذكر الشريف عن ابن حامد أنه لا يكون مفطرًا ... (١) .
-
وإن تردَّد في قَطْع الصوم، أو نوى أنه يقطعه فيما بعد؛ فهو على الخلاف في الصلاة.
قال القاضي وابن عقيل: إن اعتقد الخروج منه، أو اعتقد أنه سيخرج، خرج. نصَّ عليه أحمد، وكذلك الصلاة بخلاف الحج.
-
وظاهر كلامه أنه يصير مفطرًا.
قال في رواية الأثرم: لا يجزئه إذا أصبح صائمًا ثم عزم على أن يفطر فلم يفطر حتى بدا له، ثم قال: لا، بل أُتِمُّ صيامي من الواجب، فلا يجزئه حتى يكون عازمًا على الصوم يومه كلّه، وإن (٢) كان تطوُّعًا كان أسهل.
- vol. 4, p. 152
وإن نوى أنه إن وجَدَ طعامًا أفطر وإلا فلا، فوجهان.
وجميع الليل محلٌّ للنية، حتى لو نَوَت الحائض، وقد عرفَتْ مِن حالها الطهرَ قبل الفجر ... ولابدّ أن يكون قبل الفجر، ولا يصح معه، نص عليه ... (١) .
-
وإن نوى نهارًا قبل يوم الصوم بليلة، ففيه روايتان:
أحدهما (٢) : لا يجزئه. قال في رواية حنبل: يحتاج الرجل في شهر رمضان أن يجمع على الصيام في كلِّ يوم من الليل.
-
وهذا اختيار أصحابنا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا صيام لِمَن لم يُجْمِع الصيامَ مِن الليل» (٣) .
-
والثانية: يجزئه. قال ابن منصور (٤) : قلت لأحمد: إذا نوى الصوم بالنهار أن يصوم غدًا من قضاء رمضان، ثم لم ينوه من الليل. قال: قد تقدم منه نيَّةٌ، لا بأس به، إلا أن يكون فسخ النية بعد ذلك.
-
وقد تأوَّلها القاضي في «المجرّد» على أنه استصحب النيةَ إلى جزءٍ من الليل.
-
وتأولها ابنُ عقيل على قولنا بأنه يكفي لجميع الشهر نية واحدة.
-
وكلاهما ضعيف، وهو الذي يقتضيه كلام أحمد؛ فإنه قد نصّ على أن
vol. 4, p. 153الصومَ يصح مع الأكل إلى طلوع الفجر، وأن النية يجب أن تكون قبل الفجر؛ كما دل عليه نص الرواية، وأقرَّها القاضي في آخر أمره على ظاهرها، وهو الصواب؛ لأن ليلة الصوم تابعة له، فجاز تقديم النية عليها؛ كما يجوز تقديمها على النوم، ولأن النية إذا لم تفسخ فإن حكمها باقٍ؛ وإن تقدمت على العبادة بزمن طويل، ما لم تفصل بينهما عبادةٌ من جنسها.
-
ولهذا قال كثير من أصحابنا: إن نية الصلاة تصح من أول الوقت، بخلاف ما إذا نوى في ليلة صيام اليوم الذي يلي يومها؛ فإنه قد تخلل بين وقت النية ووقت العبادة وقتٌ يصلح لأداء مثل تلك العبادة.
-
فإن قوله: «لا صيام لمن لم يُجْمِع الصيامَ من الليل» ليس بنصّ، فإن مَن نوى من النهار واستصحب النيةَ إلى الفجر؛ فقد أجمع الصيامَ من الليل؛ لأن الإجماع أعمّ من أن يكون مبتدأ أو مستصحبًا ذكرًا أو حكمًا.
ولهذا إنما ذكر ذلك لبيان الـ ... (١) الذي تقدم النيةُ عليه، لا لبيان ما يجب تأخير النية عنه.
- فصل (٢)