مسألة: (ويباح الفطر في رمضان لأربعة أقسام: أحدها: المريض الذي يتضرر به، والمسافر الذي له القصر، فالفطر لهما أفضل)

94 paragraphs · vol. 4, p. 161

Page 2 of 3

  1. ولأنه لما كان الصومُ في الجملة مظنةَ المشقّة، بيَّن أن لا برَّ في الصوم فيه لإفضائه إلى هذا الضرر، وإن تخلّف عنه في بعض الصور.

    vol. 4, p. 171
  2. وأيضًا تقدّم ما رُوي عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله يحبّ أن تُؤتَى رُخَصُه كما يَكره أن تُؤتَى معصيتُه» رواه أحمد وابن خزيمة في «صحيحه» (٢) .

  3. وعن محمد بن المُنكَدِر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله يحبُّ أن تُؤتَى رُخصتُه كما يحبّ أن تُؤتى فريضتُه» (١) .

    vol. 4, p. 172
  4. وعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: «إنّ الله يحبّ أن تُؤتَى رُخصُه كما يحبّ أن تُؤتى عزائمُه» (٢) .

  5. وعن ابن عمر وابن عباس قالا: «إنّ الله يحبّ أن تؤتَى مَياسِرُه كما يحبّ أن تُؤتى عزائمُه» (٣) . رواهنّ ابنُ أبي شيبة.

  6. وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «ما خُيِّر رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بين أمرين إلا اختار أيسَرَهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعدَ الناس منه» (٤) .

  7. وقال - صلى الله عليه وسلم - في وصيته لمعاذ وأبي موسى: «يَسِّرا ولا تعَسِّرا» (٥) .

  8. وعن بِشر بن حرب قال: سألت عبد الله بن عمر، قلت: ما تقول في الصوم في السفر؟ قال: تأخذ إن حدثتك؟ قلت: نعم. قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج من هذه المدينة قصَر الصلاةَ، ولم يصم حتى يرجع إليها» . رواه أحمد (١) .

    vol. 4, p. 173
  9. وعن أبي طُعْمة قال: كنتُ عند ابن عمر إذ جاءه رجل، فقال: يا أبا عبد الرحمن، إني أقوى على الصيام في السفر. فقال ابنُ عمر: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «مَن لم يقبل رُخْصةَ الله كان عليه مِن الإثم مثل جبال عَرَفة» رواه أحمد (٢) ، وفي إسناده ابن لهيعة.

  10. وأيضًا ما روى أنسُ بن مالك الكعبي قال: أغارت (٣) علينا خيلُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فانتهيتُ ــ [أو قال] : (٤) فانطلقتُ ــ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يأكل، قال: «اجلس فأصِبْ مِن طعامنا هذا» . فقلت: إني صائم. قال: «اجلس أحدّثك عن الصلاة وعن الصيام، إن الله وضع شطرَ الصلاة ــ أو نصف الصلاة ــ و

    vol. 4, p. 174الصوم عن المسافر وعن المُرضع أو الحُبْلى»، والله لقد قالهما جميعًا أو أحدهما، فتلهّفَتْ نفسي أن لا أكون أكلتُ من طعام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. رواه الخمسة (١) ، وقال الترمذي: حديث حسن.

  11. وفي رواية لأحمد والنسائي (٢) : «إنّ الله وضعَ عن المسافر الصومَ وشطرَ الصلاةِ، وعن الحُبلى وعن المُرضع» .

  12. فأخبره النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أنّ الصومَ موضوعٌ عنه، استدعاءً منه للفطر بعد أن أخبره أنه صائم، ودعاه بعد أن أخبره أنه صائم.

  13. وعن أبي أُميَّة الضمْريّ (٣) ، وعبد الله (٤) بن الشخّير (٥) عن النبي - صلى الله عليه وسلم -

    vol. 4, p. 175قال: «إنّ الله وضعَ عن المسافرِ الصيامَ ونصفَ الصلاةِ» رواهما النسائي.

  14. وأيضًا عن عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيب قال (١) : سمعت رجلًا سأله: «أُتمُّ الصلاةَ والصومَ في السفر؟ فقال: لا. قال: إني أقوى على ذلك. فقال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقوى منك، قد كان يُفطر ويَقصُر الصلاةَ في السفر. وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «خياركم من قَصَر الصلاةَ في السّفَر وأفْطَر» رواه سعيد والأثرم وغيرهما (٢) .

  15. وهذا مع أنه من مراسيل سعيد فقد احتجَّ به (٣) ، واحتجاجُه يدلّ على صحّته عنده.

  16. ورواه النجَّاد عن جابر مسندًا (٤) .

  17. وعن ابن عمر: «أن رجلًا سأل النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عن الصيام في السفر، فنهاه، فقال: إن ذلك عليَّ يسير. فقال: «أنتَ أعلمُ باليسير أم الله؟ يقول الله عز

    vol. 4, p. 176وجل: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: ١٥٨] ، إن الله تصدّق برمضان على مرضى أمّتي ومسافريهم، فأيّكم يحبّ أن يتصدّق بصدقةٍ ثم تُرَدّ عليه؟!» رواه أبو حفص (١) .

  18. وقد روى عمرُ عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في القَصْر: «صدقةٌ تصدّق اللهُ بها عليكم، فاقبلوا صدَقتَه» رواه مسلم (٢) .

  19. وأيضًا فإن عامّة الصحابة على ذلك:
  20. عن أبي جمرة قال: «سألتُ ابنَ عباس عن الصوم في السفر؟ فقال: عُسْر ويُسْر، خذ بيسر الله تعالى. رواه أبو سعيد الأشج (٣) .

  21. وعن أبي سلمة قال: «نهتني عائشةُ أن أصوم في السفر» . رواه سعيد (٤) .

  22. [ق ٣٦] وقد تقدم عن ابن عمر الأمرُ بالفطر.

    vol. 4, p. 177
  23. وعن سعيد بن جُبير قال: «كان ابن عمر لا يستأذنه (١) في السفر، فصَحِبَه رجلٌ، فدعاه إلى طعامه، قال: إني صائم. قال: مَن صَحِبنا فليقتدِ بنا، ومَن لا فليعتزلنا، فإنّ في الأرض سَعَة». رواه البغوي (٢) .

  24. وعن ابن عمر: أنه كان لا يصوم في السفر رمضانَ ولا غيرَه، وإذا أقام قلَّما أفطر (٣) .

  25. وعنه: «أنه جاء إليه رجل، فقال: أصومُ في السفر؟ قال: لا. قال: إنه صومٌ كنتُ أصومه. قال: إن هذا يريد أن يتبع هواه، إني لأظنك عراقيًّا» (٤) .

  26. وعن مجاهد قال: قال ابن عمر: «يا مجاهد، لا تصُمْ في السفر؛ فإنهم يقولون: كُفُّوا صاحبَكم، أعينوا صاحبَكم، حتى يذهبوا بأجرك» (٥) .

  27. وعن عَمْرو بن دينار قال: سمعت رجلًا من بني تميم يحدِّث عن أبيه: أنه صام رمضان في السفر، فأمره عمر أن يقضيه (١) .

    vol. 4, p. 178
  28. وعن مُحرّر (٢) بن أبي هريرة قال: «صمتُ رمضانَ في السفر، فأمرني أبو هريرة أن أُعِيد في أهلي» (٣) .

  29. وعن عمّار مولى بني (٤) هاشم، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - فيمن صام رمضان في السفر: «لا يجزئه» رواه أبو إسحاق الشالنجي (٥) .

  30. وعن عثمان بن أبي العاص وأنس: «الصوم أفضل» رواه سعيد (٦) .

  31. ولأن الفطر جائز بغير خلاف من غير كراهة، والصوم قد كرهه جماعةٌ من الصحابة، وأَمَروا بالقضاء كما تقدم، ولأن الفطر أيسر وأخفّ، والله يريد بنا (١) اليُسْرَ ولا يريد بنا العُسْرَ، ويحبّ أن يؤتَى ما أرخصه، والمفطر يجمع له أجر الصائم وأجر القضاء كما تقدم، ولأنه رخصة من رُخَص السفر، فكان اتباعها أولى من الأخذ بالثقيل، كالقصر والمسح.

    vol. 4, p. 179
  32. فإن قيل: هذا يُبقي الصومَ في ذمّته بخلاف الذي يقصر الصلاةَ.

  33. قلنا: إذا أقام (٢) واتسع له وقتٌ قضاه، وإلا فلا شيء عليه.

  34. ولأن الصومَ في السفر مظنة سوء الخلق والعجز عن مصالح السفر، وأن يصير الإنسانُ كَلًّا على أصحابه، ولو لم يغيره، لكن الفطر بكلِّ حال أعْوَن له على السفر، وسعة الخُلُق، وإعانة الرفقاء، وغير ذلك من المصالح التي هي أفضل من الصوم.

  35. وبهذا يتبين أن الفطر أرفق له بكلِّ حال، ولأن في الفطر قبولًا للرخصة، وبراءةً من التعمُّق والغلوّ في الدين، وشُكْرًا لله على ما أنعم به من الرخصة.

  36. فإن (٣) صام، فهل يُكره له الصوم؟ على روايتين (٤) :

    vol. 4, p. 180إحداهما: يكره. كما نقله حنبل.

    وقال في رواية الأثرم: أنا أكره أن يصوم في السفر، فكيف بقضاء رمضان في السفر؟ وهو اختيار الخِرَقي (١) وأبي طالب وغيرهما؛ لقوله: «ليس مِن البرّ الصوم في السفر» (٢) ، وما ليس ببرّ لا يكون عبادةً، فيُكره أن يُشْغِل زمانَه بغير عبادة.

  37. ولما تقدَّم عن جابر بن عبد الله: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صام حتى بلغ كُراع الغَمِيم، فصام الناس معه، فقيل له: إن الناس قد شقَّ عليهم الصيام وإن الناس ينظرون فيما فعلْتَ، فدعا بقدحٍ مِن ماء بعد العصر، فشرب والناسُ ينظرون إليه، فأفطر بعضُهم وصام بعضُهم، فبلغه أن أُناسًا (٣) صاموا، فقال: «أولئك العصاة» رواه مسلم وغيره (٤) .

  38. ولأن من الصحابة مَن يأمره بالإعادة.

  39. والثانية: لا يكره. كما نقله المرُّوذي، وهي اختيار ابن عقيل؛ لما تقدم من أنه لم يكن يعب الصائمُ على المفطر، ولا المفطرُ على الصائم، والكراهة عيب، وأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صام في السفر هو وابنُ رواحة في يوم شديد الحرّ، وأنه

    vol. 4, p. 181لو كُره له الصوم لعادت الرخصةُ مشقّةً.

  40. والصحيح: أنه إن شقّ عليه الصوم، بأن يكون ماشيًا، أو لا يجد عشاءً يقوِّيه، أو بين يديه عدوّ يخاف الضعفَ عنه بالصوم، أو يصير كَلًّا على رفقائه (١) ، أو يسوءُ خلقُه ونحو ذلك= كُره له الصوم، وكذلك إن صام تعمّقًا وغلوًّا بحيث يعتقد أن الفطر نقصٌ في الدين ونحو ذلك. وعلى هذا يحمل ما رُوي عن عمر وابن عباس وأبي هريرة (٢) من أمر الصائم بالإعادة على سبيل الاستحباب عقوبةً له، وكذلك حديث ابن عمر (٣) وغيره.