مسألة: (ويباح الفطر في رمضان لأربعة أقسام: أحدها: المريض الذي يتضرر به، والمسافر الذي له القصر، فالفطر لهما أفضل)

94 paragraphs · vol. 4, p. 161

Page 3 of 3

  1. وأما مَن صام وهو مُرَفَّه مِن غير تغيّر في حاله، فلا بأس بصومه؛ وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أمرهم بالفطر وسماهم عُصاةً حين شقّ عليهم الصومُ مشقّةً شديدةً ولم يفطروا.

    vol. 4, p. 181
  2. وعن أبي سعيد قال: «أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على نهر مِن ماء السماء، والناس صيام في يوم صائف مشاةً، ونبي الله - صلى الله عليه وسلم - على بغلة له، فقال: «اشربوا أيها الناس» قال: فأبوا، فقال: «إني لستُ مثلَكم، إني أيسركم، إني راكب» ، فأبوا، فثنَى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فخذه، فنزل وشرب وشرب الناسُ، وما كان يريد أن يشرب» رواه أحمد (٤) .

  3. فقد فرّق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الراكب والماشي.

  4. وعن سَلَمة بن المُحبّق الهُذليّ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَن كانت له حَمولة تأوي إلى شَبَع؛ فليصم رمضان حيثُ أدركه» رواه أحمد وأبو داود (١) . وفي رواية لأبي داود (٢) : «من أدركه رمضان في السفر» . فأمر بالصوم مَن له زاد وراحلة دون غيره.

    vol. 4, p. 182
  5. وعن أبي سعيد قال: سافرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة ونحن صيام. قال: فنزلنا منزلًا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ق ٣٧] : «إنكم قد دنوتم من عدوِّكم، والفطر أقوى لكم» فكانت رخصة، فمنّا من صام، ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلًا آخر، فقال: «إنكم مُصبِّحو عدوِّكُم، والفطر أقوى لكم، فأفطروا» فكانت عزيمة، فأفطرنا، ثم لقد (٣) رأيتُنا نصوم بعدُ مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السفر. رواه أحمد ومسلم وأبو داود (٤) ، ولفظه: قال أبو سعيد: ثم (٥) لقد رأيتُني أصوم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل ذلك وبعد ذلك، فأمرهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالفطر لمَّا

    vol. 4, p. 183أرادوا أن يصبِّحوا العدوَّ، وكانت عزيمة.

  6. وأما الإعراض عن الفطر تعمّقًا وتنطّعًا، أو استعظامًا للفطر وإكبارًا له، فمثل ما روَتْ عائشةُ قالت: «رخّص رسولُ الله في أمر، فتنزّه عنه ناسٌ من الناس، فبلغ ذلك النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فغضب حتى بان الغضب في وجهه، فقال: «ما بال أقوال يرغبون عمّا رُخّص لي فيه، فوالله إني لأعلمهم بالله، وأشدّهم له خشيةً» متفق عليه (١) .

  7. وكما (٢) أراد جماعةٌ من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتبتَّلوا، وقال أحدُهم: أمّا أنا فأصومُ ولا (٣) أفطر، وقال الآخر: أما أنا أقوم لا أنام. وقال الآخر: أما أنا فلا آكل اللحمَ. وقال الآخر: أما أنا فلا آتي النساءَ، فبلغ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمرُهم، فقال: «لكنّي (٤) أصومُ وأفطرُ، وأقومُ وأنامُ، وآكلُ اللحمَ، وآتي النساءَ، فمَن رغبَ عن سنّتي فليس منّي» (٥) . وأنزل الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} (٦) [المائدة: ٨٧] .

  8. والأكلُ في السفر مِن طيّبات ما أحلّ الله لنا، فمَن اجتنبه تنزّهًا عنه ــ كالذي يجتنب اللحمَ والنساء ــ كان داخلًا في هؤلاء. وبهذا وشِبْهه مَرَقت

    vol. 4, p. 184الخوارجُ مِن الدين، وعلى هذا الوجه أنكر دَحيةُ بن خليفة الكلبيُّ وأبو بصرة على الذين رغبوا عن الفطر، ورأوه مكروهًا، وكذلك ابن عمر أنكر على من رأى به قوّة على الفطر، فلا يُشرَع في حقّه.

  9. ومن هذا الباب قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لأواصلنَّ وصالًا يدعُ المتعمّقِون تعمّقَهم» (١) ، ولهذا أمرَ بتعجيل الفِطْر وتأخير السحور.

  10. وعلى هذا يخرّج ما روى أسامةُ بن زيد، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، [عن أبيه] (٢) ، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «صائمُ رمضانَ في السفر كالمُفْطِر في الحَضَر» رواه ابن ماجه (٣) .

  11. ورواه النجَّاد من حديث يزيد بن عياض، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة وأبيه عبد الرحمن بن عوف: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «صائمُ رمضانَ في السَّفَر كمُفْطِره في الحَضَر» (٤) .

  12. ورواه النسائي (١) موقوفًا على عبد الرحمن.

    vol. 4, p. 185
  13. يعني: من صامه معتقدًا وجوبَ صومه (٢) ، والتشبيه به في الإثم لا في وجوب القضاء.

  14. فإن قيل: فهلَّا أوجبتم عليه القضاء، لاسيما وقد استشهد أحمدُ في رواية حنبل بقول عمر وأبي هريرة.

    قلنا: ... (٣)