مسألة: (وعلى سائر من أفطر القضاء لا غير، إلا من أفطر بجماع في الفرج، فإنه يقضي ويعتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، فإن لم يجد سقطت عنه)
280 paragraphs · vol. 4, p. 205
Page 4 of 7
- vol. 4, p. 236
فصل
ولا تجب الكفّارة إلا في شهر رمضان، فلو جامعَ في القضاء أو النذر أو الكفّارة، لم تجب عليه الكفّارة. نصّ عليه.
-
وتجب الكفّارة بكلّ صوم في نهار رمضان، سواء كان ذلك اليوم مقطوعًا بأنه من رمضان أم لا، وسواء كان صومه مُجْمَعًا على وجوبه أم لا.
-
فلو رأى الهلالَ وحدَه ورُدَّت شهادته، فصام ثم وطئ، لزمَتْه الكفّارة؛ لأنه تيقّن أنه من رمضان، وذلك لأن الكفارات لا تسقط بالشبهات كالحدود؛ فإنها ليست عقوبة، بل قد تجب محوًا للخطيئة، وجبرًا للفائت، وزجرًا عن الإثم.
-
ولو وطئ في أوّل النهار، ثم مرض أو جُنَّ أو سافر أو حاضت المرأة، لم تسقط عنه الكفّارة، نصّ عليه في رواية صالح وابن منصور (١) .
-
ونصّ في رواية ابن القاسم وحنبل على أنه لو أكل ثم سافر وحاضت المرأةُ، فإنهما يُمسكان عن الطعام ويقضيان ذلك اليوم؛ لأنهما تعمّدا الفِطر بالمعصية.
-
ولو وطئ في آخر يوم من رمضان، فتبيَّن له أنه من شوَّال، لم يكن عليه كفّارة؛ لأنه تبين أن الصوم لم يكن واجبًا عليه. ذكره (٢) القاضي.
- vol. 4, p. 237
مسألة (١) : (فإن جامعَ ولم يُكفِّر حتى جامعَ ثانيةً، فكفّارة واحدة. وإن كفَّر ثم جامعَ فكفّارة ثانية، وكلُّ مَن لزمه الإمساكُ في رَمضان فجامعَ، فعليه كفّارة) .
-
وجُملة ذلك أنه تجب الكفّارة في الصوم الصحيح والفاسد؛ فكل مَن وجب عليه الإمساك، وجبت عليه الكفّارة إذا جامع، وإن لم يكن معتَدًّا به، مثل أن يأكل ثم يجامع، أو يترك النية ثم يجامع، أو يجامع ويكفِّر ثم يجامع.
قال أحمد: إذا أكل ووطئ في رمضان؛ فعليه مع القضاءِ الكفّارةُ للوطء، فإن كفَّر في يومه ثم عاد، يكفِّر أيضًا؛ لأن حرمة اليوم لم تذهب، فإن فعل مرارًا (٢) فإنما عليه كفّارة واحدة ما لم يكفِّر، فإذا كفَّر ثم وطئ فعليه كفّارة أخرى، وهو مذهبي؛ وذلك لأن هذا الإمساك صوم واجب في نهار رمضان، فأوجب الكفّارة كالصوم الصحيح.
-
ودليل الوصف: ما روى سلمة بن الأكوع قال: «أمر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - رجلًا من أسلم أن: أذِّن في الناس أن مَن كان أكَلَ فليصُم بقيّةَ يومه، ومَن لم يكن أكل فليصم؛ فإن اليوم يوم عاشوراء» متفق عليه (٣) .
- vol. 4, p. 238
ولأن الكفّارة إنما وجبت لِمَا انتَهَك من حُرْمة الزمان بالجماع فيه.
-
ومَن أكل ثم جامع، أو جامع ثانيةً بعد أولى، فهو أشدُّ انتهاكًا للحُرْمة وأعظم في الاجتراء على الله، وربما اتخذ هذا حيلة إلى إسقاط الكفّارة بالجماع. ولأنها عبادة يجب إتمام فاسدها، فوجبت الكفّارة فيه كالحج الفاسد. وهذا لأن الله سبحانه قال في الحج: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: ١٩٦] ، وقال تعالى في الصوم: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: ١٨٧] .
-
وزمانُ الحجِّ يتعين ابتداؤه بفعل المكلف، وزمان رمضان يتعين ابتداؤه وانتهاؤه بالشرع، وكلاهما لا يخرج منه بالإفساد، بحيث لو أراد في الحج أن يصير بالوطء حلالًا يباح له المحظورات، لم يكن له ذلك، ولو أراد بالإفطار في رمضان أن يباح له الإفطار في سائر النهار لم يُبَح له.
ولو تبين له وجوب الصوم في أثناء النهار ببينة تقوم، أُثيب على صيامه مع وجوب القضاء، فليس بينه وبين الإحرام فرق، هذا فيمن ترك النية، مع العلم بوجوب الصوم، حتى لو أفطر يوم الإغمام وهو يعتقد ... (١)
-
فأما إن ترك النية لعدم العلم بأنه من رمضان وأمسك، لم يلزمه الكفّارة؛ لأنه ليس بإمساك مأمور به.
-
وإذا علم في أثناء النهار أن اليوم من رمضان، فإنه يجب عليه الإمساك على المذهب المعروف، فلو وطئ فيه لزمَتْه الكفّارة.
-
وإذا أسلم الكافرُ أو بلغ الصبيُّ أو عَقَل المجنون أو طهرت الحائض أو قدم المسافر، وقلنا: يجب عليهم الإمساك، فقال القاضي وابن عقيل: إذا
vol. 4, p. 239وطئ، وجبت عليه الكفّارة.
-
والمنصوص عن أحمد في رواية ابن منصور (١) : [ق ٤٩] لا كفّارة عليه. وكذلك ذكر ابن أبي موسى (٢) وغيره.
-
وحمل القاضي ذلك على الرواية التي لا يوجب فيها الإمساك. وقد قال في رواية حنبل في مسافر قدم في آخر النهار فواقَعَ أهلَه قبل الليل: عليه القضاء والكفّارة.
-
فإذا وطئ مرات في يوم واحد ولم يكفِّر، فكفّارة واحدة. نصَّ عليه. كما أنه لو أكل مرات في يوم لم يجب عليه إلا قضاء يوم واحد.
-
وإن وطئ في يومين ولم يكفِّر؛ فقال حرب: سُئل أحمد عن رجل جامع في رمضان أيامًا متتابعة: كم كفّارة؟ قال: قد اختلف الناس في هذا. فلم يجبه.
-
واختلف أصحابنا في ذلك؛ فقال ابن حامد والقاضي وأصحابه (٣) : عليه الكفّارة لكلِّ يوم وإن لم يكفِّر.
-
وحُكيَ هذا عن أحمد نفسه، حكاه ابن عبد البر (٤) ؛ لأن كلَّ يوم عبادة منفردة بنفسه، فلم يدخل كفّارة أحدهما في كفّارة الآخر؛ كما لو وطئ في
vol. 4, p. 240رمضانين أو حجّتين أو عمرتين، وذلك لأنه لا يفسد صوم أحدهما بفساد الآخر، ولا يجب أحدهما بوجوب الآخر، فإنه لو سافر في أثناء الشهر فهو مخيَّر بين الصوم والفطر، ولو أقام في أثنائه لتحتَّم عليه الصوم، ويحتاج كلٌّ منهما إلى نية منفردة في المشهور من المذهب.
وقال أبو بكر وابن أبي موسى (١) : يكفيه كفّارة واحدة وإن وطئ كلَّ يوم ما لم يكفِّر؛ لأن الكفارات بمنزلة الحدود في أنها عقوبات، والحدود بمنزلة الكفارات في أنها كفارات لأهلها. ثم لو زنى مرّات أو شرب مرّات أو سرق مرّات؛ لم يجب عليه إلا حدٌّ واحد، فكذلك إذا أفسد عبادات.
وأما إذا جامع في رمضانين أو في حجتين أو عمرتين، فقياس قول أبي بكر ... (٢)
-
فصل (٣)
-
ولا فرق في الجماع بين المعذور وغير المعذور، فلو وطئ ناسيًا أو جاهلًا بوجوب الصوم لاعتقاده أنه واطئ في غير نهار رمضان، أو جاهلًا بأن الوطء يحرم في الصوم، مثل أن يعتقد أن الفجر لم يطلع، أو أن الشمس قد غربت، فيجامع، ثم يتبين بخلافه، أو يجامع معتقدًا أنه آخر يوم من شعبان، فيتبين أنه من رمضان [= فعليه القضاء والكفارة] (٤) .
-
هذا أشهر الروايتين، ذكرهما أبو حفص وسائر الأصحاب، نقلها ابن
vol. 4, p. 241القاسم والأثرم وحنبل وحرب.
قال في رواية الأثرم (١) : حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: جاء أعرابيٌّ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: هلكتُ، وقعتُ على امرأتي في رمضان. قال: «أعْتِق رقبة» = ظاهره على النسيان والجهالة، ولم يسأله النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما أفتاه على ظاهر الفعل.
-
وهذا اختيار جمهور الأصحاب.
-
والرواية الثانية: عليه القضاء دون الكفّارة.
قال في رواية أبي طالب: إذا وطئ ناسيًا، يعيد صومَه، قيل له: عليه كفّارة؟ قال: لا.
-
وإذا كان عامدًا، أعاد وكفَّر. وهذا اختيار ابن بطة (٢) ؛ لأن الله قد عفا لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان، بدليل قوله: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: ٢٨٦] ، فقال الله: قد فعلت (٣) . حديث صحيح.
-
وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «عُفِي لأمّتي عن الخطأ والنسيان» (٤) .
-
ولأن الكفّارة إن كانت لجبر الصوم؛ فإنه مجبور بالقضاء، وإن كانت لمحو الخطيئة أو عقوبةً للواطئ، فالناسي والجاهل لا إثم عليهما، بخلاف كفّارة القتل والصيد ونحوهما، فإنها وجبت جبرًا لما فوّته؛ فأشبهت ضمان الأموال.
- vol. 4, p. 242
ومن أصحابنا من يحكي روايةً ثالثة في الناسي والمكره: أنه لا قضاء عليه ولا كفّارة.
-
وكقول أحمد في رواية ابن القاسم: كلُّ أمر غُلِب عليه الصائم فليس عليه قضاء ولا كفّارة.
وقال أبو داود (١) : سمعته غير مرَّة لا يَنْفُذُ (٢) له فيها قول. يعني مسألة مَن وطئ ناسيًا.
-
ووجه الأول: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمر الأعرابيَّ بالكفّارة ولم يستفصله: هل كان ناسيًا أو جاهلًا؟ مع أن هذا الاحتمال ظاهر، بل هو الأظهر، فإن الرجل المسلم لا يكاد يفعل مثل هذا عالمًا عامدًا، لاسيما في أول الأمر، والقلوب مقبلة على رعاية الحدود، والجهلُ بمثل هذا خليق أن يكون في الأعراب؛ فإنهم أجْدَر أن لا يعلموا حدودَ ما أنزل الله على رسوله.
-
وليس في قوله: «هلكتُ» ما يدلّ على أنه فعل ذلك عالمًا عامدًا؛ لجواز أنه لما ذُكّر أو أُخْبر أن هذا محرّم في الصيام خاف أن يكون هذا من الكبائر، وقد كانوا يخافون مما هو دون هذا، كما قال عمر - رضي الله عنه - للنبي - صلى الله عليه وسلم -: «أتيتُ اليوم أمرًا عظيمًا، قَبَّلت وأنا صائم» (٣) .
- vol. 4, p. 243
ولهذا لم يعاتبه (١) النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم يلُمْه كما لام سلمةَ بن صخر لما جامع بعد الظهار (٢) ، وكما لام الذي جامعَ امرأتَه ليلةَ الصيام قبل أن يبيح الله الرفثَ ليلةَ الصيام (٣) ، ومثل هذا لابدَّ فيه على العامد العالم من تعزير أو توبيخ، فهذه قرينة تبيّن أن الرجلَ قد كان له بعضُ العذر في هذا الوِقاع.
- vol. 4, p. 244
ولأنها كفّارة وجبت بالوطء مع العَمْد فوجبت مع السهو ككفّارة الوطء في الظهار والإحرام.
-
ولأن الوطء في الشرع يجري مجرى الإتلاف، بدليل أنه لا يخلو من غُرم أو حدٍّ، أو غُرم وحدّ، وباب الإتلاف يستوي فيه العمدُ والخطأ، كالقتل للإنسان والصيد، والحَلْق والتقليم.
-
وإذا اعتقد [ق ٥٠] أنه آخر يوم من شعبان، فجامع فيه، ثم تبيّن أنه من رمضان، فإنه يمسك ويقضي، ولم تجب عليه الكفّارة هنا. ذكره ابن عقيل؛ لأنه لم ينو صومَه على وجهٍ يُعذَر فيه (١) ، والكفّارةُ إنما تجب بالوطء في إمساكٍ واجب؛ بخلاف مَن أكل يظنّه ليلًا فبان نهارًا، فإنه مأمور بالإمساك ذلك الجزء والاحتياط فيه مشروع، وهو داخل في ضمن اليوم الذي نواه، ولهذا لا يُفْرَد بنية.
-
وإذا أكل ناسيًا، فظن أنه قد أفطر، فجامع. أو ذَرَعه القيءُ أو قطَرَ في إحليله ونحو ذلك، فظنَّ أنه قد أفطر، فجامع؛ فقال بعض أصحابنا: في وجوب الكفّارة وجهان؛ لأنه مثل الجاهل والناسي.
-
وكذلك قال القاضي: قياسُ المذهب أن الكفّارة تجب عليه؛ لأن أكثر ما في هذا ظنه إباحة الفطر، وهذا لا يُسقط الكفّارة؛ كما لو وطئ يظنّ أن الفجر لم يطلع، فإن الكفّارة لا تسقط هناك على المنصوص.
فعلى هذا: إذا قلنا هناك: إنه لا كفّارة عليه ... (٢)
vol. 4, p. 245وإن وطئ يعتقد أنه آخر يوم من شعبان، ثم بان أنه أول يوم من رمضان ... (١)
-
والصواب: أن هذا تجب عليه الكفّارة قولًا واحدًا؛ لأن أكثر ما فيه أنه وجب عليه، وكلُّ مُفطِر وجبَ عليه الإمساكُ إذا جامع لزمته الكفّارة عندنا، فإنه ليس معذورًا بالجماع، كما لو أكل عمدًا ثم جامع لزمته الكفّارة. نص عليه. اللهم إلا أن يعتقد جواز الأكل والوطء، فيُلْحَق بالمعذور (٢) .