مسألة: (وعلى سائر من أفطر القضاء لا غير، إلا من أفطر بجماع في الفرج، فإنه يقضي ويعتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، فإن لم يجد سقطت عنه)

280 paragraphs · vol. 4, p. 205

Page 5 of 7

  1. فإن قيل: أما إيجاب القضاء على الجاهل فهو القياس؛ لأنه لو أكل جاهلًا للزمه القضاء، فالواطئ أولى. وأما إيجابه على الناسي فهو مخالف لقياس الصوم، فإن الأكل ناسيًا لا يفطِّر الصائم.

    vol. 4, p. 245
  2. قلنا: الفرق بينهما أن الأكل بالنهار معتاد؛ فالشيء الخفيف منه ما قد يفعله الصائم لنسيانه صومه فعُذِر فيه. أما الجماع فأمر عظيم، وليست العادة فعله في النهار، فوقوعه مع النسيان إن وقع نادر جدًّا.

    وهذا معنى ما ذكره ابنُ جُريج قال: كنت إذا سألت عطاءً عن الرجل يُصيب أهلَه ناسيًا، لا يجعل له عذرًا (٣) ، يقول: لا ينسى ذلك ولا يجهله (٤) فيأبى أن يجعل له عذرًا. لاسيما ... (٥)

  3. وأما مقدّمات الجماع التي لا توجب الكفّارة مثل القُبلة واللمس والنظر إذا فعلها ناسيًا فأَمْنى أو أَمْذى، فقال أصحابنا: هو على صيامه، ولا قضاء عليه؛ لأنه أمر يوجب القضاءَ فقط، ففرقٌ بين عَمْده ونسيانه، كالأكل.

    vol. 4, p. 246
  4. فعلى هذا ما أوجب عمدُه الكفّارةَ، أوجب سهوُه القضاءَ في المشهور، وفي الكفّارة الخلاف المتقدّم، وما أوجب عمدُه القضاءَ فقط، لم يُبطل الصومَ سهوُه؛ لأن ما أوجب جنسُه الكفّارةَ، تغلّظ جنسُه فأُلحِق بالجماع، بخلاف ما لا يوجب إلا القضاءَ فقط، فإنه كالأكل.

  5. وإن أُكره الرجل على الجماع؛ فقال ابن أبي موسى (١) والقاضي وابن عقيل وغيرهم: عليه مع القضاء الكفّارة قولًا واحدًا، بخلاف الناسي؛ لأن الجماع لا يتأتَّى إلا مع حدوث الشهوة، ولهذا وجبت الكفّارة على المُكْره على الزنى في المنصوص؛ لأنه لا يطأ حتى ينتشر، ولا ينتشر إلا عن شهوة.

    قال ابن عقيل: وإن كان منتشر العضو فاغْتَفَلَتْه امرأةٌ وقعَتْ عليه، فغلَبَتْه واستدخلت عضوَه، فلا كفّارة عليه هنا لعدم العلة، وفي إفساد الصوم وجهان، وذكر أبو الخطاب (٢) وغيرُه فيه الروايتين في الناسي.

  6. وإن استدخلت ذَكَره وهو نائم، فقال القاضي: لا يفطر لأنه كالمحتلم، لم يصدر منه فعل ولا لذّة.

  7. وهذا قياس قول مَن يفرّق بين النائمة والمكرَهَة، وليس هو قول القاضي.

  8. وذكر ابن عقيل وجهًا أنه يفطر، قال: كما لو جُرِّع الماء، كان فيه الروايتان، والأشبه أن لا يبطل، كما لو قُطِر في حلقه وهو نائم.

    قال ابن عقيل: فإن كشفَتْه واستيقظَتْ عُضوَه بأن عَبِثت به حتى انتشر، ثم استدخَلَتْه، أفطرا جميعًا، ولا كفّارة عليه. وهل عليها كفّارة؟ على روايتين.

    vol. 4, p. 247
  9. وكأنه جعله في هذه الصورة مُكرَهًا، فيكون قوله (١) كقول أبي الخطاب.

    وقال غيرهما: ظاهر كلام أحمد أن عليه القضاء؛ لأن القضاء وجب على المرأة المغصوبة على نفسها فالرجل أولى.

  10. وهذا أصح، فإن المقهور على نفسه أقوى من المقهورة على نفسها، والنائم أقوى من النائمة.

  11. فصل (٢)

  12. وأما المرأة، فلا تخلو إما أن تكون مُطاوِعة أو مُستكرَهَة، فإن كانت مُطاوِعة في الصيام أو الإحرام ففيها ثلاث روايات:

    إحداهن: أن عليها الكفّارة فيهما. وهي المنصورة عندهم، مثل أبي بكر وابن أبي موسى (٣) والقاضي وأصحابه (٤) .

  13. قال في رواية ابن إبراهيم (١) في الرجل يَستكره امرأتَه على الجماع: ليس عليها كفّارة وعليه، وإذا طاوعَتْه فعليها وعليه كفّارة كفّارة. في الصوم.

    vol. 4, p. 248
  14. ونقل عنه إسحاق بن إبراهيم (٢) ويعقوب بن بختان في المُحْرِمة إذا وطأها: عليها الهدي.

  15. والثانية: لا كفّارة عليها.

  16. نقل (٣) عنه أبو داود (٤) وأبو الحارث ومهنّا والمرُّوذي: لا كفّارة على المرأة في الوطء في رمضان.

  17. فعلى هذا تجب الكفّارة عليه وحده، وليس عليها كفّارة، يتحملها الزوج عنها، وتعتبر الكفّارة بحاله في الحرية والعبودية، واليسر والعسر، وغير ذلك.

  18. ونقل عنه ابن منصور (٥) في الذي يصيب أهلَه مُهِلًّا بالحج: يحجان من قابل ويتفرّقان، وأرجو أن يجزيهما هدي واحد.

  19. فمِن أصحابنا [ق ٥١] مَن يجعل هذا رواية واحدة في أنه لا كفّارة عليها،

    vol. 4, p. 249وإنما الكفّارة عليه وحده. ومنهم من يجعل هذا روايةً أخرى بأن الكفّارة الواحدة تكون عليهما في مالهما وتجزئ عنهما.

  20. وهل تجب عليهما في مالهما، أو في ماله وتقع عنهما، أو في ماله وتقع عنه وحده؟

  21. فعلى هذا: إن كفَّر بالصوم، لزمَ كلَّ واحدٍ منهما صومُ شهرين.

  22. والثالثة: عليها الكفّارة في الحج دون الصوم.

    فقال في رواية أبي طالب: ليس على المرأة كفّارة، إنما هي على الرجل، إلا أن يكونا مُحْرمَين فيكون عليهما كفّارة كفّارة (١) . كذا قال ابن عباس (٢) ، ولم أسمع على المرأة هدي إلا في الحج (٣) .

  23. ولهذا أكثر نصوصه في الحج بالوجوب وفي الصوم بعدمه، وذلك لأن الذي واقع أهلَه في رمضان أمَرَه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أن يعتق رقبةً أو يصوم شهرين متتابعين أو يُطعم ستين مسكينًا في معرض جواب سؤاله عن هذه الواقعة، فعُلم أنه لا يجب في هذا الجماع شيء غيرُ هذا، لأنه لو كان لذَكَره، فإنّ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ولأن السؤال كالمُعاد في الجواب، فتقديره: من أصاب امرأته في رمضان فعليه هذه الكفّارة.

  24. ولو قيل مثل ذلك لدلّ على أنّ هذا جزاء هذا الفعل، ولا شيء فيه غير ذلك، ولهذا لما قال له ذلك الرجل: إن ابني كان عسيفًا على هذا، وإنه زنى

    vol. 4, p. 250بامرأته، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «على ابنك جلدُ مئة وتغريبُ عام، واغْدُ يا أُنَيس إلى امرأةِ هذا، فإن اعترفت فارجمها» (١) .

  25. فذكر في الحدّ حكم الواطئ والواطئة، وفي الكفّارة اقتصر على حكم الواطئ فقط. وفي الحجّ: أمرَ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - المتجامِعَين أن يُهديا هديًا. وكذلك عمر وعليّ (٢) .

  26. ولأن الكفّارة هنا إنما وجبت لأجل الإصابة والوقوع على المراة وجماعها، والجِماع إنما يفعله الرجل وحده، وإنما المرأة مُمَكِّنة من الفعل ومحلٌّ له، والكفّارة لم توجَب لذلك، ولأن الجماع فِعْل واحد لا يتمّ إلا بهما، فأجزأتْ فيه كفّارة واحدة؛ لأن تعدّد ... (٣) ، ولأنه حقّ ماليّ يجب بالوطء، فاختصَّ بوجوبه [على] (٤) الواطئ كالمَهْر في وطء الشبهة.

  27. وهذا لأنّ الأصل فِعل الرجل، والمرأة محلّ لفعله، فاندرج فعلها في فعله، وصار تبَعًا له، كما تدخل ديةُ الأطراف في دية النفس، وكما لو جامع مرّة ثم مرّة ولم ينزل، وكما لو قبَّل المُحرِم ثم أولج، ولأنها كفّارة تجب بالوطء، فاختصّت بالرجل دون المرأة، ككفّارة الظهار.

  28. أو نقول: إصابةُ فرجٍ حَرُم لعارض، فاختصّت كفارتُه بالرجل، كإصابة المظاهر منها.

  29. فعلى هذا لو لم تجب الكفّارة على الرجل بأن تَستدخلَ ذكَرَه وهو نائم، أو تستدخل ذَكَر مجنون أو صبيّ، فإنه يبطل صومها، هكذا ذكره القاضي وابن عقيل.

    vol. 4, p. 251
  30. وهل تجب الكفّارة؟ على روايتين فيما إذا وطئها الرجل، ذكره القاضي وابن عقيل.

  31. وكذلك لو وطئها وهو مسافر أو مريض، وهي مقيمة صحيحة، ففي الكفّارة عليها الروايتان (١) .

  32. ومَن فرَّق بين الحج والصوم، قال: إن الحجَّ جاءَ فيه الأثر عن ابن عباس، والصوم بخلافه، ولأن الحجّ أغلظ، فإن الكفّارة تجب فيه بالقُبْلة والمباشرة وإن لم يُنزل.

  33. ولأن حُرمة الحج متعدّدة بالنسبة إليهما فإنّ كلًّا منهما إنما يصير حرامًا بإحرام يعقده لنفسه؛ فإذا جامع فقد هَتَك إحرامًا منفصلًا عن إحرام غيره، وهنا الحُرمة للشهر الذي يجب صومه، لا لنفس الصوم المجزئ، ولهذا تجب الكفّارة سواء كان صائمًا أو مفطرًا إذا كان الإمساك واجبًا عليه، ولا تجب إلا في شهر رمضان، وحُرْمة الشهر واحدة يشملها، فإذا هتكاها، فإنما هتّكا حُرْمة واحدةً، فأشبه ما لو اشتركا في قتل صيد.

  34. ولأن الكفارات في الحج تجب مع الانفراد والاشتراك كما تجب

    vol. 4, p. 252بالحَلْق واللبس، فإذا وقع الاشتراك جاز أن يُجعلا في حكم المنفردَين، وهنا لا تجب إلا بالفعل المشترك.

    فعلى هذا، لو استدخلَتْ ذَكَر نائم أو مكّنَت من نفسها مجنونًا أو مسافرًا ونحوه ... (١)

  35. وذكر ابن عقيل في موضع آخر أن الوطء إذا تردّد بين اثنين لا تجب الكفّارة على أحدهما، وجبت (٢) على الآخر وحدَه، كالمسافر إذا وطئ.

  36. ووجه الأول: أن المرأة هتكَتْ حُرمة شهر رمضان بالجماع، فوجبت الكفّارة عليها كالرجل، وذلك لأنها إذا طاوعَتْه على الجماع، كان كلّ منهما فاعلًا له ومشاركًا فيه، وإن جاز أن ينفرد أحدُهما به إذا استكرهها أو استدخلَتْ ذَكَره وهو نائم، فما وجب عليه لله من الكفّارة والعقوبة وغير ذلك وجب عليها مثله.

  37. ولهذا يجب الحدُّ عليها كوجوبه عليه، وتفطر بهذا الجماع كما يفطر هو، وتستحقّ العقوبةَ في الآخرة كما يستحقّه، وتسمّى باسمه، فيقال: زانٍ وزانية، ويُسمى جِماعًا وحلامة (٣) ومباشرة، وصيغة الفِعال والمفاعلة في الأصل إنما تكون بين شيئين يفعل كلُّ منهما بصاحبه مثل ما يفعل الآخر به، كالقتال والخصام.

  38. ولهذا لو استدخلَتْ ذَكَره وهو نائم وجبت الكفّارة، ذكروا فيه الروايتين (١) ، ولأنها كفّارة فوجبت على كلّ واحدٍ منهما كالحدِّ، فإن الحدود كفارات لأهلها.

    vol. 4, p. 253
  39. وهذا لأن الكفّارة ماحية من وجه وزاجرة من وجه وجابرة من وجه، والمرأة محتاجة إلى هذه المعاني حسب احتياج الرجل.

  40. ولا يصح التفريق بأن الكفّارة في المال، والحدّ على البدن؛ [ق ٥٢] لأن مِن الكفارات ما هو على البدن، وهو الصيام.