مسألة: (وعلى سائر من أفطر القضاء لا غير، إلا من أفطر بجماع في الفرج، فإنه يقضي ويعتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، فإن لم يجد سقطت عنه)
280 paragraphs · vol. 4, p. 205
Page 6 of 7
- vol. 4, p. 253
وكذلك لو حلف كلٌّ منهما لا يجامع الآخرَ، كان على كلٍّ منهما كفّارة إذا حَنَث (٢) كلٌّ منهما في يمينه، كهتك كلٍّ منهما لحُرْمة صومه وإحرامه.
-
وأما حديث الأعرابي، فقد أجاب أصحابنا عنه بوجوه:
أحدها: أن بيانَه لحكم الأعرابي بيانٌ لحكم مَن في مثل حاله؛ إذ من المعلوم أنها تشاركه في الجماع فتشاركه في حكمه، ولهذا لم يأمرها النبي - صلى الله عليه وسلم - بالقضاء والاغتسال، وقد أمر الأعرابيَّ بالقضاء لعلمه بأن حكمها حكمُه، فما حُمل عليه تركُ ذِكر القضاء، حُمل عليه تركُ ذِكر الكفّارة.
-
وثانيها: أن هذه قضية في عين، فلعلّ المرأة كانت مُكرهة أو نائمة، فإنه قد رُوي في بعض الألفاظ أنه قال: «هلكتُ وأهلَكْتُ» رواه الدارقطني (٣) .
- vol. 4, p. 254
ونِسْبةُ الإهلاك إليه وحده، وإن كان يحتمل التسبب والدعاء إلى الفعل، لكنه ظاهر في انفراده بالإهلاك، وسماه إهلاكًا للمرأة؛ لتفطيرها وإيجاب القضاء عليها.
-
وثالثها: أن المرأة كانت غائبة ولم تستفته، وإنما سأله الأعرابيُّ عن حكم نفسه فقط، فلم يجب بيانُ حكم المرأة، وإنما بيّنه في قصة العسيف لأن له أن يبينه وألّا يبيِّنه، فإن الزيادة على السؤال جائزة، كقوله في البحر: «هو الطَّهور ماؤه الحِلّ ميتتُه» (١) .
-
ثم الفرق بينهما: أن في قصة العسيف حضر زوجُ المرأة، وكان سائلًا عن حكمها، كما حضَرَ أبو العسيف يسأل عن حكم ابنه.
- vol. 4, p. 255
ثم حكم الرجل في الزنى كان مخالفًا لحكم المرأة، فإن حدّها كان الرجم وحدُّه الجلد، فلم يكن بيان أحدهما بيانًا للآخر، بخلاف الجِماع.
-
ثم الحدُّ حقّ الله يجب استيفاؤه على الإمام، بخلاف الكفّارة فإنها حقٌّ فيما بين العبد وبين الله.
-
ورابعها: أن الرجل أقرَّ بما يوجب الكفّارةَ والمرأةُ لم تقرّ بذلك، وقوله غير مقبول عليها.
-
وخامسها: أنه يمكن أنه قد ذَكَر حكمَها فلم يُنقل، ويمكن أنه - صلى الله عليه وسلم - أراد ذِكْر حكمها فشُغِل عنه، فإنه عدمٌ محض، والعدم المحض لا دلالة فيه.
-
وأما قياس هذا على الظهار فلا يصح؛ لأنها إن كانت مُظاهرة منه كما هو مُظاهر منها وجبت الكفّارة على كلّ منهما. وإن لم تكن هي مُظاهِرةً (١) ، وقلنا: إنه لا كفّارة عليها بظهارها منه؛ فلأنّ سبب وجوب الكفّارة ــ وهو الظهار ــ مختصّ به، كما لو حلف لا يطأها، فإن كفّارة اليمين تجب عليه خاصة، وكما لو كان هو وحده مُحْرِمًا أو صائمًا، فإنه لا ينبغي أن تُمَكِّنه من نفسها لما فيه من إعانته على المعصية، ولأن فرجها حرام عليه في هذه الحال، ثم لو مكَّنته لم تجب الكفّارة إلا عليه لأنها هي ليست مُحْرِمة ولا صائمة.
-
فصل (٢)
-
وإن كانت مُستَكْرَهة بأن يضطجعها ويطأها، ولا تقدر أن تمتنع منه، أو يقيدها ونحو ذلك= فسد صومُها.
- vol. 4, p. 256
نصّ عليه في رواية مهنّا في مُحرِمة غَصَبها رجلٌ نفسَها، فجامعها وهي كارهة، [قال] : أخاف أن يكون قد فسد حجُّها. فقيل له: فإن غَصَبها رجلٌ نفسَها وهي صائمة فجامعها؟ قال: هو كذلك.
-
وفي لفظ: إذا أكرهها فوطئها فعليها القضاء. قلت: وعليها الكفّارة؟ قال: لا. قلت: فإن كانت اشتهَتْه؟ قال: لم أسمع على المرأة كفّارة.
-
وهذا قول ابن أبي موسى (١) والقاضي وأكثر أصحابنا.
-
وعنه: لا يفسد. ذكرها أبو الخطاب (٢) وابن عقيل.
-
قال في رواية ابن القاسم (٣) في الرجل يتوضأ فيسبقه الماء فيدخل حلقَه: لا يضره ذلك، وكذلك الذباب يدخل حلقَه، والرجل يومئ بالشيء فيدخل حلقَ الآخر، وكلُّ أمرٍ غُلِب عليه الصائم، فليس عليه قضاء ولا غيره.
-
فإن هذا يقتضي أنه لا يفسد الصوم بالإكراه على الجماع؛ لقوله: «ليس عليه قضاء ولا غيره» ، وغير القضاء هي الكفّارة، وإنما تجب الكفّارة في الجماع، فعُلِم أنه إذا غُلِب على الجماع لم يكن عليه قضاء ولا غيره. وهذا اختيار ابن عقيل؛ لأن الله تعالى عفا للأمة عما اسْتُكْرِهوا عليه، ولأن هذه المرأة لم يصدر منها فعل ألبته.
-
ولهذا لا يجب عليه حدٌّ ولا إثم ولا تعزير ولا ضمان، فإنه لو ألقى إنسانٌ إنسانًا على آخر فقتله، لم يضمنه، فإذا لم يجب الضمان مع وجوبه مع
vol. 4, p. 257السهو وغيره، فأَنْ لا يُفْسِدَ العبادة أولى.
-
ولأنه لو حلق رأسَ مُحرِم أو قَلّم ظُفْرَه بغير اختياره لم يكن عليه جزاء، فكيف يفسد إحرامه وصيامه بذلك؟!
-
فعلى هذا: إن أُكْرِهت بالضرب أو الحبس أو الوعيد، حتى اضطجعت أو مكَّنت، ففيه وجهان كالوجهين (١) فيما إذا أُكْرِه حتى أكل بيده.
-
ووجه الأول: أنه جماع يوجب الغسلَ، فأفسد الصومَ والحجَ، كجماع المطاوِعَة، ولأنها عبادة تَبْطل بجماع المختارة فبطلت بجماع المستكْرَهة كالطهارة، إلا أن الأسباب الموجبة للوضوء لا تفريق بين عمدها وسهوها، بخلاف الأسباب المفسدة للإحرام، ولأن الجماع يشبه الإتلاف.
-
فعلى هذا لا كفّارة عليها، نصّ عليه في الصائمة في رواية مهنّا، وفي المُحرِمة المستكْرَهة في رواية ابن إبراهيم ويعقوب بن بختان وحنبل.
-
وفرَّق بينها وبين المطاوِعَة.
-
وسواء قلنا: تجب الكفّارة على الناسي والجاهل والرجل المكرَه (٢) أو لا تجب في المشهور عند أصحابنا.
قال القاضي في «المجرد» : لا كفّارة عليه روايةً واحدةً؛ لأن المكره لا فِعْل له، ولهذا لو أُكْرِه على قتل الصيد وإتلاف مال الغير، لم يكن عليه ضمان، وإن [ق ٥٣] وجب الضمان على الناسي.
- vol. 4, p. 258
وذكر القاضي في «خلافه» فيها روايتين:
إحداهما: كذلك.
-
والثانية: عليها الكفّارة كالناسي والجاهل.
-
وقد نصَّ أحمد في رواية الأثرم: إذا أكرهها في الحجّ، على كلِّ واحد منهما هدي. ولا ترجع به عليه على هذه الرواية كالناسي.
وقال ابن أبي موسى (١) : قيل عنه: عليها (٢) كفّارة ترجع بها عليه؛ لأنه حقٌّ لزمها بسببه فكان استقراره عليه، كما لو أَكْره رجلًا على إتلاف المال أو غرَّه في نكاح أو بيع أو غيرهما أو حلق رأسَ المُحرِم بغير اختياره، فإن ضمانه عليه.
-
والإكراه الذي لا ريب فيه: أن يقهرها على نفسها، وسواء كان إكراه غلبةٍ مثل أنْ قَهَرها على نفسها، أو كان إكراه تمكين مثل أنْ ضرَبَها حتى مكَّنت من نفسها، فالحكم سواء. هذا قول القاضي وأبي الخطاب (٣) .
-
فعليها الكفّارة هنا؛ لأن لها فعلًا صحيحًا وقصدًا واختيارًا، وإن كانت معذورةً فيه، فإن العذر لا يمنع وجوب الكفّارة، كالنسيان والجهل.
-
لأنه لو دفعه على إنسان فقتله، لم يكن على المدفوع دية ولا كفّارة، ولو أكرهه حتى قتله، لوجب عليه دية القَوَد، وكان هذا الفعل محرَّمًا بالإجماع.
- vol. 4, p. 259
وعلى الوجهين متى قَدِرَت على الدفع عن نفسها فلم تفعل، فهي كالمُطاوِعة.
-
وإن مانعته في أول الفعل ثم استلانت في أثنائه، فهي كالمُطاوِعة؛ لأن استدامة الوطء كابتدائه في إيجاب الكفّارة، بدليل مَن طلع عليه الفجرُ وهو مجامع. هكذا ذكره ابن عقيل.
-
فأما إن وطئها وهي نائمة ولم تستيقظ إلا بعد مفارقته للفعل، فقال ابن أبي موسى (١) : ليس عليها قضاء ولا كفّارة، وعليه القضاء والكفّارة قولًا واحدًا. لأنها لم تشعر بالجماع، ولم تجد طعمه، ولم تذق عُسَيلته.
قال: وقال بعض أصحابنا: عليها القضاء وجهًا واحدًا، يعني: كالمستكْرَهة، فإنه لم يذكر فيها خلافًا، وعليها (٢) الكفّارة في أحد الوجهين ترجع بها عليه.
-
هذا قول القاضي وأصحابه، لا فرق عندهم بين النائمة والمستكْرَهة.
قال القاضي: قياس المذهب أنها تفطر؛ كما لو أكرهها على الوطء أنها تفطر؛ بخلاف ما لو أكره على الأكل، أو أكل وهو نائم، فإنه لا يفطر، كالناسي إذا أكل وأولى؛ لأن أكثر ما فيه أنها جومعت بغير اختيارها، فأشبه المقهورة، ولأنه جماع يوجب الغسل، فأفسد الصوم كسائر أنواع الجماع.
قال ابن أبي موسى (٣) : ولو ألزمناه كفارتين عنه وعنها، كان وجهًا.
- vol. 4, p. 260
فعلى هذا يُطالَب هو بالتكفير؛ كما قلنا فيمن حلق رأس (١) مُحرِم وهو نائم. وعلى الوجه الذي نقول فيه: ترجع عليه بالكفّارة، تُطالَب هي بها، وترجع عليه (٢) .
-
وإن لم تمكِّنْه، فهي كالمستكْرَهة؛ لأنها تشعر بالجماع.
قال ابن أبي موسى (٣) : عليها القضاء والكفّارة، ترجع بالكفّارة عليه. فإنه على الرواية التي توجب الكفّارة على المستكرهة.
-
وأما الموطوءة بعذر غير الاستكراه، مثل الناسية والجاهلة والمُمَكِّنة تظنه ليلًا فبان نهارًا ونحو ذلك، فذكر أبو الخطاب (٤) أنه يفسد صومها، ولا يلزمها الكفّارة مع العذر، والعذر الإكراه والنسيان، وسوّى بين الأعذار، وألْحَق المكرهةَ بالناسية، وجعل في الرجل المعذور روايتين.
-
وخرَّج بعض أصحابنا وجهًا: أنه لا يفسد صومها أيضًا؛ لأن ما لا يوجب الكفّارةَ لا يفسد الصومَ مع النسيان، كالأكل.