مسألة: (وإن ترك القضاء حتى مات لعذر، فلا شيء عليه، وإن كان لغير عذر أطعم عنه لكل يوم مسكينا، إلا أن يكون الصوم منذورا فإنه يصام عنه، وكذلك كل نذر طاعة)
96 paragraphs · vol. 4, p. 287
Page 1 of 3
- vol. 4, p. 287
في هذا الكلام مسائل:
المسألة الأولى: من استمرّ به العذرُ مِن سفر أو مرض حتى مات قبل إدراك رمضان الثاني أو بعده، فإنه لا شيء عليه مِن قضاء ولا كفّارة.
- vol. 4, p. 288
قال في رواية المرُّوذي فيمن صام من رمضان خمسةَ عشر يومًا، ثم مرض فعاش شهرين ومات: أُطعم عنه كلَّ يوم مسكينًا، وإن مات في مرضه فلا شيء عليه.
وقال حرب: سألت أحمد، قلت: رجل أفطر في رمضان في السفر أو مرض، فلم يقضه، فمات؟ قال: إذا توانى في ذلك يُطعَم عنه، إلا أن يكون مِن نذر. قلت: فإن كان مِن نذر؟ قال: يُصام عنه. قلت: أقرب الناس إليه أو غيره؟ قال: نعم.
-
وقال في رواية عبد الله (١) في رجلٍ مَرِض في رمضان: إن استمرّ به المرضُ حتّى ماتَ، فليس عليه شيء، وإن كان نَذَر، صام عنه وليُّه إذا هو مات.
-
وقد أطلق في رواية الأثرم: إذا مات وعليه نذر يُصام عنه، ولو مات وعليه صوم رمضان يُطعَم عنه.
-
لأنه لم يجب عليه الصومُ قضاءً ولا أداءً، فلم تجب عليه الكفّارة، كالمجنون والصبي (٢) .
-
فإن قيل: فالمريض الذي لا يُرجى بُرؤه قد أوجبتم عليه الكفّارة، وهذا أسوأ أحواله أن يكون بمنزلته. ثم الوجوب في الذمّة لا يُشترط فيه التمكُّن من الفعل كالصلاة والزكاة؛ فإذا استقرّ وجوبُ الصلاة والزكاة أيضًا في
vol. 4, p. 289الذمّة قبل التمكّن؛ فكذلك الصوم أولى، وإذا استقرّ في ذمته، فلا بدّ من الكفّارة بدلًا عن ذلك الواجب.
-
قلنا: المريض الميؤوس منه قد عزم على الفطر في الحال والمآل، ولهذا لم يجب الصوم في ذمّته، ولا يجب عليه القضاءُ البتَّة، ولابدّ من البدل، وهو الفدية.
وأما المريض المرجوّ والمسافر، فهما عازمان على القضاء بشرط القُدْرة، فلا يُجمَع عليهما واجبان على سبيل البَدَل ... (١)
-
وأما استقرار العبادات في الذمة قبل التمكُّن؛ فكذلك نقول في الصوم: إنه بإدراك الشهر استقرَّ الوجوبُ في ذمته، لكن هذه الواجبات في الذمة قبل التمكُّن معناها إيجاب القضاء عند التمكن، فأما إذا لم يتمكّن من القضاء، فإنه يموت غير آثم بلا تردّد.
-
كما لو حاضت في أثناء الوقت وماتت قبل الطُّهر، أو تَلِف النصابُ قبل التمكّن من الإخراج، وليس له ما يُخْرِج غيرَه، ومات قبل اليسار، ونحو ذلك.
-
وذلك لأنّ تكليف ما لا (٢) يُطيقه العبدُ الطاقةَ المعروفةَ غيرُ واقعٍ في الشرائع، فالتكليف بالعبادة (٣) لابدّ فيه من القُدرة في الحال والمآل، أما مع انتفائهما فمُحال.
- vol. 4, p. 290
المسألة الثانية (١) : إذا فرّط في القضاء حتى مات قبل أن يدركه (٢) الرمضانُ الثاني، فإنه يُطعَم عنه لكلّ يوم مسكين.
-
وهل يأثم ويكون هذا الإطعام بمنزلة ما لو مات ولم يحجّ؛ لقوله سبحانه: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: ١٨٤] ، وهذا قد أطاقَ الصومَ ولم يصمه أداءً ولا قضاءً، فتجب عليه الفدية بظاهر الآية؟
-
يؤيّد ذلك قولُه تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} ، بعد قوله: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} ، فيفيد ذلك أنه يَعمُّ مَن أطاقَ الصومَ في رمضان وأفطر، ومَن أطاق الصوم في أيام أُخَر فلم يصم.
-
ثم نَسْخ الأول [لا] (٣) يوجب نسخ الثاني؛ لأنه إنما نُسِخ التخييرُ، أما وجوب الفدية مع الفطر الذي لا قضاء فيه، فلم يُنسخ البتَّة؛ [ق ٥٩] لِما روى أشعثُ، عن محمد، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَن مات وعليه صيامُ شهر رمضان، فليُطْعَم عنه مكانَ كلّ يومٍ مسكينًا» رواه ابن ماجه والترمذي (٤) وقال: «لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، والصحيح
vol. 4, p. 291عن ابن عمر (١) موقوف قولَه (٢) ». قال: «وأشعث هو ابن سوَّار، ومحمد هو ابن أبي ليلى» .
-
ورواه الأثرم وأبو بكر، كلاهما عن (٣) قتيبة، عن عُمر بن القاسم، عن أشعث (٤) .
-
وعن عبد العزيز بن رُفَيع، عن عَمْرةَ امرأةٍ منهم، قال: توفيت أمها وعليها أيام من رمضان، فسألَتْ عائشة أن تقضيه عنها؟ قالت: «لا، بل أطعمي مكان كلِّ يوم مسكينًا» رواه سعيد (٥) .
-
وعن ميمون بن مِهْران أن ابن عباس سُئل عن رجل مات وعليه نذر صوم شهر وعليه صوم رمضان؟ قال: «أما رمضان فيُطعَم عنه، وأما النذر فيُصام عنه» رواه أبو بكر (٦) .
-
وعن ابن عباس وابن عمر مثله (٧) . ولا يُعرف لهم في الصحابة مخالف.
- vol. 4, p. 292
وعن ابن عباس قال: «إذا مرض الرجلُ في رمضان، ثم مات ولم يَصُم أُطعِم عنه ولم يكن عليه قضاء، وإن نذر قضى عنه وليّه» . رواه أبو داود (١) .
-
ولأنه قد وجب القضاء في ذمته، واشترطت له الفدية في المال، فإذا قدر عليه لم يكن بدٌّ من إيجاب الفدية، لأن الصوم الواجب لا يخلو من فعله أو فعل الفدية.
-
فإن قيل: قضاء رمضان موسَّع، والعبادة الموسّعة إذا مات في أثناء وقتها لم يكن آثمًا بدليل الصلاة، ومَن لا إثم عليه فلا فدية عليه.
-
قلنا: نعم، إذا لم يغلب على ظنه الموتُ قبل القضاء لم يأثم، وإن غلب على ظنه الموتُ قبله أثِمَ، كما قلنا في الصلاة، لكن الفدية تجب بدون الإثم، كما تجب على الشيخ الكبير والمريض الميؤوس منه، لأنه بدَلٌ عن الصوم الواجب.
-
وإنما كان البدل هو الإطعام، لما ذكرنا من الآية والحديث وإجماع الصحابة.
-
فإن هؤلاء الذين قالوا: يُطعَم عنه، هم (٢) الذين رووا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الوليَّ يصومُ عنه وليُّه» (٣) ، وبيّنوا إنما هو النذر كما سيأتي.
- vol. 4, p. 293
ولأن الصومَ المفروضَ قد جعل الله له بدلًا في الحياة، وهو الإطعام فوجب أن يكون بدله (١) بعد الموت مثل بدله في الحياة، كسائر الفرائض.
-
فإنّ معنى البدل لا يختلف بالحياة والموت، ولهذا لمَّا كان البدل في الحجّ عن المعضوب أن يحجّ عنه غيرُه، كان البدل في الميّت أن يحجّ عنه غيرُه.
-
ولأن إيجاب الله إنما هو ابتلاءٌ وامتحانٌ للمكلَّف، وهو المخاطَب بهذا الفرض، وكلّ ما كان أقرب إليه، كان أحقّ بأداء الفرض منه مما هو أبعد منه.
-
فإذا كان قادرًا ببدنه لم يجُز أداؤه بماله، وإذا كان قادرًا بماله لم يجُز أداؤه ببدن غيره؛ لأن ماله أحقّ بأداء الفرض منه مِن بدن غيره.
فلو جاز أن يصوم عنه الولي، لكان قد أدى الفرضَ ببدن غيره دون ماله ... (٢)
-
ولأن الله قد أوجبَ عليه الصوم، والوليّ لا يوجب (٣) عليه شيئًا يَكِلُه إلى غيره، وإذا أوجبنا مِن ماله كان دَينًا في التَّرِكة.
فعلى هذا إن كان له تَرِكَة أُطعِم عنه من تركته، فإن أَطعَمَ رجلٌ عنه من غير ماله بإذن الولي أو بغير إذنه، أو لم يكن له مال، فتبرّع رجل بالإطعام عنه ... (٤)
- vol. 4, p. 294
فإن لم يكن له تَرِكة، فأحبَّ أحدٌ أن يصوم عنه، فقال القاضي: لا يجزئ الصوم عنه (١) ، ويحتمل كلام أحمد أنه يجزئ لأنه سمَّاه دَينًا.
-
فصل (٢)
-
فإن فرَّط حتى أدركه رمضانُ (٣) الثاني قبل أن يصوم، ومات في أثناء ذلك الرمضان أو بعده قبل أن يصوم؛ فقال القاضي في «المجرَّد» وأصحابُه كابن عقيل وأبي الخطاب (٤) : يُطعَم عنه لكلّ يوم مسكينان (٥) ؛ لأنه قد وجب عليه القضاء والكفّارة لو عاش؛ فإذا مات قبل القضاء لزمه عنه كفارتان: كفّارة لتأخير القضاء، وكفّارة لتفويته.
-
ولا فرق على هذا بين أن يفوتَ وقتُ القضاء برمضان واحد أو رمضانات.
-
والمنصوص عن أحمد: أنه ليس عليه إلا كفّارة واحدة؛ لأنه لا يجب في اليوم الواحد بدلان من جنس واحد، كما لم يجب في شيء من الأيام صوم يومين، ولأنه إذا أدرك رمضان الثاني، فإنما وجبت عليه الكفّارة لترك القضاء في وقته، وهذا بعينه هو المقتضي لوجوب الكفّارة بالموت، وإذا كان السببان من جنس واحد تداخل موجَبُهما.
- vol. 4, p. 295
المسألة الثالثة (١) : أن الصومَ المنذورَ إذا مات قبل فعله، فإنه يُصام عنه، بخلاف صوم رمضان وصوم الكفّارة، وسواء كان معيّنًا أو مطلقًا.
-
هذا منصوص أحمد في غير موضع (٢) ، وهو قول عامّة أصحابه.
وقال ابن عقيل: عندي أن الصوم لا يُفعَل عنه؛ لأنه لا تدخله النيابة في الحياة للعجز، فكذلك بعد الموت، كالصلاة، وعكسه الحج.
-
لما روى سعيدُ بن جُبير، عن ابن عباس: أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصومُ عنها؟ فقال: «أرأيتِ لو كان على أمّك دَين فقضيتِه أكان يؤدّي ذلك عنها؟» قالت: نعم. قال: «فصومي عن أمّك» . رواه الجماعة إلا أبا داود (٣) .
-
وفي رواية صحيحة لأحمد والنسائي (٤) : أن امرأةً ركبت البحرَ، فنذرت إنِ اللهُ نجّاها أن تصومَ شهرًا (٥) ، فأَنْجاها الله، فلم تصم حتى ماتت، فجاءت قرابةٌ لها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك، فقال: «صومي عنها» .
-
وفي رواية ابن ماجه [ق ٦٠] والترمذي (٦) قال: جاءت امرأةٌ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إن أختي ماتت وعليها صوم شهرين متتابعين؟ قال: «أرأيتِ لو
vol. 4, p. 296كان على أُختك دَين أكنتِ تقضيه؟ » قالت: نعم. قال: «فحقّ الله أحقّ» . قال الترمذي: حديث حسن.
-
وفي رواية متفق عليها (١) : جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، إن (٢) أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ فقال: «لو كان على أمّك دَينٌ أكنتَ قاضيه عنها؟» قال: نعم. قال: «فدَين الله أحقّ أن يُقضى» .