مسألة: (ومن أخر القضاء لعذر حتى أدركه رمضان آخر، فليس عليه غيره، وإن فرط أطعم مع القضاء لكل يوم مسكينا)
95 paragraphs · vol. 4, p. 267
Page 2 of 3
- vol. 4, p. 276
ورواه الدارقطني (٣) عن عطاء، عن أبي هريرة وقال: إسناد صحيح موقوف.
- vol. 4, p. 277
ورواه (١) مرفوعًا من وجهٍ غير مرضي.
-
وقد ذكر يحيى بن أكثم أنه وجد في هذه المسألة الإطعام عن ستة من الصحابة لم يَعْلَم لهم منهم مخالفًا (٢) . ولأن قضاء الرمضان مؤقَّت بما بين الرمضانين لوجوه:
أحدها: ما رواه (٣) أحمد عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من أدرَكَ رمضانَ وعليه مِن رمضان شيء لم يقضه، لم يتقبَّل منه» (٤) .
-
لأن العبادات إما أن تجب مؤقتة أو على الفور؛ فإنها لا تكون على التراخي عندنا، كما نذكر إن شاء الله في الحج (٥) ، فلما لم يجب قضاء رمضان على الفور علم أنه مؤقت.
- vol. 4, p. 278
وبهذا يتبين أن قوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} لولا حديث عائشة لحُمِل على الفور، وحديثُ عائشة إنما أفاد جواز التأخير إلى شعبان. وما زاد على ذلك لا يُعْلَم جواز التأخير فيه، ومطلق الأ [مرِ] (١) يقتضيه.
-
وقد احتجّ أصحابُنا بأنّ عائشة ذكرَتْ أنها كانت تقضيه في شعبان، لبيان تضييق وقته في شعبان، وأنها كانت تؤخّره إلى آخر وقته، فعُلِم أن وقت القضاء كان محصورًا، وأنها إنما أخّرت القضاء شُغلًا برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وشعبانُ وغيرُه في الشغل سواء، فلولا تضيُّق الوقت لأخّرَتْه.
-
لكن يقال: إنما أخّرَتْه إلى شعبان لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصوم في شعبان، فتتمكّن من الصوم معه. وكذلك سياق الحديث يدلّ على ذلك.
-
الثاني: أن الصوم قد وُسِّع وقتُه على المسافر والمريض، فهو بالخِيَرة بين أن يصوم فيه أو فيما بعده، وضُيّق على الصحيح المقيم.
-
والعبادة الموسّعة يخرج وقتها بدخول وقت مثلها، بدليل الصلاة، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ليس في النوم تفريط، إنما التفريطُ في اليقظة: أن يؤخِّر الصلاةَ حتى يدخلَ وقتُ الأخرى» (٢) .
-
فإذا كان هذا في الصلاة فهو في الصوم أولى؛ لأن وقت الصلاة الثانية يتسع للصلاتين، ووقت الصوم الثاني لا يتسع لهما، ولأن الصوم قد استقرّ في ذمّته أعظم من استقرار الصلاة بأول الوقت.
- vol. 4, p. 279
الثالث: أنه إذا أخَّره إلى الرمضان الثاني عمدًا، فقد أخَّره إلى وقت لا يمكنه فعله فيه، ويجوز أن يدرك ما بعد رمضان، ويجوز أن لا يُدركه، فأشبه تأخير الحج من عام وجوبه إلى العام الذي يليه.
-
الرابع: أنه إذا أخّره إلى رمضان الثاني، فإنه يلزمه أن يبدأ بالحاضر قبل الفائت، والعباداتُ المؤقّتة من جنس واحد يجب أن يبدأ بأولها فأولها وجوبًا كالصلاتين (١) المجموعتين، والفائتتين، والجمرات إذا أخَّر رميَها [إلى] (٢) اليوم الثالث.
-
الخامس: أن الصحابة - رضي الله عنهم - سمَّوه مفرّطًا كما تقدّم، والتفريط إنما يكون فيمن أخَّرها عن وقتها.
-
وإذا ثبت أنه مؤقّت، فقد ترك الصومَ الواجبَ في وقته على وجهٍ لا يوجب القضاءَ، فأوجب الفديةَ، كالشيخ الكبير والعجوز الكبيرة (٣) إذا تركا الصوم.
-
ومعنى قولنا: «لا يوجب القضاء» : أنه لا يجب عليه صومُ يوم (٤) بترك الصوم بين الرمضانين، والصوم الواجب في ذمّته قد استقرّ بنفس الفطر في رمضان (٥) . وبهذا يظهر الفرقُ بينه وبين مَن أفطر في رمضان عمدًا (٦) ، فإن
vol. 4, p. 280نفس ذلك الترك [ق ٥٧] أوجبَ القضاءَ فلا يوجبُ غيرَه.
-
وفواتُ العين لا سبيل إلى جبرها أصلًا، وهنا الفطر في رمضان أوجبَ القضاءَ، والصومُ الواجبُ بين الرمضانين لابدّ له من بَدَل.
-
فإن قيل: فهلَّا أوجب صومَ يوم آخر؟
قيل: ... (١)
-
ولأنها عبادة لا تُفْعَل في العام إلا مرة. (٢) وأما إذا أخَّر القضاءَ لعذرٍ، فإنه لم يجب عليه قضاؤه بين الرمضانين لوجود العذر، والصومُ باقٍ في ذمّته، فلا يجب عليه أكثر منه (٣) .
-
فإن قيل: فقد روى سعيد، عن ميمون بن مِهْران، عن ابن عباس: أنه كان يقول فيمن مرض في رمضان فلم يزل مريضًا حتى جاء رمضانُ آخر، قال: «يطعم للأول ويصوم للثاني، فإن كان صحّ بينهما أو فرَّط في صيامه، صام هذا الذي أدرك، وأطعم للأول وصامه أيضًا» . رواه سعيد (٤) .
- vol. 4, p. 281
وعن أبي هريرة (١) وابن عباس (٢) نحوه.
-
ولأنه قد فُوّت للعجز عنه على وجهٍ لا يوجب عليه القضاء، فلم يكن عليه إلا الفدية، كالشيخ الكبير.
-
قيل: قد تقدم عن أحمد أنه ذكر عنهما خلاف ذلك، ولأن القضاء قد وجب في ذمته، وفوات وقته لا يقتضي سقوطه كفوات وقت الأداء.
-
فصل (٣)
فإن كان قد أمكنه قضاء بعض ما فاته دون بعض، لزمه الإطعام عن قدر (٤) ما أمكنه قضاؤه؛ لأنه هو الذي فرّط فيه، فلم يلزمه إلا فديته، كما لو أفطر في رمضان أيامًا، لم يلزمه إلا قضاؤها، والإطعام قبل القضاء ... (٥)
-
فإن أخَّره إلى رمضان ثالث، لم يلزمه أكثر من كفّارة (٦) مع الإثم (٧) ؛
- vol. 4, p. 282
لأنه قد لزمه كفّارة بتأخيره عن وقته، فلم يلزمه كفّارة أخرى بزيادة التأخير، كما لو أخَّر قضاء الحج من عام إلى عام.
-
ولأن وقت القضاءين رمضان الأول ورمضان الذي يليه، فإذا فات وقتُه لم يبقَ للقضاء وقتٌ محصور، فلا شيء بتأخيره.
-
فإن لم يفرّط حتى أدرَكَه (١) الرمضانُ الثاني، ثم قدر على القضاء ففرّط فيه حتى دخل الرمضانُ الثالث، فهنا ينبغي أن تلزمه الكفّارة.
-
فصل (٢)
-
ومَن عليه قضاء رمضان، لا يجوز أن يصوم تطوُّعًا.
وكذلك مَن عليه صومٌ واجب غير القضاء يجب أن يبدأ به قبل التطوع، فإن اجتمع عليه صوم (٣) كفّارة وقضاء أو نذر ... (٤)
-
وعلى هذا، فلا يكره قضاء رمضان في العشر، بل لا يجوز له أن يصوم فيه التطوُّع قبل القضاء، هذا إحدى الروايتين.
قال أحمد في رواية حنبل: يقضي رمضان في العشر. لأنه لا يجوز له أن يصوم تطوّعًا وعليه (٥) فرض، فيقضي رمضان كيف شاء إلا يوم الفطر
vol. 4, p. 283والأضحى.
-
وإذا نذر أن يصوم وعليه أيام من رمضان، يبدأ بالفرض قبل التطوع، وإذا كان عليه نذر، صامه بعد الفرض.
قال أحمد (١) : رواية ابن لهيعة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَن صام تطوّعًا وعليه من رمضان شيء لم يقضه، لم يُقبل منه» .
-
ورواه في «المسند» (٢) قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَن أدرك رمضانَ وعليه مِن رمضان شيء لم يقْضِه لم يُتقبّل منه، ومَن صام تطوّعًا وعليه مِن رمضان شيء لم يقضه لم يُتقبّل منه حتى يصومه» .
-
والفُتيا المذكورة فيما بعد عن أبي هريرة تؤيّد هذا المسند، واحتجاجُ أحمد به يدلّ على أنه مِن جيّد حديثِ ابن لهيعة.
-
ولأن في وصية أبي بكر لعمر - رضي الله عنهما -: «اعلم أنه لا تُقبَل النافلةُ حتى تؤدّى الفريضة» (٣) .
- vol. 4, p. 284
وروي ذلك مرفوعًا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - كما تقدم في الصلاة (١) .
-
لأنها عبادة يدخل في جبرانها المال، فلم يصح التطوُّع بها ممن عليه فرضها، كالحج.
-
ولأنه إنما جاز له تأخير القضاء رفقًا به و تخفيفًا عنه، فلم يَجُز له أن يشتغل عنه بغيره كالأداء، فإنه لو أراد المسافر أن يصوم في رمضان عن غيره، لم يجز له ذلك.
-
فعلى هذا، إذا اجتمع عليه نذرٌ مطلق وقضاء رمضان، بدأ بقضاء رمضان، نصّ عليه لأن وجوبَه آكد.
-
ولهذا يبدأ بقضاء الحَجَّة الفاسدة قبل النذر.
-
ونقل عنه أبو الحارث: إذا نذر صيامَ أيام، وعليه من صوم رمضان، بدأ بالنذر. وحَمَل ذلك القاضي وابنُ عقيل وغيرُهما على أن الأيام المنذورة معينة.