مسألة: (ومن أكل أو شرب، أو استعط، أو أوصل إلى جوفه شيئا من أي موضع كان، أو استقاء، أو استمنى، أو قبل أو لمس فأمنى أو أمذى، أو كرر النظر حتى أنزل، أو حجم أو احتجم، عامدا ذاكرا لصومه فسد، وإن فعله ناسيا أو مكرها لم يفسد)
244 paragraphs · vol. 4, p. 308
Page 1 of 7
- vol. 4, p. 308
في هذا الكلام فصول:
أحدها
أن الصوم يفسد بالجماع كما تقدم.
-
ويفسد بالأكل والشرب؛ فإن حقيقة الصوم هو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع وتوابع ذلك. وهذا من العلم العامّ المستفيض الذي توارثته الأمةُ خَلَفًا عن سَلَف (٤) .
-
والأصل فيه قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ
vol. 4, p. 309هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ... } إلى قوله تعالى: {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ... } الآية [البقرة: ١٨٧] .
-
فأَذِن في الرّفَث والأكل والشرب إلى تبيُّنِ الفجر، وأمرَ بإتمام الصيام عن هذه الأشياء إلى الليل.
وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «كلّ عَمَل ابن آدم له إلا الصيام (١) فإنه لي وأنا أجزي به، يدَعُ طعامَه وشَرابَه (٢) وشهوتَه من أجلي» (٣) .
وقال: «مَن لم يدَع قولَ الزورِ والعملَ به، فليسَ لله حاجّة في أن يدعَ طعامَه وشرابَه» متفق عليهما (٤) .
-
وسواءٌ في ذلك جميع المأكولات والمشروبات من الأغذية والأدوية وغيرها، مثل الثلْج والبَرَد.
-
وسواء في ذلك الطعام والشراب المعتادان، اللذان يحصل بهما الاقتيات، وغيرهما.
-
ولو استفَّ ترابًا أو ابتلع حصاةً، أفطر.
vol. 4, p. 310قال أحمد في رواية أبي الصقر: إذا بلع الصائمُ خاتمًا أو ذهبًا أو فضة أو جوزةً بقشرها أو خَرَزة أو حبةَ لؤلؤٍ أو طينًا، متعمِّدًا، فعليه القضاء ولا كفّارة، ولا قضاء عليه ما لم يتعمّد.
-
لأن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أمر باتِّقاء الكُحل الذي يدخل من العين إلى الحلق (١) ، وليس في الكُحل تغذية، فعُلِم أنه لا يُشترَط في الداخل أن يكون مما يغذِّي في العادة.
-
الفصل الثاني (٢)
-
أن الواصل إلى الجوف يُفَطِّر من أي موضع دخل، لا يختص ذلك بمدخل دون مدخل، كما لم يختص بداخل دون داخل في ذلك.
-
ولا بُدّ عند أصحابنا أن يصل إلى البطن أو ما بينه وبين البطن مجرًى نافذ. هذا كلام أحمد وعامة أصحابه، وهو الذي حرّره القاضي في كتبه المُعْتَمدة: أن المفَطِّر وصولُ الواصل إلى الجوف من أيّ موضع كان.
-
فإذا استعطَ بدُهن أو ماء أو غيرهما، بأن أدخله في أنفه، فوصل إلى دماغه أفطر، سواءٌ تيقّن وصولَه إلى حلقه وجوفه أو لم يتحققّه، بناءً على أن بين الدماغ والجوف مجرى، فما يصل إلى الدماغ لابدّ أن ينزل (٣) إلى الحلق ويصل إلى الجوف، والحكمةُ إذا خفيت أُقيمَتِ المظنّة مُقامها،
vol. 4, p. 311كالنوم مع الحدَث.
-
وذكر القاضي في بعض المواضع وغيره: أن نفس الوصول إلى الدماغ مفطّر، لأنه جوفٌ [ق ٦٣] يقع الاغتذاء بالواصل إليه، فأشبَه الجوفَ.
-
والصواب الأول، لأنه (١) لو لم يكن بين الدماغ والجوف منفذٌ لم يفطر بالواصل إليه وإن نبتَ اللحمَ واغتذى (٢) ، كما يُقَطَّر في الإحليل، وكالكُحل الذي تتغذَّى به العين، وليس له نفوذٌ إلى الحلق، كالمراهم التي توضع في أعماق الجراح ونحوها، فإن اللحم ينبت (٣) بها فلا تفطِّر، ولأن الغذاء الذي به قيام (٤) البِنية لابدّ أن يحصل في المعدة.
قال في رواية أبي الصقر: إذا استعط، أو وضع على أسنانه دواء، فدخل حلقَه، فعليه القضاء.
-
وكذلك أطلق كثيرٌ من أصحابنا الاستعاط، وقال: إذا استعط بدُهن أو غيره، ووصل إلى دماغه أفطر وعليه القضاء (٥) ؛ لأن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال للقيط بن صَبِرة: «وبالِغْ في الاستنشاقِ إلّا أن تكون صائمًا» (٦) .
-
فلو لم يكن ما يدخل في الأنف مفطِّرًا كما يفطِّر ما يدخل في الفم، لم
vol. 4, p. 312يَنْهَه عن المبالغة في الاستنشاق إذا كان صائمًا.
-
ولأن العين يُفْطِر بالداخل منها، فلَأَن (١) يُفْطِر بالداخل من الأنف أولى. ولأنّ ما يدخل مِن الأنف يحصل به للبدن اغتذاءٌ ونموّ وإن قلَّ، كما يحصل بالقليل من الطعام والشراب.
-
فأما شمّ الأرواح الطيبة من البخور وغيره، فلا بأس به للصائم (٢) .
قال أبو علي ابن البنّاء: ويُكره أن يشمّ ما لا يأمَن أن يجتَذِبه نفَسُه، كالمِسك والكافور السحيق ونحوه.
-
ومن ذلك الأذن، فإذا قَطَر في أذنه دُهنًا أو غيره، فوصل دماغَه أفطر.
قال في رواية حنبل: الصائم إن لم يخف أن يدخل مسامعَه وحلقَه الماءُ، فلا بأس أن ينغمس فيه.
-
ذكره أصحابُنا، وهو قياس قول أحمد: فإنه يفطر بما يدخل من العين، فمن الأُذن أولى.
-
وعن سعيد بن المسيب، عن علي بن أبي طالب قال: «لا بأس أن يكتحل الصائمُ، ولكن لا يستعِط، ولا يُصَيِّر (٣) في أذنه شيئًا». رواه حرب (٤) .
- vol. 4, p. 313
لأنه واصل إلى الدماغ فيفطّر (١) ، كما لو وصل من الأنف والعين وأولى.
-
فعلى هذا لا يُكرَه أن يغتسل ويغوص [في] (٢) الماء ويغيب فيه. قاله القاضي وغيره (٣) . وكلامُ أحمد مقيّد بما إذا لم يخف أن يدخلَ الماءُ مَسامعَه، وهو الصواب.
-
ومن ذلك العين، فإذا اكتحل بما يصل إلى حلقه، إما لرطوبته كالإشياف (٤) ، أو لحِدَّته كالذَّرُور (٥) والطيب، أفطر.
-
وإن شكّ في وصوله، فالأصل صحة الصوم، لكن لا يكتحل بما يَخشى دخولَه.
وقال القاضي وابن عقيل: يُكره الكُحل مطلقًا.
قال في رواية حنبل في الكحل للصائم: إن كان فيه طيب يدخل حلقَه، فلا. ولا يكتحل نهارًا؛ لأنه ربما وصل إلى حلقه، والطيب كذلك. والذَّرور يدخل إلى حلقه، فإن خشي على عينه تعالَجَ، ويقضي إذا لم يجد بُدًّا. وهذا عندنا على الجَهْد، ولا يُعين على نفسه.
vol. 4, p. 314وقال في رواية الأثرم: الصائم لا يكتحل بالصَّبِرَ وما أشبهه، هذا يوجد طعمه، فأما الإثمد فما خفّ منه وجعله (١) عند الإفطار فهو أسهل.
وقال في رواية أبي الصقر: إذا عَلِم أنه قد دخل فعليه القضاء، وإلا فلا شيء عليه.
-
فقد بيَّن أن القضاء لا يجب إلا مع تيقُّن الدخول، وأمر باجتناب ما يُخشى دخوله، وذلك لما روى عبد الرحمن بن النعمان بن معبد بن هوذة، عن أبيه، عن جدّه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه أمر بالإثمد المروَّح عند النوم، وقال: «لِيَتّقِهِ الصائمُ» رواه أبو داود (٢) وقال: قال لي يحيى بن معين: هو حديث منكر.
-
وعبد الرحمن، قيل: هو ضعيف، وقال الرازي: هو صدوق (٣) .
-
وقد رُوي ما يصحّح هذا الحديث؛ فروى إسحاق بن راهويه، عن أبي نُعيم، عن عبد الرحمن بن النعمان أبي (٤) النعمان الأنصاري، عن أبيه، عن
vol. 4, p. 315جده ــ قال: وكان جدّي قد أُتِيَ به رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فمسحَ رأسَه ــ قال: «لا تكتحل نهارًا وأنتَ صائم واكتَحِل ليلًا» (١) قال أبو النعمان: جدّي يقول: لا تكتحل نهارًا.
قال إسحاق: الأمرُ فيه على ما قال جدُّ أبي (٢) النعمان ــ وكانت له صحبة ــ: «لا تكتحل نهارًا وأنت صائم» ، وهذا أصح شيء في هذا (٣) الباب، وذلك أن معناه حسن.
-
ورواه البخاري (٤) عن عبد الرحمن بن النعمان الأنصاري، عن أبيه، عن جده، قال: وكان جدي قد أُتي به النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فمسح رأسَه، وقال: «لا تكتحل بالنهار وأنت صائم، واكتحل ليلًا بالإثمد، فإنه (٥) يجلو البصرَ ويُنْبِت الشعرَ». فروايته عنه موقوفًا ومرفوعًا تدلّ على أن له أصلًا.
-
وأيضًا، فإن الكُحل الحادّ يصل إلى الجوف، ويظهر الكُحل بعينه إذا تنخّعَه الإنسانُ على اللسان، فعُلِم أن في العين منفذًا يصل منه، وإذا كان فيها منفذ (٦) وصل بالداخل منه كسائر المنافذ.
- vol. 4, p. 316
وأيضًا، فإن الدمعَ يخرج من العين، والدمعُ محلّه الدماغ، فعُلِم أن في العين منافذ ينزل منها الدمع.
-
فإن قيل: دخول الكحل وخروج الدمع من المسامّ التي في العين، والمسامُّ ليست كالمنافذ التي يحصل الفِطر بالداخل منها، بدليل أنه لو اغتسل بالماء أو (١) دَهَن رأسَه أو طيّب بدنَه، فإنه يجد في حلقه برودةَ الماء وطعم الدّهن ولا يُفْطِر، والعَرَق يخرج من هذه المسامّ كما يخرج الدمعُ من العين.
-
قيل: الداخل من العين جسم الكُحل، وهو الذي يوجد عند التَّنخُّع، فأما الذي يجده من الدُّهن والماء، فإنما هو بردُه وطعمُه، وذلك العرَض الذي فيه لا جسمُه. [ق ٦٤] والعرقُ يخرج مِن ظاهر الجَسَد لا من باطنه، فصار كما لو كان بدنه مجروحًا، فداواه بدواءٍ، فإن المفطِّر لابدّ أن يدخل إلى داخل البدن، والكحل بهذه المثابة بخلاف الدُّهن والماء ونحوهما.
-
فإن قيل: فقد روى أبو عاتكة، عن أنس بن مالك قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: اشتكت عيني، أفأكتحل وأنا صائم؟ قال: «نعم» . رواه الترمذي (٢) وقال: «إسناده ليس بالقوي، ولا يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الباب شيء، وأبو عاتكة ضعيف» .
- vol. 4, p. 317
وعن بقية بن الوليد قال: ثنا الزبيدي (١) ، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: «اكتحل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو صائم» رواه ابن ماجه (٢) .
-
وقد تقدم عن علي أنه قال: «لا بأس أن يكتحل الصائم» .
-
وعن عُبيد الله (٣) بن أبي بكر قال: «كان أنس بن مالك يكتحل وهو صائم» رواه أبو داود وغيره (٤) .
-
قيل: أما المرفوع فضعيف، وحديث عائشة وأنس قضيَّةٌ في عين.
-
والظاهر أن الكحل كان مما لا يدخل إلى الحلق؛ لأنه فسر في الحديث الذي تقدم أنه أمره بالإثمد المروّح، والمروَّح: الذي فيه طيب تبدو رائحته، ففرَّق بين المروّح وغيره.
vol. 4, p. 318قال ابن أبي موسى (١) : وإن اكتحل باليسير من الإثمد غير المطيّب كالميل ونحوه، لم يفطر.
-
وقد رُوي عن أبي (٢) رافع مولى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيبر ونزلتُ معه، فدعا بكُحل إثمدٍ غير ممسّك، واكتحلتُ معه في رمضان» (٣) .