مسألة: (ومن أكل أو شرب، أو استعط، أو أوصل إلى جوفه شيئا من أي موضع كان، أو استقاء، أو استمنى، أو قبل أو لمس فأمنى أو أمذى، أو كرر النظر حتى أنزل، أو حجم أو احتجم، عامدا ذاكرا لصومه فسد، وإن فعله ناسيا أو مكرها لم يفسد)
244 paragraphs · vol. 4, p. 308
Page 2 of 7
- vol. 4, p. 318
ومِن ذلك الدّبر، فلو احتقن أو أدْخَل دُهنًا أو غيره إلى مقعدته، أفطر.
-
فأما إن قَطَرَ في إحليله، فقال أصحابُنا: لا يفطر.
-
قال أحمد في رواية أحمد بن الحسين (٤) في الرجل يصبّ في إحليله الدّهن بالدواء: أرجو أن لا يكون عليه شيء ما لم يصل إلى البطن.
-
والإشياف (٥) في المِقعدة يصل إلى البطن، وهذا خلاف ذاك. فعلى هذا
vol. 4, p. 319يُكرَه له أن يكتحل، قاله (١) القاضي؛ لأنه يخاف منه الفطر.
-
والصحيح أنه إذا غلب على (٢) ظنَّه أنه لا يصل إلى حلقه لم يُكره. فقد فرّق بين القُبُل والدُّبُر بأن ما يدخل الدّبُرِ يصل إلى البطن، بخلاف ما يدخل من (٣) الإحليل (٤) .
قال أصحابنا: الفطر إنما هو بما يصل إلى البطن أو إلى ما بينه وبين البطن (٥) طريق؛ لأن الصوم هو الإمساك عن الأكل والشرب ونحوهما مما يصل إلى المعدة، والواصل من الأنف و (٦) العين والأذن يصل إلى الدماغ، وبين الدماغ (٧) والبطن مجرى يصل منه إلى البطن، وليس بين المثانة مجرى إلى الجوف، وما يحصل (٨) منها من البول، فإنما يحصل بالرشح كالعَرَق يخرج من البدن، فإذا لم يصل منها إلى الجوف لم يفطّر، كمن أخذ في فمه ماءً لم يفطِّره، فإن علم (٩) أنه رشَحَ منه شيء إلى البطن، فهل يكون
vol. 4, p. 320كالعين؟ ... (١)
-
فإن أدخل في دبره عودًا أو بقي طرفه خارجًا، أو ابتلع خيطًا طرفه بيده، ثم أخرجه، فقال أصحابنا: يفطر.
وظاهر كلامه في العود يدخلُ البطن ... (٢)
قال ابن أبي موسى (٣) : ومن داوى جُرحَه بيابس أو رطب، فوصل إلى جوفه، أفطر (٤) .
-
ومن ذلك أن يداوي المأمومةَ أو الجائفةَ بدواء يصل إلى الجوف لرطوبته، فأما الدواء (٥) اليابس فهو لا يصل إلى الجوف (٦) في العادة، فإن وصل إليه فهو والرُّطَب سواء؛ لأنه لا فرق بين الواصل من المخارق (٧) المعتادة وغير المعتادة.
- vol. 4, p. 321
فإن جَرَح نفسَه أو جرحَه غيرُه باختياره فوصل إلى جوفه أفطر، سواء استقرّ النصلُ في جوفه أو لم يستقر؛ لأنه ذاكِرٌ لصومه، وصل إلى جوفه باختياره ما أمكنه الاحتراز منه.
-
وإن جُرح بغير اختياره فوصل إلى جوفه، لم يفطر. هذا قولُ أصحابنا القاضي وغيرِه.
-
فصل
فإن تجوَّف جوفٌ في فخذه أو يده أو ظهره أو غير ذلك، وليس بينه وبين البطن منفذ، فوضع فيه شيء، لم يفطّره، كما لو وضعه في فمه وأنفه.
-
الفصل الثالث (١)
-
إذا استقاء، وهو أن يستدعي القيءَ، فإنه يُفطِر. فأما إن ذرَعَه القيء، فلا قضاء عليه. والأصل فيه ما روى عيسى بن يونس، عن هشام بن حسَّان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَن ذَرَعه القيءُ وهو صائمٌ فليسَ عليه قضاء، ومَن استقاء عمدًا فَلْيَقضِ» رواه الخمسة (٢) ،
vol. 4, p. 322لكن لم يذكر أبو داود وابن ماجه: «عمدًا» .
قال الدارقطني: رواته كلّهم ثقات، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب (١) ، لا نعرفه من حديث هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا من حديث عيسى بن يونس (٢) ، وقال محمد: لا أراه محفوظًا.
قلت: وقد رواه ابن ماجه (٣) ، عن أبي زُرعة، عن علي بن الحسن بن سليمان أبي الشعثاء، عن حفص بن غياث، عن هشام، مثل رواية عيسى بن يونس.
-
ورواه النسائي (٤) موقوفًا على أبي هريرة من حديث الأوزاعي، عن عطاء، عنه.
-
وعن أبي الدرداء حدثه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاءَ فأفطر. فلقيت ثوبان مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مسجد دمشق، فقلت: إنّ أبا الدرداء حدّثَني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاء فأفطر. قال: صدق، وأنا صببتُ له وَضُوءَه. رواه الخمسة إلا ابن ماجه (٥) .
-
وفي رواية (٦) : «استقاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأفطر، فأتي بماء فتوضأ» .
- vol. 4, p. 323
وعن ابن عمر قال: «إذا استقاء الصائم، فعليه [ق ٦٥] القضاء، وإذا ذَرَعه القيءُ فلا قضاء عليه» (١) .
-
وعن زيد بن أرقم قال: «ليس يفطر من ذَرَعه القيءُ وهو صائم» . رواه سعيد (٢) .
وقال ابن المنذر (٣) : أجمع أهل العلم على إبطال صوم من استقاء عمدًا.
-
فإن قيل: فقد روى البخاري (٤) عن أبي هريرة قال: «إذا قاء فلا يفطر، إنما يخرج ولا يولج» قال: ويُذكَر (٥) عن أبي هريرة أنه يُفْطِر، والأول أصح.
قال (٦) : وقال ابن عباس وعكرمة: «الفِطْر مما دخل وليس مما خرج» .
- vol. 4, p. 324
وعن إبراهيم قال: قال [ابن مسعود] (١) : «إنما الصيام مما دخل وليس مما خرج، وإنما الوضوء مما خرج وليس مما دخل (٢) ». رواه سعيد (٣) .
-
وقد روى عبد الرحمن (٤) بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاثٌ لا يفطِّرن الصائم: الحجامة، والقيء، والاحتلام» رواه الترمذي (٥) وقال: «هو غير محفوظ، وقد روى عبد الله بن زيد بن أسلم وعبد العزيز بن محمد وغيرُ واحد هذا الحديثَ عن زيد بن أسلم مرسلًا، ولم يذكر (٦) فيه (عن أبي سعيد) ».
-
وقد رواه الدارقطني (٧) من حديث هشام بن سعد، عن زيد متصلًا.
vol. 4, p. 325لكن ... (١) ضعف عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ويقول: روى هذا الحديث عن أبيه، عن عطاء، عن أبي سعيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاث لا يفطِّرن الصائمَ: القيء، والحجامة، والاحتلام» .
وقال العُمَري: عن نافع، عن ابن عمر: «إذا ذرَعَه القيءُ فلا قضاء عليه، وإن استقاء فعليه القضاء» (٢) .
-
ورواه أبو داود (٣) من حديث سفيان، عن زيد بن أسلم، عن بعض أصحابه، عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يُفطِر مَن قاءَ ولا مَن احتجَم ولا مَن احتلم» .
-
قيل: أما الحديث المرفوع، فضعيف، ثم قِرانه بالاحتلام قد يحتمل أنه أراد مَن ذَرَعه القيء، فإنه لو استمنى أفطر، فيُحْمَل (٤) هذا على مَن ذرَعَه القيء.
-
ثم لو لم يكن في الباب حديثٌ مرفوع، وتعارضت أقوالُ الصحابة، لكان قولُ مَن فطَّره أولى بالاتباع؛ لأن التفطير بالاستقاء لا يُدْرَك بالقياس
vol. 4, p. 326على الأكل والشرب.
-
فمن نفى الفِطْر به، بناه على ما ظهر من أن الفِطْر إنما هو مما دخل، ومَن أوجبَ الفطرَ به، فقد اطلع على مزيدِ علمٍ وسنّةٍ خفيَتْ على غيره.
-
والاستقاء: أن يستدعيَ القيءَ بيده أو بجَذْب نفَسِه.
-
فأما إن نظر (١) إلى شيء يُغَثّيه أو تفكَّر في شيء يغثّيه (٢) حتى قاء؛ فقال ابن عقيل: يفطر إذا قصَدَ ذلك، كما اختار أنه يفسد صومه إذا نظر أو تفكّر فأنزل.
-
وذَكَر عمن خالفه مِن أصحابنا: أنه إذا نظر فقاء أو تفكّر فَقَاء، لم يفطر.
-
والقيءُ المفطِّر: هو الطعام ونحوه الذي يخرج من الجوف، فأما ما ينزل من الرأس، فلا بأس به.
-
فأما النُّخاعَة (٣) التي تخرج من الجوف،
فقال في رواية المرُّوذي: ليس عليك قضاء إذا ابتلعْتَ النُّخاعة وأنت صائم، إلا أنه لا يعجبني أن يفعل.
-
والنُّخاعة إذا كانت من الصدر ليس فيها طعام، فلا بأس.
- vol. 4, p. 327
وإن استقاء حتى يخرج الطعام فعليه القضاء.
وقال في رواية حنبل: إذا تنخَّم الصائمُ، ثم ازدرده، فقد أفطر.
-
فإن بلَعَ ريقَه لم يفطر؛ لأن النخامةَ تنزل من الرأس، والريقَ من الفم، فبينهما فرق. ولو أن رجلًا تنخّعَ من جوفه، ثم ازدرده فقد أفطر؛ لأنه شيء قد بان منه، وكان بمنزلة مَن أكل شيئًا.
-
ولا ينبغي أن يتنخّم ويقلع من جوفه بلغمًا أو غيره، إلا أن يغلبه أمر فيقذفه ولا يزدرده، فقد نصَّ في استخراج النّخامة من الصدر عمدًا على روايتين.
قال القاضي: وتحقيق المذهب في قدر القيء الذي يحصل به الفطر مبنيٌّ على قدر ما يحصل به نقض الطُّهر، وفيه ثلاث روايات:
إحداها: ما كان ملء الفم.
-
والثانية: ما كان نصفه.
-
والثالثة: قليله وكثيره سواء في الفساد.
-
والرواية الأولى، قال في رواية (١) حنبل: إذا استقاء عمدًا أفطر. قيل له: ما القَلْس؟ قال: إذا كان فاحشًا، قيل له: ما الفاحش؟ قال: ما كان كثيرًا في الفم (٢) .
-
ونَصَر القاضي إذا كان فاحشًا على ظاهر رواية حنبل، وتعليله يقتضي أن
vol. 4, p. 328يخرج إلى فمه مقدارٌ (١) لا يمكنه أن يمسكه حتى يمجّه، بخلاف ما دونه.
-
والإفطار بملء الفم اختيار الشريف.
-
الفصل الرابع (٢)