مسألة: (ومن أكل أو شرب، أو استعط، أو أوصل إلى جوفه شيئا من أي موضع كان، أو استقاء، أو استمنى، أو قبل أو لمس فأمنى أو أمذى، أو كرر النظر حتى أنزل، أو حجم أو احتجم، عامدا ذاكرا لصومه فسد، وإن فعله ناسيا أو مكرها لم يفسد)

244 paragraphs · vol. 4, p. 308

Page 5 of 7

  1. ولولا علمه بأن احتجام الصائم غير جائز لَمَا فعل ذلك.

    vol. 4, p. 351
  2. الثاني: لو كان هو المتقدِّم للزم تغيير الحكم مرتين؛ لأن الحجامة كانت غير محظورة، ثم نَهَى عنها، فإذا أَذِن فيها بعد ذلك، فقد غيّر الحكمَ مرتين (١) ، بخلاف ما إذا كان الإذن قبل النهي.

    vol. 4, p. 352
  3. الثالث: أن الصحابة - رضي الله عنهم - علموا أن النهيَ آخرُ الأمرين، كما تقدّم عن ابن عمر وغيره، ولهذا رجعوا عن القول بالاحتجام إلى تركه، وأبو موسى وابن عباس كانا يكرهان الحجامة للصائم، وهما ممن رويا حجامة النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو محرم، بل عليهما مدار الحديث (٢) .

  4. الوجه الثاني: أن هذا الحديث لا يخالف قولَه: «أفطرَ الحاجمُ والمحجوم» ؛ لأن فيه أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - احتجم وهو محرم، وفي لفظ للبخاري (٣) : «مِن وجعٍ به» والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لم يكن محرمًا في رمضان قط؛ لأن إحرامه بعُمَرِه الثلاثة وبحِجّة الوداع في ذي القعدة، فيكون هذا الصوم (٤) تطوُّعًا. ثم كان مريضًا، والمريض يجوز له الفطر، ثم كان مسافرًا، لأنه لم يكن محرمًا مقيمًا قط.

  5. فإذا كان الفطر جائزًا له من (٥) هذه الوجوه الثلاثة، فيكون قد احتجم وإن أفطر بالحجامة، فإنه ليس في الحديث لا عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أصحابه

    vol. 4, p. 353أنه بقي على صومه، بل قد (١) أفطر في رمضان لمَّا أصابَ أصحابَه الجَهْد، فَلَأن يفطر في مرضٍ أصابه بطريق الأولى، لما روي: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاء فأفطر (٢) .

  6. وقد قيل: يجوز أن يكون ركَّب المحاجمَ نهارًا واحتجمَ ليلًا؛ كما (٣) روى أبو بكر (٤) ، عن جابر (٥) : «أنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بعث إلى أبي طَيبة أن يأتيه ليحجمه عند فطر الصائم، وأمره أن [يضع المحاجم مع إفطار الصائم، فحجمه] » (٦) .

  7. وأما حديث أبي سعيد، فقال ابن خزيمة (١) : «قوله: «والحجامة للصائم» إنما هو من قول أبي سعيد لا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أُدْرِج في الخبر».

    وقال عن الآخر (٢) : «الصحيح في هذا الخبر أنه منقطع غير متصل، والذي وصَلَه عبدُ الرحمن بن زيد بن أسلم، وعبد الرحمن ليس ممن يحتجُّ أهلُ الحديث بحديثه؛ لسوء حفظه للأسانيد، لأنه رجل صَنْعته (٣) العبادة والتقشّف والموعظة، وليس من أحلاس الحديث الذي يحفظ الإسناد».

    وقال (٤) أبو بكر: سمعت محمد بن يحيى يقول: هذا الحديث غير محفوظ عن أبي سعيد، ولا عن عطاء بن يسار، والمحفوظ عندنا حديث سفيان ومعمر.

    vol. 4, p. 354
  8. يعني: أنهما روياه عن زيد بن أسلم، [عن صاحبٍ له] (٥) ، عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -.

  9. ثم إن صحّ هذا (٦) الحديثُ فهو منسوخ بحديث: «أفطرَ الحاجمُ والمحجومُ» ، ويدلّ على ذلك أن فيه القيء والاحتلام، ومعلوم أنه لو استقاء أو استمنى أفطر؛ فكذلك إذا احتجم، أو أنه محمول على ما إذا احتجم ساهيًا

    vol. 4, p. 355أو حُجم (١) بغير اختياره، فإنه قَرَنه بالقيء والاحتلام، وهما يخرجان من المرء بغير اختياره (٢) ، فكذلك ما ذُكِر معهما ينبغي أن يكون كذلك.

  10. وأما حديث أنس (٣) أن الرخصةَ بعد النهي، فضعيف؛ فإنّ في الذي جوَّده الدارقطنيُّ خالدَ بن مخلد، قال أحمد: له أحاديث مناكير، ولعل هذا مِن أنْكَرِها؛ لأن (٤) أنسًا ذكر أنهم كانوا يكرهون ذلك لأجل الجَهد كما رواه البخاري (٥) ، وهذه الكراهة باقية.

  11. ولأن أحمد روى بإسناده (٦) عن هشام، عن (٧) محمد، قال: «كان أنس إذا شقّ عليه الدمُ في الصوم، أرسل إلى الحجّام عند غروب الشمس، فوضع المحاجم، فإذا غربت شرَط» .

  12. ولو كان عنده إذْنٌ من النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحجامة (٨) لم يفعل مثل هذا. ومخالفةُ البصريين له مع أنهم أصحاب أنس (٩) .

    vol. 4, p. 356وأن الكراهة بعد موت جعفر ... (١) .

  13. ثم مِن أصحابنا مَن سلك فيها مسلكَ التعبُّد الصّرْف، ورأى خروجَها عن مسالك القياس، وجعَلَها موضعَ استحسان، فقدّم (٢) فيه النصَّ على القياس. هذه طريقة ابن عقيل.

  14. ومنهم مَن سلك فيها ضربًا من التعليل؛ فقال القاضي: استدعاء شيء من بدنه نُهي عنه نهيًا يختصّ الصومَ (٣) فأفسدَ الصومَ، كاستدعاء القيء. وهو أن الاحتجام (٤) استخراجُ ما به قِوام البدن، فجاز أن يُفْطِر به كاستخراج القيء والمنيّ والمذي ودم الحيض.

  15. وهذا لأن الصائم لما مُنع من الأكل والشرب ليحصّل حكمةَ الصوم التي هي التقوى، كما قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: ١٨٣] ، وللنفس على الإنسان حقّ لا بُدّ من رعايته= راعَى الشرعُ جانبَ حقّ النفس وحفظ القوة، حسمًا لمادة الغلوّ في الدين والمروق منه، وتحصيلًا لمصلحة الاغتذاء التي لا بُدّ منها أيضًا؛ فنهى - صلى الله عليه وسلم - عن الوصال (٥) ، وأمر بتعجيل الفطر (٦) ، وتأخير السّحور،

    vol. 4, p. 357وجعل أفضل الصيام صيام يوم وفطر يوم (١) ، وقال: «لكنِّي أصومُ وأفطر وأقومُ وأنام، فمن رغبَ عن سنّتي فليسَ مِنّي» (٢) ، وقال: «مَن صام الدهرَ فلا صام ولا أفطر» (٣) .

  16. ومنع جماعةً من أصحابه من تكثير الصيام، منهم: عبد الله بن عمرو (٤) ، والنَّمِر بن تَوْلَب (٥) ، والباهلي (٦) .

  17. وعابَ على مَن قال: أمّا أنا فأصومُ لا أفطر (٧) .

  18. كلُّ ذلك تعديلًا وأخذًا بخيار الأمور التي هي [ق ٧٠] أوساطها.

  19. فإذا كان هذا مصلحة جليلة قد شهد لها (٨) الشرعُ بالاعتبار، وكان

    vol. 4, p. 358الصائم إذا خرج منه القيء (١) خلا من الغذاء الذي هو مادّته، فإذا اسْتُخْرِج منه الدمُ الذي به قِوام بدنه، وإليه استحال الغذاء، ضَعُف بذلك، وإذا خرج منه المنيّ الذي هو صفاوة الدم ضعُف أيضًا، وكذلك إذا خرج دمُ الحيض= منعه الشارع من استخراج هذه الأشياء كما (٢) منعه من استدخال ما يكون خَلَفًا منها وبدلًا عنها، وصار المقصود الأصلي من الصوم هو الكفّ عن الإدخال، والكفّ عن الإخراج تابِعٌ له ومطلوب في ضمنه.

  20. فأما ما غُلِب عنه المرء من هذه الأشياء، مثل أن يذْرَعَه القيءُ، أو يَرعُف، أو يُجرح جرحًا بغير اختياره، أو يحتلم، ونحو ذلك= لم يفطر به؛ لأنه بمنزلة ما يدخل جوفَه من الغبار والدقيق ونحو ذلك، ولأن امتناعه من هذه الأشياء لا يدخل تحت قدرته.

  21. وأما دم الحيض: فلما كان له أوقات معلومة يمكن الاحتراز عن الصوم فيها لا تتكرّر دائمًا، صار الامتناعُ مِن الصوم معه مِن (٣) جملة ما يقدر عليه الإنسان.

  22. ولهذا إذا صار دمَ استحاضة، وهو الخارج عن الأمر المعتاد لم يمنع صحةَ الصوم. وخرج عن (٤) هذا استخراج البول والغائط ونحوهما من وجهين:

    vol. 4, p. 359أحدهما: أن ذلك فَضْلة محضة، فليس هو من قيام (١) البدن الذي يُخاف أن يورث ضعفًا.

  23. الثاني (٢) : أن خروجه أمرٌ طبيعيّ لا يمكن الاحتراز منه، وما كان من هذا الباب لا يُفطّر، كذَرْع القيء والاحتلام وأولى.

  24. وهذا معنًى حسن، وقد نبَّه عليه بعضُ الآثار المتقدِّمة، لكن لا يتمّ هذا إلا بذكر فرع المسألة.

  25. فصل (٣)

  26. ويفطِر بالحجامة في جميع البدن. نصّ عليه. مثل أن يحتجم في يده أو ساقه أو عَضِده أو رأسه أو قفاه.

  27. وإن شرَط بالمِشْرط ولم يخرج دمٌ (٤) أفطر على ما ذكره ابن عقيل، فإنه قال: الحجامة نفس الشّرْط، يتعلق الإفطار على الاسم، فعلى هذا الإفطارُ (٥) يسبقُ الدمَ.

    وإن ركّبَ المحاجمَ ... (٦) ، كما لو بلَّ المحرمُ رأسَه قبل التحلُّل ثم

    vol. 4, p. 360حلَقَه (١) بعده.

  28. وعلى ما ذكره القاضي: لا يفطِّر. وهو أصح؛ لأن الحجامة هي الامتصاص أيضًا. يقال: «ما حجَمَ الصبيُّ ثديَ أمّه» ، أي: ما مصّه. والحِجَام: ما يُجعل في خَطْم البعير لئلا يعَضّ، يقال: حجمتُ البعيرَ (٢) أحجمه: إذا جعلت على فِيهِ حِجامًا. فالقارورة تحجم الدمَ عن أن يسيل (٣) .

    وأيضًا فإن الشرط أخص ... (٤) فإن شرَطَ وأخرج الدمَ من غير مِحْجمة يُمتصّ بها، مثل الشّرْط في الأذن؛ فقياس المذهب الفِطْر بها؛ لأن وضع المِحْجمة على العضو لا أثر له في الفطر (٥) .

  29. ولهذا يجوز أن توضع المحاجمُ على العضو ويُليَّن قبل غروب الشمس، ثم يقع الشرط بعد غروبها. قال أصحابنا: لأن التليين وتركيب المحاجم مقدّمات.

  30. وأما الفِصاد (٦) ، وجرح العضو باختياره، وبطّ الدمامل ونحو ذلك، فقال أكثر أصحابنا منهم القاضي وابن عقيل: لا يفطر؛ لأنه لا نصّ فيه، ولا يمكن إثبات الحكم فيه قياسًا، لجواز أن يكون في الحجامة معنى يختصّه،

    vol. 4, p. 361ولأن الدمَ منه ما يخرجُ بنفسه، وهو دمُ الحيض والاستحاضة والنِّفاس، ومنه ما يخرج بالإخراج.

    ثم الأول يفطّر بعضُه دون بعض، فيجوز أن يكون الثاني كذلك، وهو لا يبطل القياس المتقدّم؛ لأن التعليل للنوع والجواز، فلا ينتقض بأعيان المسائل ... (١)

  31. وقيل: يفطّر الفِصاد، وهذا أقْيَس ...

  32. وأما الجرح والاسترعاف، فلا يكاد العاقل يفعله بنفسه، فيحتمل ...

  33. وأما بطّ الدماميل والقروح، فتلك دماءٌ هي (٢) فضلات لا يُضْعِف خروجُها.

  34. وأما الحاجم: فظاهر قول الخِرَقي (٣) هو ظاهر القياس فيه، فإن ما ذكرنا من المعنى مفقود فيه، لكن المذهب أنه يُفطِر، كما هو منصوص في الحديث؛ فإن الدلالة على فطرهما دلالة واحدة، ويلوح فيه (٤) أشياء:

    أحدها: أن الحجامةَ لمّا لم تُمكِن إلا من اثنين، جاز أن يجعل الشرع فعلَ أحدهما الذي لا يتمّ فِطْرُ الآخر إلا به فِطرًا، وأن يجعل تفطير الصائم فطرًا؛ كما قيل في الجماع، وهذا بخلاف الإطعام والإسقاء، فإن ذلك يمكن

    vol. 4, p. 362أن يكون من واحد، فليس فعل الآخر شرطًا في وجوده.

  35. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَن فطَّر صائمًا فله مثلُ أجره مِن غير أن ينقصَ مِن أجره شيء» (١) . فإذا كان المُعِيْنُ له (٢) على صومه بِعَشائه بمنزلةِ الصائم، جاز أن يكون المُفسِد لصومه بمنزلة المُفطِر.

  36. وكذلك قوله: «مَن جهَّزَ غازيًا فقد غزا، ومَن خَلَفه في أهلِه بخيرٍ فقد غزا» (٣) . وضدّ ذلك مَن صدَّ عن سبيل الله بالتثبيط (٤) عن الجهاد؛ فإنه بمنزلة المحارب لله ولرسوله. كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن حالت شفاعتُه دون حدّ مِن حدود الله، فقد ضادَّ اللهَ في أمره» (٥) .

  37. وخصّ الحاجمَ بهذا من بين المُطعم (٦) والمُسقي، فإنه لو امتنع عن

    vol. 4, p. 363حَجْمه لم يفطر، بخلاف المُطعم والمُسقي فإن أكْلَ ذلك وشربَه غير منوط بفعل غيره. نعم يُشبه هذا ما لو مكنّت المرأةُ زوجَها مِن أن يطأها دون الفرج، فأنزل هو ولم تنزل هي. وطَرْد هذا: أن مَن حجَم مَن ليس بصائم لا يفطر، وهذا الوجه ليس [ق ٧١] بذاك.

  38. ومنها: أنّ الحاجمَ إذا امتصّ المِحْجَم بعد شَرْط (١) العضو، جاز أن يسبق شيءٌ من الدم إلى حلقه ولا يشعرُ به، والحكمةُ إذا كانت (٢) خفيّةً أُقيمت المظنّةُ الظاهرةُ مُقامها، كالنوم مع الحَدَث. ولهذا لو امتصّ المِحْجَم (٣) عند وضعه قبل الشرط لم يُفطر، كما جاء في الحديث: «أنه كان وضَعَ (٤) المحاجمَ قبل الغروب، ثم شَرَط بعد الغروب» (٥) ... (٦)

  39. فعلى هذا، لو شَرَط بدون مصّ مثل ما شَرَط الأُذُن، وقلنا: يُفطِر المشروط، فإن الشارِط هنا لا يُفطِر، وكذلك الفاصِد.

  40. ومنها: أن الحجامة في الأصل لما كانت إخراجَ دمٍ، وهي من الصناعات الرديئة، ولهذا كُرِه كسبها.