مسألة: (ومن أكل أو شرب، أو استعط، أو أوصل إلى جوفه شيئا من أي موضع كان، أو استقاء، أو استمنى، أو قبل أو لمس فأمنى أو أمذى، أو كرر النظر حتى أنزل، أو حجم أو احتجم، عامدا ذاكرا لصومه فسد، وإن فعله ناسيا أو مكرها لم يفسد)
244 paragraphs · vol. 4, p. 308
Page 4 of 7
- vol. 4, p. 341
ورواه الدارقطني (١) من حديث هشام بن سعد، عن زيد مثله.
-
ورواه أبو داود (٢) من حديث سفيان، عن [زيد بن أسلم، عن] بعض أصحابه، عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يُفْطِر من قاءَ، ولا مَن احتلم، ولا مَن احتجم» .
-
ورواه عبد الرزاق (٣) ، عن أبي بكر بن عبد الله، عن زيد بن (٤) عطاء، عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: وذكره معمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
-
وعن أيمن بن نابل، أنه سأل القاسمَ بن محمد: أيحتجمُ الصائمُ؟ قال: «احتجم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وهو صائم» رواه عبد الرزاق (٥) . واحتجاجه به يدلّ على أنه لم يفطر.
-
وأيضًا فإن الأصل في الفطر أن يكون بما (٦) دخل إلى الجوف دون
vol. 4, p. 342ما خرج منه، وإنما خرج عن هذا دمُ الحيض، وهو يخرج بغير اختيار الإنسان، ولأنه استخراج دمٍ من البدن، فلم يفطر؛ كالفِصاد وبطّ الدماميل والجرح.
-
قلنا (١) : أما كونهما أفطرا بغير الحجامة، فلا يصح لوجوه:
أحدها: أنه قال: «أفطر الحاجم والمحجوم» فعلّق الحكمَ باسم مشتقٍّ من معنى، فيجب أن يتعلق بذلك المعنى، فلو علَّقناه بغيره كان خلاف ظاهر اللفظ، وذلك لا يجوز، إلا أن يعلم أن هناك سببًا آخر، وإلا (٢) فلو فُتِح هذا الباب لم يبق حكمٌ معلّق باسم من الأسماء إلا ويجوز أن يدّعَي مدّعٍ أن الحكمَ له سببٌ غير معنى (٣) الاسم.
-
الثاني: أن قوله: «أفطر الحاجم والمحجوم» لفظ عام لم يخصصه بمحجوم بعينه، فإنه قد رواه عنه جماعة من أصحابه روايةً مطلقة عامة، وبلَّغوه إلى (٤) من بعدَهم تبليغ مَن يعلِّمهم سنةَ النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولو كان ذلك لسبب يختص بذلك المحتجم، لم يكن في رواية هذا الحديث فائدة أصلًا، لاسيما إذا لم يذكر السبب الذي به أفطر.
-
الثالث: أنه قد تقدم أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الحجامة للصائم.
- vol. 4, p. 343
وروى أحمد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الحجامة للصائم (١) ، وقال لعلي: «لا تحتجم وأنت صائم» (٢) . وهذا صريح بالنهي عن نفس الحجامة.
-
الرابع: أن الصحابة الذين رووا هذا الحديث والذين لم يرووه، فهموا منه أنه (٣) نَهْي عن الحجامة. فروى أحمد في «مسائل عبد الله» (٤) بإسناده عن عليّ أنه قال: «لا تدخل الحمام وأنت صائم، ولا تحتجم وأنت صائم» . وفي لفظ عن علي: «أفطر الحاجم والمحجوم» (٥) .
-
وعن عطاء قال: قال أبو هريرة: «أفطر الحاجم والمحجوم» (٦) .
-
وفي رواية عن أبي هريرة أنه قال: « [يقال:] (٧) أفطر الحاجم
vol. 4, p. 344والمحجوم، ولو احتجمتُ لم أبال» (١) .
-
وعن عائشة وصفية أنهما قالتا: «أفطر الحاجم والمحجوم» (٢) .
-
وعن أبي العالية قال: دخلتُ على أبي موسى الأشعري وهو أمير البصرة مُمْسِيًا، فوجدته يأكل تمرًا وكامَخًا، فقال: «احتجمتُ» فقلت: ألا احتجمتَ نهارًا؟ فقال: «أتأمرني أن أُهْرِيق دمي وأنا صائم» (٣) .
-
وعن ابن عمر أنه قال: «أفطر الحاجم والمحجوم» (٤) .
-
وعن سالم: أن ابن عمر كان يحتجم وهو صائم، ثم تركه بعدُ، وكان إذا غابت الشمسُ احتجمَ (٥) .
-
وعن نافع: أن [ق ٦٨] ابن عمر كان يحتجم وهو صائم. قال: فبلغه
vol. 4, p. 345حديثٌ أو شيء، فكان إذا كان صائمًا احتجم بالليل (١) .
-
وروى أحمد (٢) عن (٣) الحسن، عن عِدّة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أفطرَ الحاجمُ والمحجومُ» .
-
وعن عبد الله بن أيوب المُخَرّمي (٤) ، قال: سمعت رَوْحًا يقول لأبي عبد الله: «أدركتُ الناسَ بالبصرة منذ خمسين سنة، إذا دخل شهر رمضان أغلق الحجَّامون دكاكينَهم» ذكره عنه المرُّوذي.
قال البخاري (٥) : وكان ابن عمر يحتجم وهو صائم ثم تركه، فكان يحتجم بالليل، واحتجم أبو موسى ليلًا.
-
الخامس: أن السببَ الذي زعموا أنهما أفطرا به الغيبة، قال أحمد (٦) :
vol. 4, p. 346يقولون: إنهما كانا يغتابان، والغيبة أشد للصائم، ففطره (١) أجدر أن تفطره الغيبة، ومن يَسلَم من الغيبة؟
وقال أيضًا: لو كان للغيبة ما كان لنا صوم.
-
وأما حمله على مقاربة (٢) الفطر، وأن ذلك يفيد الكراهة، فلا يصح أيضًا، لوجوه:
أحدها: أن قوله: «أفطر الحاجم والمحجوم» نصٌّ في حصول الفطر لهما فلا (٣) يجوز أن يعتقد بقاء صومهما، والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يخبر عنهما بالفطر، لاسيما وقد أطلق هذا القول إطلاقًا، من غير أن يقرنه (٤) بقرينة تدلُّ على أن ظاهره ليس بمراد؛ فلو جاز أن يُراد به مقاربة (٥) الفطر دون حقيقته، لكان ذلك تلبيسًا لا بيانًا للحكم.
-
الثاني: أن ابن بَطّة روى بإسناده عن عمر بن الخطاب قال: خرجت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ثمان عشرة (٦) ليلة خلت من شهر رمضان، فإذا برجل يحتجم. قال (٧) : فلما رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (٨) قال: «أفطرَ الحاجمُ والمحجومُ» .
vol. 4, p. 347قال (١) : فقلت: يا رسول الله، أفلا آخذُ بعُنقه حتى أكسره؟ قال: «ذَرْه، فما لَزِمَه مِن (٢) الكفّارة أعظم مما تريد به» قال (٣) : قلت: وما كفّارة ذلك يا رسول الله؟ قال: «يومًا مثله» . قلت (٤) : إذًا لا يجده. قال: «إذًا لا أبالي» (٥) .
-
الثالث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخَّص في مقدّمات الفطر، ولم يجعلها بمنزلته، ولهذا لما سأله عمر - رضي الله عنه - عن القُبلة للصائم؟ قال: «أرأيتَ لو تمضمضتَ بماء وأنتَ صائم؟» قلت: لا بأس بذلك. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ففِيمَ؟» (٦) .
-
فإذا كانت القُبلة تدعو إلى الإنزال، والمضمضةُ تدعو إلى الابتلاع، ولم يسمِّ النبي - صلى الله عليه وسلم - فاعلها مفطرًا بذلك، فلأن (٧) لا يُسمّى المحتجم مفطرًا خشية أن يضعف فيحتاج إلى الفطر أولى.
-
وأما اعتقاد مَن اعتقد أن كراهة الحجامة إنما هي لأجل الضعف، فهذا لا يمنع كونها مفطِّرة، فإن هذا تعليل كونها مفطّرة.
- vol. 4, p. 348
وأما قول مَن قال: «ولم يحرِّمها» ، فهو قد اعتقد ذلك، وقد أخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن ذلك، والنهي يقتضي التحريم، ولم يُعلَم الصحابي الذي اعتقد ذلك، وقد خالفه جمهور الصحابة.
-
ومَن رُويَ عنه مِن الصحابة الرخصةُ في ذلك، فأكثرهم قد رُوي عنه بخلافه، وهذا يدلّ على أنهم لم يكونوا سمعوا النهي في ذلك (١) ، ثم سمعوه كما جاء مفسّرًا في حديث ابن عمر.
-
ويوضّح ذلك أن مَن قال منهم: لا يفطّر، فقد بنى قولَه على ظاهر القياس، بخلاف مَن قال: إنها تفطّر؛ فإنه لا يقول ذلك إلا لعِلْمٍ اطلع عليه وخفي على غيره.
-
وكلّ ما اختلف فيه الصحابةُ مما يشبه هذا، مثل: اختلافهم في انتقاض الوضوء بمسّ الذّكَر ونحوه، فإنَّ المُثبِت منهم يجب أن يكون معه عِلْمٌ خفيَ على النافي (٢) ؛ لأن هذا ابتداء شريعة لا يجوز أن يثبت بالقياس، بخلاف النفي فإنه يكفي فيه البراءة الأصلية.
-
وأما حديث ابن عباس فقد قال أحمد في رواية مهنّا: حديث ابن عباس «أنه احتجم صائمًا» خطأ من قِبل قَبيصة، رواه عن سفيان، عن حماد، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس (٣) .
vol. 4, p. 349وقال في رواية صالح (١) : عَمرو، عن طاوس وعطاء، عن ابن عباس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - احتجم وهو محرم (٢) .
-
ومعمر، عن ابن خُثيم (٣) ، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - احتجم وهو محرم (٤) .
-
هؤلاء أصحاب ابن عباس لا يذكرون صيامًا (٥) .
وقال في رواية حنبل: الذي في الحديث أنه (٦) بلغني عن يحيى ومعاذ أنهما أنكراه عليه. يعني: على الأنصاري.
وقال في رواية الأثرم: هو ضعيف؛ لأن الأنصاريَّ ذهبت كتبُه، وكان يحدّث من كتب غُلامه أبي حكيم (٧) .
- vol. 4, p. 350
وأما ادّعاء النّسْخ، فلا يصح لوجوه:
أحدها: أن الذي في الحديث أنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - احتجمَ وهو محرم صائم، ولم يبيّن أن هذا الإحرام كان في حجة الوداع؛ فيجوز أن يكون كان في إحرامه بعمرة الحديبيّة أو إحرامه بعمرة القضيّة، وكلاهما قبل الفتح، فيكون احتجامُه وهو صائم منسوخًا بقوله بعد ذلك: «أفطرَ الحاجمُ والمحجومُ» .
- والذي (١) يؤيد هذا القول وجوه:
-
أحدها: ما روى أحمد، عن الحَجّاج، عن الحكم، عن مِقْسم، عن ابن عباس أنه قال: «إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - احتجم صائمًا محرمًا، فغُشِي عليه، فلذلك (٢) كَرِه الحجامةَ للصائم». رواه أحمد (٣) .
-
وفي لفظ عن ابن عباس أنه قال: «احتجم رسولُ (٤) الله - صلى الله عليه وسلم - بالقاحَة وهو محرم صائم، فوَجَد لذلك ضعفًا شديدًا، فنهى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن يحتجم الصائمُ». رواه الجوزجاني (٥) .
- vol. 4, p. 351
و (١) عن الحكم قال: «احتجم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وهو صائم فضَعُف، [ق ٦٩] ثم كُرِهت الحجامةُ (٢) للصائم (٣) .
-
وعن الشعبيّ: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - احتجم وهو محرم، وتزوّج الهلاليّة وهو محرم. رواه سعيد (٤) .
-
وكان تزوّج ميمونة بنت الحارث الهلالية في عُمرة القضاء، فعُلِمَ أن احتجامه كان في عمرة القضاء، وذلك قبل الفتح، وقبل قوله: «أفطرَ الحاجمُ والمحجومُ» .
-
فهذا يبين أن الكراهة كانت بعد احتجامه مُحْرِمًا، ويؤيد ذلك ما روى الجُوزجاني: أن ابن عباس كان يُعدّ الحجّام والمحاجم، فإذا غابت الشمس احتجم بالليل (٥) .