مسألة: (وإن أكل شاكا في طلوع الفجر لم يفسد صومه، وإن أكل شاكا في غروب الشمس فسد صومه)
151 paragraphs · vol. 4, p. 407
Page 1 of 4
- vol. 4, p. 407
هذا منصوصُ أحمدَ وأصحابِه.
قال (٣) حرب: قيل لأحمد: رجل يتسحّر (٤) وقد طلع الفجرُ؟ قال: إذا استيقن بطلوع الفجر أعاد الصيام، وإن شكّ فليس عليه شيء، أرجو.
-
إلا أن القاضي ذكر في بعض المواضع: أنه لو أكل يظنُّ أن الفجرَ لم يطلع، كان عليه القضاء وإن كان الأصل بقاء الليل احتياطًا، كما لو أكل وظنّ أن الشمسَ غربت.
-
وكذلك ذكر ابن عقيل في بعض المواضع: من خاف طلوعَ الفجر، يجب عليه أن يمسِكَ جزءًا من الليل، ليتحقّق له صوم جميع النهار (٥) ، وقاس عليه يوم الإغمام.
-
وذكر ابن عقيل في موضع آخر: أنه إذا أكَلَ ثمّ شكّ هل طلع الفجر أو غربت الشمس؟ ولم يَبِن (٦) له يقينُ الخطأ، فلا قضاء عليه؛ لأنه لم يتيقّن وجودَ سبب القضاء.
- vol. 4, p. 408
والمذهب الذي ذكراه في سائر المواضع وذَكَره (١) عامّةُ الأصحاب كالمنصوص، لأن الأصل بقاء النهار، فإذا أكل قبل أن يعلم الغروبَ، فقد أكل في الوقت الذي يُحْكَم بأنه نهار، وإذا أكل قبل أن يتبين الفجر، فقد أكل في الوقت الذي يُحْكَم بأنه ليل، ولأن الله سبحانه قال: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} ، فمن أكل وهو شاكٌّ، فقد أكل قبل أن يتبيّن له الخيطُ الأبيض، ولأنّ الأكل مع الشكّ في طلوع الفجر جائز، والأكل مع الشكّ في الغروب غير جائز، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وإذا فعل الجائزَ لم يفطِر إلا أن يتبيّن له الخطأ.
-
وإن غلب على ظنه طلوعُ الفجر، فقال بعض أصحابنا: هو كما لو استيقنه؛ لأن غلبةَ الظنّ في مواقيت العبادات تجري مجرى اليقين.
-
وظاهر قول أحمد وابن أبي موسى (٢) : أنه ما لم يتيقّن طلوعَه، فصومُه تام. وإن غلب على ظنّه غروبُ الشمس، جاز له الفطر.
وقياس قول القاضي في الصلاة ... (٣)
-
فصل (٤)
-
الوقتُ (٥) الذي يجب صيامه من طلوع الفجر الثاني إلى مغيب قرص
vol. 4, p. 409الشمس؛ لقوله تعالى: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: ١٨٧] .
-
وعن سهل بن سعد قال: «أنزلت: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} ، ولم ينزل: {مِنَ الْفَجْرِ} فكان رجالٌ إذا أرادوا الصومَ ربطَ أحدُهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا يزال يأكل حتى يتبيّن له رؤيتهما، فأنزل الله بعدُ {مِنَ الْفَجْرِ} فعلموا أنه إنما يعني الليلَ والنهارَ» أخرجاه (١) .
-
وعن عَديّ بن حاتم قال: لما (٢) نزلت: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} عمَدْتُ إلى عقالَين، عقال أبيض وعقال أسود، فوضعتهما تحت وِسادتي، فجعلتُ أقومُ من الليل، فلا يتبيّن لي، فلما أصبحت ذكرتُ ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «إن (٣) وِسادك لعريض، إنما هو بياض النهار من سواد الليل» رواه الجماعة إلا ابن ماجه (٤) .
-
وعن سَمُرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال (٥) : «لا يغرّنكم مِن سَحوركم أذانُ بلال ولا بياضُ الأفق المستطيلُ هكذا، حتى يستطيرَ هكذا» قال: يعني: معترضًا.
- vol. 4, p. 410
رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه (١) .
-
ولفظ أحمد وأبي داود والترمذي (٢) : «لا يمنعنّكم مِن سَحُوركم أذانُ بلال، ولا الفجرُ المستطيل، ولكنِ الفجرُ المستطيرُ في الأفق» .
-
وفي لفظ لأحمد (٣) : «لا يغرّنّكم نداءُ بلالٍ وهذا البياض حتى ينفجرَ (أو: يطلع) الفجرُ».
-
وعن عبد الله بن مسعود أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يمنعنّ (٤) أحدَكم أذانُ بلال مِن سَحوره؛ فإنه يؤذِّن [ق ٧٩] (أو قال: ينادي) بليل (٥) ؛ ليرجع قائمُكم، ويوقظَ نائمَكم، وليس الفجر أن يقول هكذا، ولكن يقول هكذا (يعني: الفجر هو المعترض وليس بالمستطيل) ». رواه الجماعة إلا الترمذي (٦) .
-
وفي رواية صحيحة (٧) : «ليس أن يقول هكذا (وضمَّ يدَه ورفعها) ، ولكن حتى (٨) يقول هكذا (وفرَّق بين السبابتين) ».
- vol. 4, p. 411
وعن ابن أبي ذئب، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان: أنه بلغه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «هما فجران، فأما الفجر (١) الذي كأنّه ذنَبُ السَّرْحان، فإنه لا يحلّ شيئًا ولا يُحرِّمه، وأما المستطير الذي يأخذ الأفق فبه (٢) تحلّ الصلاة ويحرم الصيام». رواه أبو داود في «مراسيله» (٣) .
-
وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: سمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إذا أقبلَ الليلُ، وأدبرَ النهارُ، (وفي لفظ: وغابتِ الشمسُ) ، فقد (٤) أفطرَ الصائمُ» (٥) .
-
وعن عبد الله بن أبي أوفى، قال: كنّا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر في شهر رمضان، فلما غابت الشمس قال: «يا بلال، انزل فاجْدَح لنا» فقال: يا رسول الله، إن عليك نهارًا. قال: «انزل فاجْدَح» (٦) فنزل فجَدَح، فأتاه به، فشرب النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم قال: «إذا رأيتم الليلَ قد أقْبَل مِن هاهنا، فقد أفطر الصائم (وأشار بأصبعه قِبَل المشرق) ». رواه (٧) الجماعة إلا ابن ماجه والترمذي (٨) .
- vol. 4, p. 412
وفي رواية ابن عيينة، عن الشيباني، عن ابن أبي أوفى، قال: «انزل فاجْدَح لي» قال: الشمس يا رسول الله! قال: «انْزِل فاجْدَح» . [فجَدَح] له فشرب. قال: فلو نزا (١) أحدٌ على بعيره لرآها (يعني: الشمس) ، ثم أشار النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بيده قِبَل المشرق، فقال: «إذا رأيتم الليلَ قد أقبلَ مِن ههنا، فقد أفطرَ الصائمُ» (٢) .
-
فصل (٣)
-
والسنةُ تعجيل الفطور لقوله تعالى: {أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} ، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا غربت الشمسُ فقد أفطرَ الصائمُ» ، وأمر بلالًا لمَّا غربت الشمسُ (٤) أن ينزل فيَجْدحَ لهم السويقَ (٥) .
-
وعن سهل بن سعد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يزال الناسُ بخيرٍ ما عجَّلوا الفطرَ» رواه الجماعة إلا أبا داود والنسائي (٦) .
- vol. 4, p. 413
وعن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يقول الله تعالى: إن أحبَّ عبادي إليَّ أعْجَلُهم فِطرًا» رواه أحمد واحتجّ به، والترمذي وقال: حديث حسن غريب (١) (٢) .
-
وعن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يزال الدينُ ظاهرًا ما عجّلَ الناسُ الفطرَ، لأن اليهودَ والنصارى يؤخِّرون» رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه (٣) ، ولفظه: «لا يزال الناسُ بخيرٍ» .
-
وعن سعيد بن المسيّب، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يزال الناسُ بخير ما عجّلوا إفطارَهم، ولم يؤخّروا تأخيرَ أهلِ المشرق» رواه مالك وسعيد (٤) (٥) .
-
وعن مكحول: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «مِن فقه الرجل تعجيلُ فِطره وتأخيره
vol. 4, p. 414سُحُورَه، فإنّ (١) الله جاعلٌ لكم مِن سُحوركم برَكَةً» (٢) . رواهما سعيد.
-
وعن أبي عطية الهَمْداني قال: دخلت أنا ومسروق على عائشة رحمها الله، فقلنا: يا أمّ المؤمنين، رجلان مِن أصحاب محمد، كلاهما لا يألو عن الخير، أحدهما يُعجّل الإفطار ويُعجّل الصلاة، والآخر يُؤخّر الإفطارَ ويُؤخّر الصلاةَ؟ فقالت: أيهما الذي يعجّل الإفطار ويعجّل الصلاة؟ قال: قلنا: عبد الله. قالت: كذلك كان يفعل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -.
-
وفي رواية: «يُعجّل المغربَ والإفطارَ، والآخرُ يؤخّرُ المغربَ والإفطارَ» . وفي رواية: «والآخر أبو موسى» رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه (٣) ، وقال الترمذي: حسن صحيح.
-
وعن مُورِّق العجلي، عن أبي الدرداء قال: «ثلاث من أخلاق الأنبياء: التبكير بالإفطار، والإبلاغ في السحور، ووضع اليمين على الشمال في الصلاة» رواه سعيد (٤) (٥) .
- vol. 4, p. 415
ويستحبّ التعجيل إذا غاب القُرص مع بقاء تلك الحُمْرة الشديدة، ويُستدلّ على مغيبها باسوداد ناحية المشرق.
-
وإذا تيقّن أو غلب على ظنّه مغيبَها، جاز له الفطر، وليس عليه أن يبحث بعد ذلك، قاله أصحابنا.
-
فأما مع الشكّ، فلا يجوز له الفطر، والاختيار أن (١) لا يفطر حتى يتيقّن الغروبَ.
-
ويتخرّج على قول القاضي في مواقيت الصلاة أن لا يفطر حتى يتيقّن الغروبَ إذا لم يَحُل بينه وبين الشمس حائل؛ لأنهم أفطروا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم طلعت الشمس (٢) ، وكذلك على عهد عمر (٣) .
-
وعن ابن عباس قال: «إذا تسحّرتَ، فقلت: إني أرى ذاك الصبح، فكُلْ واشْرَبْ، وإن قلت: إني أظنّ ذاك (٤) الصبحَ، فكُلْ واشْرَبْ، وإذا تبيّن لك؛ فدع الطعامَ. وأما الإفطار، فلا تنظر إلى الشمس، فإن الشمس يواريها الجبالُ والسحاب، ولكن انظر إلى الأفق الذي يأتي منه الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم، فإذا رأيتَ الليل، فأفطر» رواه سعيد (٥) .
- vol. 4, p. 416
وعن قيس بن أبي حازم قال: «أُتيَ عمرُ بن الخطّاب بشراب عند الإفطار، [ق ٨٠] فقال لرجل عنده: اشرب، لعلك مِن المسوِّفين، سوفَ سوفَ» (١) .
-
وعن سعيد (٢) قال: قال عمر: «عجّلوا الفطرَ، ولا تَنَطّعوا تنَطُّعَ أهلِ العراق» (٣) .
-
وعن أيمن (٤) المكِّي: أنه نزل على أبي سعيد الخدري، فرآه يفطر قبل مغيب (٥) القُرْصِ (٦) . رواهن سعيد.
-
وهذا محمول على القُرْص الأحمر لا على نفس قرص الشمس.