مسألة: (وإن أكل شاكا في طلوع الفجر لم يفسد صومه، وإن أكل شاكا في غروب الشمس فسد صومه)
151 paragraphs · vol. 4, p. 407
Page 2 of 4
- vol. 4, p. 416
وعن مجاهد قال: «كنتُ آتي ابنَ عمر بشرابٍ للفطر، وكنت أُخفيه مِن
vol. 4, p. 417الناس لتعجيل (١) الإفطار» (٢) . وفي رواية (٣) : «كان يدعو بالشراب وهو صائم، فآخذ في نفسي من سرعة ما يشرب» .
-
وعن رجل: أن ابن عمر كان يدعو بالشراب وهو صائم، فيغمِزُه ابنُه: أن لا تعجَل حتى يؤذِّن المؤذّن، ففطن له ابن عمر، فقال: ويلك! أترى هذا أفقه في دين الله منّي (٤) . رواهن سعيد.
-
ويستحبّ أن يُفطر قبل الصلاة؛ لأن التعجيل إنما يحصل بذلك، ولأنه أقرب إلى جَمْع الهمّ في الصلاة، ولأن الفصل بين زمن الصوم وغيره مشروع إذ (٥) كان الإمساكُ في غير زمان الصوم غير مشروع (٦) ، ولهذا اسْتُحبَّ الفطرُ يوم الفطر قبل الصلاة، كما يدلّ عليه حديث بلال (٧) .
-
وكما جاء (٨) عن أنس: «أن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُفطر قبل أن يصلي (٩) ، ولأنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أفطرَ قبل الصلاة، وكذلك في حديث عمر وأبي سعيد وابن عمر (١٠) .
- vol. 4, p. 418
وعن عبد الرحمن بن عبيد قال: حضرنا الإفطار عند عليّ في رمضان، فقال: «ابدؤوا فاطْعَموا، فإنه أحسنُ لصلاتكم» (١) . رواه سعيد.
-
وعن ابن عباس وطائفة: أنهم كانوا يفطرون قبل الصلاة (٢) .
-
وقد روى (٣) مالك (٤) ، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن: أنه أخبره: أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان كانا يصلّيان المغرب، ينظران إلى الليل الأسود قبل أن يفطرا، ثم يفطران بعد [الصلاة. و] (٥) ذلك في رمضان.
-
رواه مَعْمَر، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن (٦) : أن عمر وعثمان - رضي الله عنهما - كانا يصليان المغرب في رمضان قبل أن يفطرا (٧) .
- vol. 4, p. 419
وينبغي له أن يفطر على خُلُوفه؛ لِمَا روى المسيّب بن رافع، أن أبا هريرة كان يكره للصائم عند فطره أن يتمضمض ثم يمجّه (١) .
-
وفي رواية (٢) : أنه قال في مضمضة الصائم عند الإفطار: «يزدرده ولا يمجّه» . رواهما سعيد.
-
لأنه أثَرُ العبادة فلم يضيّعه.
-
ويستحبّ له الفطر (٣) على رُطَب، فإن لم يكن فعلى تَمْر، فإن لم يكن فعلى ماء.
-
هكذا قال أصحابنا؛ لِما روى أنس بن مالك قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفطر على رُطَبات قبل أن يصلي، فإن لم تكن رُطَبات فتمرات، فإن لم تكن تمرات حسا حسوات من ماء» رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال: حديث حسن، والدارقطني (٤) وقال: هذا (٥) إسناد صحيح.
- vol. 4, p. 420
وعن سلمان بن عامر الضبّي، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أفطرَ أحدُكم، فليفطِر على تَمَرات (١) ، فإن لم يجد فليُفْطِر على ماء فإنه طهور» رواه الخمسة (٢) ، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وفي رواية للنسائي (٣) : «فإنه بركة» .
-
وعن جابر - رضي الله عنه - قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعجبه أن يفطر على الرطب ما دام الرطب، وعلى التمر إذا لم يكن رطب، ويختم بهن، ويجعلهنَّ وترًا ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا» رواه أبو بكر (٤) الشافعي في «الغيلانيات» (٥) .
ويستحبّ أن يدعو عند فطره ... (٦)
- vol. 4, p. 421
عن مروان بن سالم، قال: رأيت ابن عمر يقبض على لحيته فيقطع ما زاد (١) على الكفّ، وقال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أفطر قال: «ذهب الظمأ، وابتلّت العروقُ، وثبتَ الأجرُ إن شاء الله تعالى» رواه أبو داود والنسائي والدارقطني (٢) ، وقال: إسناد (٣) حسن.
-
وعن معاذ بن زهرة أنه بلغه أن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أفطر قال: «اللهم، لك صمْتُ، وعلى رِزقك أفطرتُ» رواه أبو داود (٤) .
-
وعن ابن عباس قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أفطر قال: «اللهم لك (٥) صُمْنا، وعلى رِزْقك أفطرنا، فتقبّل مِنّا إنك أنت السميع العليم» رواه الدارقطني (٦) .
قال القاضي: المستحبّ له أن يدعو عند إفطاره بما روى (٧) أنسُ بن مالك، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا صام أحدُكم فقُدِّم عشاؤه، فليذكر اسم الله عز وجل، وليقل: اللهم لك صُمْت، وعلى رزقك أفطرت، سبحانك
vol. 4, p. 422وبحمدك، اللهم تقبَّل منّا إنك أنتَ السميعُ العليم» (١) .
-
وعن الربيع بن خُثيم: أنه كان إذا أفطر قال: الحمد لله الذي (٢) أعانني فصمت، ورزقني فأفطرت. رواه سعيد (٣) .
-
فصل (٤)
-
والسّحور سُنَّة، وكانوا في أوّل الإسلام لا يحلّ لهم ذلك.
قال البراء بن عازب: «كان أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - إذا كان الرجل صائمًا، فحضر الإفطار، فنام قبل أن يفطر، لم يأكل ليلتَه ولا يومَه حتى يمسي، وإنّ قيس بن صِرْمة الأنصاري كان صائمًا، فلما حضر الإفطار أتى (٥) امرأتَه، فقال: أعندك طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلِقُ فأطلب لك. وكان يومه يعمل، فغلبَتْه عينُه، فنام، فجاءته امرأتُه، فلما رأَتْه قالت له: خيبةً لك، فلما انتصف النهار غُشي عليه، فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فنزلت هذه الآية: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة: ١٨٧] ، ففرحوا بها (٦) فرحًا شديدًا، ونزلت: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} ».
vol. 4, p. 423وعنه أيضًا قال: «لما نزل صوم رمضان كانوا لا يَقْرَبون النساء رمضانَ كلّه، وكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله تعالى: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ ... } الآية» [ق ٨١] رواهما البخاري (١) .
قال البراء بن عازب (٢) : «كانوا إذا أكلوا لم يأكلوا إلا أكلةً حتى يكونوا (٣) من الغد. قال: فعمِل رجلٌ من الأنصار في أرضٍ له، فجاء فقامت امرأتُه تبتاع له شيئًا، فغلبَتْه عيناه، فنام فأصبح وهو مجهود، فنزلت هذه الآية: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} » رواه أحمد في «الناسخ» (٤) (٥) .
-
وعن عطاء الخراساني، عن ابن عباس في قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} يعني بذلك أهلَ الكتاب، وكان (٦) كتابه على أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -: «أن الرجل (٧) كان يأكل ويشرب
vol. 4, p. 424وينكح ما بينه وبين أن يصلي العَتَمَةَ أو يرقد، فإذا صلى العتمةَ ورقد (١) مُنِعَ ذلك إلى مثلها من القابلة، فنسخَتْها هذه الآية: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ... } الآية (٢) » (٣) رواهما أحمد في «الناسخ والمنسوخ» .
-
وكذلك ذكر القاضي أبو يعلى أن الأكل والشرب والنكاح كان مباحًا إلى أن يرقد أو يصلي العشاء.
وقال وَرْقاء: عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد: «كانوا يصومون، فإذا أمسوا أكلوا وشربوا وجامعوا، فإذا رقد أحدُهم حرُمَ ذلك كلُّه (٤) إلى مثلها من القابلة، وكان منهم رجال يختانون أنفسهم في ذلك، فخَفَّف الله عنهم، وأحلَّ لهم الطعامَ والشرابَ والجماعَ قبل النوم وبعده في الليل كله» (٥) .
-
وقال عليُّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قول الله عز وجل: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} : «وذلك أن المسلمين كانوا في شهر رمضان إذا صلوا العشاء حَرُم عليهم النساءُ والطعام إلى مِثلها مِن القابلة، ثم إن أناسًا (٦) من المسلمين أصابوا النساءَ والطعامَ في رمضان بعد العشاء، منهم
vol. 4, p. 425عمر بن الخطاب، فشَكَوا ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأنزل الله عز وجل: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ ... } إلى قوله: {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ} يعني: انكحوهن، {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} (١) يعني: بياض الفجر من سواد الليل، والرّفَث: هو النكاح» (٢) .
-
وعن سعيد بن جُبير في قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} قال: «كتب عليهم إذا نام أحدهم ولم يطْعَم لم يحلّ له أن يَطعَم شيئًا إلى القابلة، وحَرُم عليهم الرَّفَثُ إلى نسائهم ليلة الصيام الشهر كله، فرخَّص الله لكم، وهو اليوم عليهم ثابت» رواه أحمد (٣) .
-
وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «تسحَّروا فإنَّ في السَّحور بركة» رواه الجماعة إلا أبا داود (٤) .
-
وعن أبي هريرة مثله، رواه أحمد والنسائي (٥) .
- vol. 4, p. 426
وعن ابن مسعود، رواه النسائي (١) .
-
وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «السُّحُور بركة، فلا تَدَعُوه، ولو أن يجرَع أحدُكم جَرْعةً مِن ماء، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحِّرِين (٢) » رواه أحمد (٣) .
قال بعض أصحابنا: وكلُّ ما حصل مِن (٤) أكل أو شرب، حصَلَت به فضيلةُ السُّحور، لقوله: «ولو على جَرْعة ماء (٥) ».
-
والأشبه أنه إن قدر على الأكل، فهو السنة.
-
وعن عَمْرو بن العاص قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنّ فَصْل (٦) ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكْلَةُ السّحَر» رواه الجماعة إلا البخاري وابن
vol. 4, p. 427ماجه (١) .
-
وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله وملائكته يصلّون على المُتَسحّرين» (٢) .
-
وعن سعيد بن عبد الله بن أبي هند قال: أخذَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بيده قبضةً من تَمْر، فقال: «نِعْمَ سَحُور المسلم التمرُ» (٣) .
-
وعن راشد بن سعد (٤) قال: سُئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن السّحور؟ فقال:
vol. 4, p. 428«ذاك الغداء المبارك» .
-
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «استعينوا بقائلةِ النّهارِ على قيام الليل، وبأكل السَّحَر على صيام النهار» (١) رواهن سعيد.
-
والسُّنة تأخيره؛ لما روى أبو ذر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: «لا تزالُ أُمَّتي بخير ما أخروا السحورَ وعجَّلوا الفطورَ» رواه أحمد (٢) .
وعن مكحول ... (٣)
-
وعن (٤) أنس، عن زيد بن ثابت قال: «تسحّرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قمنا إلى الصلاة. قلت: كم كان قَدْر ما بينهما؟ قال: قدر خمسين آية» رواه الجماعة إلا أبا داود (٥) .
- vol. 4, p. 429
ويجوز له أن يأكل ما لم يتبين طلوعُ الفجر، وإن كان شاكًّا فيه من غير كراهة، لكن يستحبّ له (١) تركُه إذا شكّ في طلوع الفجر. قاله كثير من أصحابنا.
قال أصحابنا: فإن شكّ في الفجر فالاحتياط أن لا يأكل. فإن أكل ولم يتيقّن طلوعَه فصومُه صحيح، وإن غلب على ظنه طلوعُه لم يَجُز الأكلُ، فإن أكَلَ قضى؛ لأنّ غالب الظن في المواقيت كاليقين.
-
وأما الجماع (٢) فيُكره مع الشكِّ. قال أحمد في رواية ابن القاسم: الجماع في السَّحَر لا يستحبّ تأخيره (٣) في الوقت ليس هو (٤) مثل الأكل، الأكل أخف وأيسر، وأخاف عليه من الجماع لا يسلم.
وقال في رواية أبي داود (٥) : إذا شكّ في الفجر يأكل حتى يستيقن (٦) طلوعَه.
قال تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: ١٨٧] .
vol. 4, p. 430وقال في رواية يوسف بن موسى: تأخير السَّحُور حتى يعترض الفجرُ، فإذا كان بالطول (١) ناحية القبلة، فذلك هو الكاذب، وإذا كان هكذا وأبعد (٢) ومدَّ يده باعًا (٣) ، فذلك هو الصادق.
-
وقال في رواية حنبل وقد ذكَر حديثَ عديّ بن حاتم: ولكن بياض النهار [ق ٨٢] وسواد الليل.
قال أبو عبد الله: إذا طلع، فهو (٤) وقت لا يأكل ولا يشرب، فجعل الله عز وجل الفجرَ عَلَمًا وفَصْلًا بين الليل والنهار.