مسألة: (والصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر، ولا قضاء عليه)
95 paragraphs · vol. 4, p. 495
Page 1 of 3
- vol. 4, p. 495
وجملةُ ذلك: أن مَن شَرَع في صيام تطوُّع، فإنه يجوز له (٣) الخروج منه ولا قضاء عليه، لكن المستحبّ أن يتمّه وأن يقضيه إذا أفطر (٤) .
-
وهل يُكره فطره لغير حاجة؟ وهل يستحب فطره مع الحاجة؟ وهل يقضي مع الحاجة؟
قال ابن أبي موسى (٥) : مَن أفطرَ في تطوُّعِه عامدًا، فالاحتياط له أن يقضيه من غير أن يجب ذلك عليه (٦) .
-
فعلى هذا لا يستحبّ له القضاء إذا أفطر بعذر، بل يكون بمنزلة صوم مبتدأ (٧) .
-
وقال في رواية الأثرم فيمن أصبح صائمًا متطوِّعًّا، فبدا له فأفطر يقضيه؟ قال: إن قضاه فحسن، وأرجو أن لا يجب عليه.
vol. 4, p. 496وقال حرب: سُئل أحمد قيل: ما تقول فيمن نوى الصيامَ من الليل، ثم أصبح فأفطر؟ قال: إن قضى فهو أحبُّ إليَّ، وإلا فليس عليه شيء.
-
وسئل أيضًا (١) عن رجل صام تطوُّعًا، فأراد أن يفطر: أعليه قضاء أم لا؟ قال: إذا كان مِنْ نذرٍ أو قضاء رمضان يقضي، وإلا فلا.
-
وكذلك نقَلَ ابنُ منصور (٢) . وهذا هو المذهب.
-
وروى عنه (٣) حنبل: إذا أجمَعَ على الصيام من الليل، فأوجبه على نفسه، فأفطر من غير عذر، أعاد ذلك اليوم (٤) .
فاختلف أصحابنا (٥) في هذه الرواية؛ فقال القاضي: هذا محمول على صوم النذر دون التطوُّع، وقد صرَّح به في مسائل حنبل، فقال: إذا (٦) كان نذرًا قضى وأطعم لكلِّ يوم مسكينًا، وإن كان ... (٧)
وقال غيره: يُحْمَل ذلك على استحباب القضاء دون إيجابه، ليوافق سائر الروايات، وأقرَّها طائفةٌ روايةً.
vol. 4, p. 497قال أبو بكر عبد العزيز: تفرَّد حنبل بهذه الرواية، وجميع أصحابنا (١) على أن لا قضاء عليه، وبه أقول.
-
وهذه طريقةُ ابن البناء وغيره، وهي أصح؛ لأن أحمد فرَّق في (٢) الأمر بالإعادة بين (٣) المعذور وغيره، وقضاء النذر لا يختلف (٤) ، ولم يتعرَّض لوجوب الكفارة، ولو كانت نذرًا لذكر الكفارة.
-
ووجه (٥) ذلك: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: ٣٣] . وهذا يعمّ إبطالها بعد إكمالها وفي أثنائها، فإنَّ ما مضى من الصوم والصلاة والإحرام ونحوها عمل صالح يُثاب عليه، بحيث لو مات في أثنائه، أُجِر على ما مضى أَجْرَ مَن قد عمل، لا أجر مَن قَصَد ونوى، وإذا كان عملًا صالحًا فقد نهى الله عن إبطاله.
-
وعن شدَّاد بن أوس قال: سمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول (٦) : «أتخوَّفُ على أمتي الشركَ والشهوةَ الخفيَّة» . قال: قلت: يا رسول الله، أتُشْرِكُ أمَّتُك بعدك؟ قال: «نعم، أما إنهم لا يعبدون شمسًا ولا قمرًا ولا حجرًا ولا وثنًا، ولكن يراؤون بأعمالهم، والشهوةُ الخفيةُ: أن يصبح أحدهم صائمًا، فتعرض
vol. 4, p. 498له شهوة من شهواته، فيترك صومه» (١) رواه أحمد وابن ماجه من حديث روَّاد بن الجرَّاح، عن عامر بن عبد الله، عن الحسن بن ذكوان، عن عُبادة بن نُسَيّ، عن شدّاد [بن أوس] (٢) .
-
وعن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة، قالت: كنتُ أنا وحفصة صائمتين، فعَرَض لنا طعامٌ اشتهيناه، فأكلنا منه، فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فبَدَرَتْني إليه حفصةُ، وكانت ابنة أبيها، فقالت: يا رسول الله، إن كنا صائمتين، فعَرَض لنا طعام اشتهيناه، فأكلناه، ف
قال (٣) : «اقضيا يومًا آخر مكانه» رواه أحمد والنسائي والترمذي من حديث جعفر بن بَرقان، عن الزُّهري (٤) ، وقال
vol. 4, p. 499الترمذي: وروى صالح بن أبي الأخضر ومحمد بن أبي حفص (١) هذا الحديث، عن الزُّهري، عن عُروة، عن عائشة.
قال: وروى مالك بن أنس ومَعْمَر وعبيد الله بن عمر وزياد بن سعد (٢) وغير واحد من الحفاظ، عن الزهري، عن عائشة مرسلًا، ولم يُذْكَر فيه عروة، وهذا أصح.
-
وروى بإسناده عن ابن جُريج، [ق ٩٣] قال: سألتُ الزهريَّ، فقلت له (٣) : أحدَّثَك عروةُ عن عائشة؟ فقال: لم أسمع من عروة في هذا شيئًا، ولكن سمعتُ في خلافة سليمان بن عبد الملك من ناس عن بعض من سأل عائشة عن هذا الحديث.
-
ورواه أحمد والنسائي (٤) من حديث سفيان بن حسين، عن الزهري.
-
ورواه النسائي أيضًا (٥) من حديث صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، قال: «وصالحُ بن أبي الأخضر ضعيف في الزهري وفي غير الزهري، وسفيانُ بن حسين وجعفرُ بن بَرْقان ليسا بقويين في الزهري، ولا بأس بهما في غير الزهري» . ثم رواه مرسلًا من حديث معمر ومالك
vol. 4, p. 500وعبيد الله بن عمر (١) .
-
ورواه عن سفيان قال: سألوا الزهريَّ وأنا شاهد: أهو عن عروة؟ قال: لا (٢) .
-
ورواه سعيد (٣) ، عن سفيان بن عيينة، قثنا (٤) الزهريُّ، قال: قالت عائشة. فذَكَرَه، وفيه: فتبسَّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال: «صوما (٥) يومًا مكانه» قال سفيان: فسألت الزهريَّ: عن عروة؟ فغضب وأبى أن يُسْنِدَه.
قال سعيد (٦) : ثنا عطَّاف بن خالد، عن زيد بن أسلم، قال: قالت عائشة مثله، وقال لنا: «صوما مكانه، ولا تعودوا (٧) ».
-
وفي حديث مالك وغيره (٨) : أن عائشة وحفصة أصبحتا صائمتين متطوِّعتَين.
-
وعن ابن الهاد، عن زُمِيْل مولى عروة، عن عروة بن الزُّبير، عن عائشة
vol. 4, p. 501قالت: أُهْدي لحفصة طعامٌ، وكنا صائمتين، فأفطرنا، ثم دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقلنا: يا رسول الله، إنّا أُهْدِيَت لنا هدية، واشتهيناها فأفطرنا؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا عليكما، صوما مكانه يومًا آخر» رواه أبو داود والنسائي (١) وقال: «زُمَيل ليس بالمشهور» ، وقال البخاري: «لا يعرف لزُمَيل سماعًا من عروة، ولا تقوم به الحُجّة» (٢) .
-
وعن جرير بن حازم، عن يحيى بن سعيد، عن عَمْرة، عن عائشة نحوه. رواه النسائي (٣) وقال: هذا خطأ.
وقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: تحفظ عن يحيى، عن عَمْرة، عن عائشة: «أصبحتُ أنا وحفصة صائمتين» ؟ فأنكره، وقال: مَن رواه؟ قلت: جرير. فقال: جرير يحدِّث بالتوهُّم، وأشياء عن قتادة (٤) يُسندها جريرُ بن حازم باطلة (٥) .
- vol. 4, p. 502
وعن سعيد بن جُبَير: «أن حفصة وعائشة أصبحتا صائمتين تطوُّعًا، فأفطرتا، فأمرهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقضياه» رواه سعيد (١) .
-
وعن أنس بن سيرين، قال: «صمتُ يومًا فأجهدت، فأفطرتُ، فسألتُ ابنَ عُمر (٢) وابن عباس؟ فأمراني أن أقضي يومًا مكانه» رواه سعيد (٣) .
-
وعن محمد بن أبي حميد، عن إبراهيم بن عبيد قال: صنع أبو سعيد الخدري طعامًا، فدعا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، فقال رجل من القوم: إني صائم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «صَنَع لك أخوك (٤) ، وتكلَّف لك أخوك، أفْطِر وصُم يومًا مكانه» رواه الدارقطني (٥) وقال: هذا مرسل.
-
ورواه حرب وقال: «كُلْ، وصُم يومًا مكانه إن أحببت» (٦) .
- vol. 4, p. 503
وقد تُكُلِّم في محمد بن أبي حُمَيد.
-
وعن ابن عيينة، عن طلحة بن يحيى، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها -، قالت: دخل عليَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومًا، فقرَّبتُ له حَيسًا، فأكل منه وقال: «إني كنتُ أريدُ الصيامَ، ولكن أصوم يومًا مكانه» رواه عبد الرزاق عنه (١) .
-
ورواه الدارقطني (٢) ، ولفظه: قالت: دخل عليَّ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «إني أريدُ الصومَ (٣) » وأُهْدِيَ له (٤) حَيس، فقال: «إني آكُل، وأصوم يومًا مكانه» .
vol. 4, p. 504قال الدارقطني: «لم يروه بهذا اللفظ عن ابن عيينة غير (١) محمد بن عَمْرو بن العباس الباهلي، ولم يُتابَع على قوله: «وأصوم يومًا مكانه» ولعله شُبِّه عليه، والله أعلم، لكثرة مَن خالفه عن ابن عيينة».
-
ورواية عبد الرزاق التي ذكرناها تدلُّ على خلاف قول الدارقطني.
-
فهذا الحديث غايته أن يكون مرسلًا. لكن قد أرسله الزهريُّ وزيدُ بن أسلم وسعيدُ بن جُبير، وعمل به الصحابة، والمرسلُ إذا تعدّد مرسلوه وعمل به الصحابة، صار حجَّةً بلا تردّد. وقد أُسْنِد من غير حديث الزهري كما تقدم.
-
ولأنها عبادة، فلَزِمَتْ بالشروع فيها، ووجبَ القضاءُ بالخروج منها لغير (٢) عذر، كالحج، ولأن الشروع في العبادة التزام لها، فلزم الوفاء به كالنذر.
-
يحقِّقُ التماثلَ: أن الله تعالى قال في آية الصوم: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: ١٨٧] كما قال في آية الحج: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: ١٩٦] . فإذا كان عليه إتمامُ ما دخل فيه من الحج والعمرة، فكذلك عليه إتمام ما دخل فيه من الصيام.
-
فعلى هذه الرواية: إنما تُقضى إذا أفطر لغير عذر. فأما إن أفطر لعذر من مرضٍ أو سفر ونحو ذلك، فلا إعادة عليه.
- vol. 4, p. 505
وإن أفطر لكون الصوم كان مكروهًا، مثل أن يفرد يومًا بالصوم ... (١) ولأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا دُعِيَ أحدُكم إلى طعام، فإن كان مفطرًا فليَطْعَم، وإن كان صائمًا فليُصَلّ» (٢) . ولو كان الأكل جائزًا لبيَّنه النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، ولاستحبَّه في الدعوة.
-
ولأنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تصومنَّ امرأةٌ وزوجُها شاهدٌ إلا بإذنه» (٣) ولو كان التفطير جائزًا لم يكن في شروعها في الصوم عليه ضررٌ.
-
والأول هو (٤) المذهب؛ لِما روى شعبةُ، عن جَعْدة، عن أم هانئ وهي جدته.
-
وفي لفظ: قال شعبةُ: كنتُ أسمع سِماكَ بن حرب يقول: [ق ٩٤] أحدُ بني أمِّ هانئ حدثني، فلقيت أنا أفضلَهما، وكان اسمه جَعْدة، وكانت أم هانئ جدَّته، فذكره عن جدته: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها، فدعا بشراب فشرب، ثم ناولها فشربت، وقالت: يا رسول الله، أما إني كنتُ صائمة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الصائمُ المتطوِّع أميرُ نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر» (٥) .
- vol. 4, p. 506
وفي رواية (١) : قلت له: سمعْتَه من أم هانئ؟ قال: لا، حدثنيه أبو صالح وأهلُنا عن أم هانئ.
-
رواه أحمد والنسائي والترمذي (٢) وقال: في إسناده مقال.
-
وفي رواية لأحمد والنسائي (٣) : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها (٤) يوم الفتح.
-
ورووه أيضًا من حديث سماك بن حرب، عن ابن أم هانئ، عن (٥) أم هانئ (٦) .
-
وفي لفظ (٧) : سمعه منها.