مسألة: (والصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر، ولا قضاء عليه)
95 paragraphs · vol. 4, p. 495
Page 2 of 3
- vol. 4, p. 506
وفي لفظ (٨) : عن هارون ابن بنت أم هانئ أو ابن ابن أم هانئ، عن أمِّ هانئ (٩) : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شرب شرابًا، فناولها لتشرب، فقالت: إني صائمة، ولكن كَرِهْتُ أن أردّ سُؤرَك. فقال: «إن كان قضاءً مِن رمضان، فاقضي يومًا مكانه، وإن كان تطوُّعًا فإن شئتِ فاقضي، وإن شئتِ فلا تقضي» .
vol. 4, p. 507قال النسائي: اخْتُلِف فيه على سِماك، وسِماك ليس ممن يُعتمد عليه إذا انفرد بالحديث.
-
ورواه أحمد وأبو داود (١) عن (٢) يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن أم هانئ، قالت: لما كان يوم الفتح، فتح مكة، جاءت فاطمة فجلسَتْ عن يسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأم هانئ عن يمينه، قالت: فجاءت الوليدة بإناء فيه شراب، فناولَتْه فشرب منه، ثم ناوله أمَّ هانئ فشربت منه، فقالت: يا رسول الله، لقد أفطرتُ وكنتُ صائمة، فقال لها: «أكنتِ تقضينَ شيئًا؟» قالت: لا. قال: «فلا يضرُّك إن كان تطوُّعًا» .
-
فقد عاد الحديث إلى إسنادين:
أحدهما: رواية أهلِ بيت أم هانئ عنها، رواه عنهم شعبة وسِماك، ولم ينفرد به سماك.
-
والثاني: رواية عبد الله بن الحارث.
-
وأهلُ البيت عدَّة (٣) نَفَر، منهم أبو صالح، فروايتهم أوكد من رواية الواحد، ورواية ذريتها عنهم دليل على ثقتهم وأمانتهم.
- vol. 4, p. 508
فإن قيل: النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل مكة يوم الفتح في رمضان، ولا يجوز أن تكون صائمة في رمضان عن قضاءٍ ولا تطوُّع.
-
قيل: النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أقام بمكة بضع عشرة ليلة بعد الفتح، وهذه الأيام كلها تسمى أيام الفتح (١) .
-
ولا يجوز أن يُعْتَقد أنها أفطرت ناسية؛ لأنها أخبرت أنها كانت صائمة، وإنما كرهت أن تردَّ سُؤرَ النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر أن التطوُّع لا قضاء فيه بحال، وأنه إن كان قضاءً من رمضان، فعليها القضاء، ولأنه لم يقل: فالله أطعمك وسقاك.
-
وأيضًا [روى] (٢) طلحةُ بن يحيى، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة، قالت: دخل عليَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم، فقال: «هل عندكم من شيء؟» فقلنا: لا. فقال: «إني إذًا صائم» ثم أتانا يومًا آخر، فقلنا: يا رسول الله، أهدي لنا حَيس، فقال: «أرينيه، فلقد أصبحتُ صائمًا» فأكل. رواه الجماعة إلا البخاري (٣) .
-
زاد النسائي (٤) : ثم قال: «إنما مَثَل صومِ التطوُّع مِثْل الرَّجُل يُخْرِج من ماله الصدقةَ، فإن شاء أمضاها، وإن شاء حبسها» .
- vol. 4, p. 509
وفي لفظ له (١) : قال: «يا عائشة، إنما منزلة مَن صام في غير رمضان أو في قضاء رمضان أو في التطوُّع، بمنزلة رجل أخرج صدقةً من ماله، فجاد منها بما شاء فأمضاه، وبخل منها بما شاء فأمسكه» .
-
وفي رواية لمسلم (٢) ، قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم: «يا عائشة، هل عندكم شيء؟» قالت: فقلت: يا رسول الله، ما عندنا شيء. قال: «فإني صائم» . قالت (٣) : فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأُهْدِيت لنا هدية (أو: جاءنا زَوْر) قالت: فلما رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قلتُ: أُهْديت لنا هدية (أو: جاءنا زَوْر) ، وقد خَبَأتُ لك شيئًا. قال: «ما هو؟» قلت: حَيس. قال: «هاتيه» . فجئتُ به، فأكل، ثم قال: «قد كنتُ أصبحتُ صائمًا» .
قال طلحة: فحدثت مجاهدًا بهذا الحديث، قال: ذلك بمنزلة الرجل يُخْرِج الصدقةَ (٤) من ماله، فإن شاء أمضاها، وإن شاء أمسكها.
-
والحيس: تمر وسمن وأَقِطٌ يُطبخ.
قال الشاعر (٥) :
التمرُ والسمنُ جميعًا والأقِطْ: ... الحيسُ إلا أنه لم يختلِطْ
vol. 4, p. 510فهذا نصٌّ في جواز الإفطار بعد إجماع الصيام.
-
وعن عكرمة قال: قالت عائشة: دخل عليَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «هل عندكم شيء؟» فقلت: لا. قال: «إني إذًا أصوم (١) ». ودخل عليَّ (٢) يومًا آخر، فقال: «هل عندكِ (٣) شيء؟ » قلت: نعم. قال: «إذًا أطْعَمُ، وإن كنتُ فرضتُ الصومَ» رواه الدارقطني (٤) وقال أيضًا: إسناد حسن صحيح.
-
وعن أبي جُحَيفة قال: آخى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمانُ أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذِّلة، فقال لها: ما شأنُك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا. فجاء أبو الدرداء، فصنع له طعامًا، فقال: كل، فإني صائم. فقال: ما أنا بآكل حتى تأكل، فأكل، فلما كان الليل، ذهب أبو الدرداء يقوم (٥) . قال: نم، فنام، ثم ذهب يقوم، فقال: نم. فلما كان من آخر الليل، قال: قم الآن. فصلَّيا، فقال له سلمان: إن لربِّك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأعْطِ كلّ ذي حقٍّ
vol. 4, p. 511حقه. فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «صَدَق سلمان» رواه البخاري (١) .
-
فقد أقرّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - [ق ٩٥] سلمانَ على تفطير أبي الدرداء، ولم يأمره بالقضاء.
-
وعن سالم قال: صنع عطاءٌ طعامًا، فأرسل إلى سعيد بن جُبير، فأتاه (٢) فقال: إني صائم، فحدَّثه بحديث سلمان أنه فطَّر أبا الدرداء، فأفطر. رواه البغوي (٣) .
-
وعن عمرو، عن سعيد (٤) ، قال: «لأَنْ أُضْرَب بالخناجر أحبُّ إليَّ من أن أفطر من تطوُّع (٥) بالنهار» رواه سعيد والبغوي (٦) .
-
فقد رجع سعيدٌ إلى حديث سلمان هذا، وهو ممن روى حديث عائشة وحفصة.
-
وعن جُويرية بنت الحارث: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل على جُويرية (٧) في يوم جمعة وهي صائمة، فقال لها: «أصمتِ أمس؟» قالت: لا. قال:
vol. 4, p. 512«أتصومين غدًا؟» قالت: لا. قال: «فأفطري» رواه الجماعة إلا مسلمًا وابن ماجه والترمذي (١) .
-
ورواه أحمد من حديث عبد الله بن عَمْرو (٢) ، إلا أن هذين الحديثين إنما يدلان على الفطر في موضع يكون الصوم مكروهًا، كإفراد يوم الجمعة، وسَرْد الصوم الذي يَضْعُف به عن حقوق أهله، ونحو ذلك.
-
وأيضًا، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أفطر في شهر رمضان هو وأصحابُه وهو مسافر بعد أن أصبحوا صيامًا، لمَّا كان جائزًا لهم ترك الصوم، فَلَأَن (٣) يجوز الفطر في صيام التطوُّع أولى وأحرى.
-
وأيضًا، فإنه إجماع الصحابة (٤) ذكرناه عن سلمان وأبي الدرداء.
-
وعن الحارث، عن عليّ قال: «إذا أصبحتَ وأنتَ تريد الصيام، فأنت بالخيار: إن شئتَ صمتَ، وإن شئتَ أفطرتَ، إلا أن تَفْرضَ الصيامَ عليك من الليل» (٥) . يعني ــ والله أعلم (٦) ــ: النذرَ.
- vol. 4, p. 513
وعن عبد الله: «متى أصبحتَ وأنتَ تريدُ الصومَ، فأنت على خير (١) النظرين: إن شئتَ صمتَ، وإن شئتَ أفطرتَ» (٢) .
-
وفي رواية عنه قال: «أحدُكم بأخْيَر النظرين (٣) ما لم يأكل أو يشرب» (٤) .
-
و (٥) عن عكرمة، عن ابن عباس قال: «الصائم بالخيار إن شاء صام، وإن شاء أفطر» (٦) .
-
وعن عطاء، عن ابن عباس، قال: «إذا صام الرجل تطوُّعًا، ثم شاء أن يقطعه قطَعَه، وإذا دخل في صلاة تطوُّعًا، ثم شاء أن يقطعها قطعها، وإذا طاف بالبيت تطوُّعًا، ثم شاء أن يقطعه قطعه، غير أنه لا ينصرف إلا على وتر خمسًا أو ثلاثًا أو شوطًا، وإذا أخرج الرجل صدقةً تطوُّعًا، ثم شاء أن يحبسها
vol. 4, p. 514حبسها» (١) .
-
وعن ابن عمر: أنه (٢) أصبح صائمًا، ثم أُتي بطعام فأكل، فقيل له: ألم تكن صائمًا؟ فقال: «لا بأس به ما لم يكن نذرًا أو قضاء رمضان» (٣) . رواهن سعيد.
-
وعن جابر: «أنه كان لا يرى بالإفطار في صيام التطوُّع (٤) بأسًا» رواه الشافعي (٥) .
-
وأيضًا فإن الرجلَ إذا أصبح صائمًا لم يوجد منه إلا مجرَّد النية والقصد، والنيةُ المجرَّدة لا يجب بها شيءٌ؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله تجاوزَ لأمتي عمَّا حدثَتْ به أنفسَها ما لم تتكلم به أو تعمل به» (٦) .
-
يبقى الفرق بينه وبين الإحرام، وبين أن يتكلم بالنية أو لا يتكلم بها (٧) .
vol. 4, p. 515ولأنها عبادة يخرج منها بالإفساد، فلم يجب قضاؤها إذا أفسدها، كالوضوء وكما لو صام يعتقد أن عليه فرضًا، فبان (١) بخلافه، وعكسُه الإحرام فإنه لا يخرج منه بالفساد ... (٢)
-
ولأنه إذا كان له أن (٣) لا يفعل، كان له أن يخرج منه قبل الإتمام.
-
وأما قوله سبحانه: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: ٣٣] ، فإنه ما لم يتم فليس بعمل.
-
وأما الأحاديث التي فيها الأمر بالقضاء إن كانت صحيحة، فإنما هو أمر استحباب، وبيان أن الصوم لم يَفُتْ، وأن المفطر إذا صام يومًا مكان هذا اليوم، فقد عمل بدل ما ترك.
-
وهذا كما قضت عائشةُ عُمرةً (٤) بدلَ العمرةِ التي أَدْخَلَت عليها الحجَّ وصارت قارنة، وكما قضى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - اعتكافَه حتى لا يعتقد المعتقد أن المتطوِّع إذا أفطر فقد بطلت حسنتُه على وجهٍ لا يمكن تلافيه (٥) ، كالمفطر في رمضان ونحوه.
- ويدلُّ على ذلك أشياء:
-
أحدها: أن الرواية المسندة قال فيها: «لا عليكما، صوما مكانَه يومًا» مع
vol. 4, p. 516إخبارهما أنهما أكلتا بشهوة ولم تُفْطِرا لعذر.
-
وقوله (١) : «لا عليكما» أي: لا بأس عليكما، ولو كان الفطر حرامًا والقضاء واجبًا، لكان عليهما بأس.
-
ثانيها (٢) : أن في رواية سفيان عن الزهري: أنهما (٣) لما أخبرتاه تبسّم النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولو كانتا قد أذنبتا لغضب أو لبيَّن لهما أن هذا حرام (٤) لئلا تعودا إليه.