مسألة: (وليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان)

101 paragraphs · vol. 4, p. 545

Page 1 of 3

  1. الأصل في هذه الليلة قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ... } السورة إلى آخرها، وقوله سبحانه: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} (٣) [البقرة: ١٨٥] ، وقوله سبحانه: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ} [الدخان: ٣] .

    قال ابن أبي (٤) نَجِيح، عن مجاهد: «بلغني أنه كان في بني إسرائيل رجلٌ لبس السلاحَ في سبيل الله ألْفَ شهر فلم يضعه عنه. فذكر ذلك رسولُ (٥) الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه، فعجبوا من قوّته (٦) ، فأنزل الله تعالى: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر: ٣] ، يقول الله تعالى: ليلة القدر [ق ١٠١] خيرٌ لكم من تلك الألف شهر التي لبس ذلك الرجل فيها السلاحَ في سبيل الله فلم يضعه عنه (٧) » رواه آدمُ بن أبي إياس، عن الزنجي، عنه (٨) .

    vol. 4, p. 545
  2. وذكر مالك في «الموطأ» (١) : أنه سمع مَن يثق به يقول: «إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أُرِي (٢) أعمارَ الناس قبله أو ما شاء الله ذلك، فكأنه تقاصرَ أعمارَ أمَّته، لا يبلغون من العمل الذي بلغ غيرُهم في طول العمر، فأعطاهم الله ليلةَ القدر خيرٌ من ألف شهر».

    vol. 4, p. 546
  3. وعن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَن قامَ ليلةَ القَدْر إيمانًا واحتسابًا، غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه» رواه الجماعة إلا ابن ماجه (٣) .

  4. وهي باقية في رمضان إلى يوم القيامة في العشر الأواخر منه.

    قال أبو عبد الله في رواية حنبل: ليلة القَدْر في العشر الأواخر من رمضان، وحديث ابن عمر هو أصحها، والرواية في ليلة القدر صحيحة: أنها في كل سنة في شهر رمضان في العشر الأواخر. واخْتُلف في ذلك، قالوا: عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في سبعٍ بقين، وقالوا: في ثلاثٍ بقين (٤) ، فهي

    vol. 4, p. 547في العشر، في وتر من الليالي، لا يخطئ ذلك إن شاء الله تعالى، كذا رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اطلبوها في العشر الأواخر لثلاثٍ بقين أو سبعٍ بقين أو تسعٍ تبقى» (١) فهي في العشر الأواخر.

    وقال في رواية أبي داود (٢) : الثَّبْت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العشر الأواخر، يعني: ليلة القدر.

    وقال القاضي في «المجرَّد» : وفيها ــ يعني (٣) : العشر الأواخر من رمضان ــ يجوز أن تُطْلَب في كلِّ وترٍ منه، ولكن لثلاثٍ بقين وسبعٍ بقين وتسعٍ بقين أشدّ استحبابًا.

  5. والظاهر أنها إحدى هذه الثلاث ليالي (٤) ، وذلك لِما رُوي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «التمسوها في العشر الأواخر من رمضان: ليلة القَدْر في تاسعةٍ تَبْقى، في سابعةٍ تَبْقى (٥) ، في خامسةٍ تَبْقى» رواه أحمد والبخاري وأبو داود (٦) .

  6. وفي رواية للبخاري (٧) ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «هي في العشر: هي في تسعٍ يمضين، أو في سبعٍ يبقَيْن» يعني: ليلة القدر.

    قال البخاري (٨) : قال عبد الوهاب، عن أيوب. وعن خالد، عن عكرمة،

    vol. 4, p. 548عن ابن عباس: «التمسوا (١) في أربع وعشرين» ... (٢)

  7. وعن ابن عمر: أن رجالًا من أصحاب النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أُرُوا ليلةَ القَدْر في المنام في السبع الأواخر (٣) ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحرِّيَها فليتحَرَّها في السبع الأواخر» متفق عليه (٤) .

  8. وفي رواية في «الصحيح» (٥) عن ابن عمر قال: كانوا لا يزالون يقصُّون على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - الرؤيا أنها في الليلة السابعة من العشر الأواخر ــ يعني: ليلة القدر ــ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أرى رؤياكم قد تواطأَتْ في العشر الأواخر، فمن كان متحرِّيَها فليتحَرَّها في العشر الأواخر» (٦) .

  9. وفي روايةٍ لأحمد ومسلم (٧) قال: أُري رجلٌ أن ليلة القدر ليلة سبع وعشرين، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أرى رؤياكم في العشر الأواخر، فاطلبوها في الوتر منها» .

  10. وفي رواية شعبة، عن حَكيم بن سُحَيم، عن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «مَنْ كان ملتمسًا فليلتمسها في العشر الأواخر» (١) .

    vol. 4, p. 549
  11. وفي رواية مَعْمر، عن الزّهري، عن سالم، عن ابن عمر: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «التمسوا ليلةَ القَدْر في العشر الغوابر، في التسع الغوابر» (٢) .

  12. وفي رواية شعبة، عن عُقْبة بن حُرَيث (٣) ، قال: سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ كان ملتمسًا (٤) ، فليَلْتَمِسها في العشر الأواخر، فإن عَجَز أو ضعف، فلا يُغلبْ على السبع البواقي» (٥) .

  13. وفي رواية شعبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر (٦) قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَن كان متحرِّيَها فليتحَرَّها ليلةَ سبعٍ وعشرين» . وقال عروة: «ليلة سبع وعشرين» . رواهن أحمد (٧) .

  14. ورواه (٨) حنبل، عن عارم، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: كانوا لا يزالون يقصّون على النبي - صلى الله عليه وسلم - الرؤيا أنها في (٩) ليلة

    vol. 4, p. 550السابعة من العشر الأواخر، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أرى رؤياكم قد تواطأت أنها ليلة السابعة في العشر الأواخر، فمَنْ كان متحرِّيَها فليتحَرَّها ليلة السابعة في (١) العشر الأواخر» (٢) .

  15. ورواه (٣) معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني رأيت في المنام (٤) ليلة القدر، كأنها ليلة سابعة. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إني أرى رؤياكم قد تواطأت ــ يعني: ليلة سابعة ــ، فمن كان منكم (٥) متحرِّيَها فليتحَرَّها ليلة سابعة». قال معمر: فكان أيوب يغتسل ليلة ثلاث وعشرين ويمسّ طيبًا (٦) .

  16. وفي رواية من هذا الوجه (٧) : «إني رأيتُ (٨) رؤياكم قد تواطأت على ثلاث وعشرين، فمن كان منكم يريد أن يقوم من الشهر، فليقم ليلةَ ثلاثٍ وعشرين».

  17. وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجاور في العشر

    vol. 4, p. 551الأواخر من رمضان، ويقول: «تحرَّوا (١) ليلةَ القَدْر في العشر الأواخر من رمضان» متفق عليه (٢) .

  18. وفي روايةٍ للبخاري (٣) : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «تحرَّوا ليلةَ القَدْر [ق ١٠٢] في الوتر من العشر الأواخر من رمضان» .

  19. وعن أبي سلمة، عن أبي سعيد: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اعتكف العشرَ الأُوَل (٤) من رمضان، ثم اعتكف العشر الأوسط، في قُبّة تركيّة على سُدّتها حصير، فأخذ الحصيرَ بيده، فنحّاها في ناحية القبلة، ثم أطلع رأسه، فكلّم الناسَ، فدنَوا منه، فقال: «إني اعتكفتُ العشر الأُوَل ألتمس هذه الليلة، ثم إني اعتكفتُ العشرَ الأوسط، ثم أتيت فقيل: إنها في العشر الأواخر، فمن أحبَّ منكم أن يعتكف فليعتكف» فاعتكف الناس معه. قال: «وإني رأيتها (٥) ليلة وِتْر، وأني أسجد في صبيحتها في طينٍ وماء». فأصبح من ليلة إحدى وعشرين، وقد قام إلى الصبح، فمُطِرَت السماءُ، فوكف المسجدُ، فأبصرتُ الطينَ والماءَ، فخرج حين فرغ من صلاة الصبح وجبينُه وروثةُ أنفه فيها الطين والماء، وإذا هي ليلة إحدى وعشرين من العشر الأواخر» رواه الجماعة إلا الترمذي (٦) ، وهذا لفظ مسلم وغيره (٧) .

  20. وفي رواية متفق عليها (١) : «فابتغوها في العشر الأواخر، وابتغوها في كلِّ وِتْر» .

    vol. 4, p. 552
  21. وعن أبي نضرة (٢) ، عن أبي سعيد، قال: اعتكفَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - العشرَ الأوسطَ من رمضان يلتمسُ ليلةَ القدر قبل أن تُبان له، فلما انقضينَ، أمر بالبناء فقُوِّض، ثم أُبينت له أنها في العشر الأواخر، فأمر بالبناء فأُعيد، ثم خرج على الناس فقال: «يا أيها الناس، إنها كانت أُبينت لي ليلةَ القدر، وإني خرجتُ لأخبركم بها، فجاء رجلان يحتقَّان، معهما الشيطان، فنسيتها، فالتمسوها في العشر الأواخر من رمضان، التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة» . قال: قلت: يا أبا سعيد، إنكم بالعدد أعلم منا. قال: أجل، نحن أحقّ بذلك منكم. قال: قلت: ما التاسعة والسابعة والخامسة؟ قال: إذا مضت واحدةٌ وعشرون، فالتي تليها اثنتان وعشرون، فهي التاسعة، وإذا مضى (٣) ثلاث وعشرون، فالتي تليها السابعة، وإذا مضى خمس وعشرون فالتي تليها الخامسة. رواه مسلم وأبو داود (٤) والنسائي (٥) .

  22. وعن أنس، عن عُبادة بن الصامت - رضي الله عنه - قال: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليخبرنا بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إني خرجت لأخبركم بليلة القَدْر فتلاحَى (١) فلانٌ وفلانٌ، فرُفِعَتْ، وعسى أن يكون خيرًا لكم، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة» رواه أحمد والبخاري والنسائي (٢) .

    vol. 4, p. 553
  23. وفي رواية أحمد (٣) عن عُبادة قال: أخبرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ليلة (٤) القدر، فقال: «هي في شهر رمضان، فالتمسوها في العشر الأواخر، فإنها وتر، ليلة إحدى وعشرين، أو ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين، أو سبع وعشرين، أو تسع وعشرين، أو آخر ليلة من رمضان، مَن قامها احتسابًا غُفِرَ له ما تقدّم من ذنبه» .

  24. وعن أبي هريرة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أُرِيْتُ ليلةَ القَدْر، ثم أيقظني بعضُ أهلي فنسيتُها، فالتمسوها في العشر الغوابر» رواه النسائي (٥) من حديث يونس وشُعَيب، عن الزهري، عن أبي سلمة عنه.

  25. وعن الصُّنابحي في ليلة القدر، قال: «أخبرني مؤذِّن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنها في

    vol. 4, p. 554السَّبْعِ في العَشْر الأواخر» رواه البخاري (١) .

  26. وفي روايةٍ عن الصُّنابحيّ، عن بلال قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ليلةُ القدر ليلةُ السابع وعشرين» رواه علي بن حرب (٢) .

  27. وعن جابر بن سَمُرة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «التمسوا ليلةَ القَدْر في العشر الأواخر» رواه أحمد (٣) .

  28. وعن ابن عباس قال: قال عمر: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من كان منكم ملتمسًا ليلة القدر فليلتمسها في العشر الأواخر وترًا» رواه أحمد (٤) .

  29. وعن أبي بكرة قال: ما أنا بملتمسها لشيء سمعتُه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا في العشر الأواخر، فإني سمعته يقول: «التمسوها في تسعٍ بقين، أو سبعٍ بقين، أو خمسٍ بقين، أو ثلاثٍ بقين (٥) ، أو آخر ليلة» قال: فكان أبو بكرة يصلي من العشرين من رمضان كصلاته في سائر السنة، فإذا دخل العشر، اجتهد. رواه أحمد والنسائي والترمذي (٦) ، وقال: حديث حسن صحيح.

  30. وأيضًا، فإنه - صلى الله عليه وسلم - كان يعتكف العشر الأواخر ويجتهد في العبادة فيه ما لا يجتهد في سائر الشهر، ويشدّ المِئْزر، ويعتزل أهلَه (١) ، ويوقظهم فيه، وهذا كله يقتضي اختصاصه بما لا يَشْرَكه فيه سائر ليالي الشهر، وأنه أفضل الأعشار، فلا يجوز أن تكون ليلة القدر في غيره (٢) ، لأن عَشْرها أفضلُ الأعشار.

    vol. 4, p. 555
  31. فهذه النصوص من النبي - صلى الله عليه وسلم - تُبيِّن أنها في العشر الأواخر، وأن السبع الأواخر أرْجَى هذه (٣) العشر، وأن أرجاها ليالي الوتر.

  32. ثم الوتر باعتبار ما بقي لا باعتبار ما مضى. وكذلك ذكره أحمد.

  33. وفي بعضها: أنه باعتبار (٤) ما مضى.

  34. فإذا كان باعتبار ما مضى، فليالي الوتر إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين وخمس وعشرين وسبع وعشرين [ق ١٠٣] وتسع وعشرين.

  35. وإن كان باعتبار ما بقي، وكان الشهر ثلاثين، فتاسعة تبقى ليلة اثنتين وعشرين، وسابعة تبقى ليلة أربع وعشرين، وخامسة تبقى ليلة ست وعشرين، وثالثة تبقى ليلة ثمان وعشرين، وواحدة تبقى آخر ليلة. وهكذا في حديث أبي بكرة المرفوع، وتفسير أبي سعيد.

  36. وإن كان الشهر تسعًا وعشرين، فـ «تاسعة تبقى» ليلة إحدى وعشرين. ويستوي على هذا التقدير الوتر باعتبار ما مضى وما بقي.

    vol. 4, p. 556
  37. وقد يكون قوله: «لثلاثٍ بَقين أو خمسٍ بَقين أو سبعٍ بَقين» يعني: من الليالي التوامّ (١) الكوامل. فإذا كان الشهر تامًّا أيضًا، كان الأوتار مما مضى هي الأوتار مما بقي، فليلةُ إحدى وعشرين قد بقي تسعٌ كوامل.

  38. فإن قيل: قد رُوي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اطلبوها ليلةَ سبعَ عَشْرةَ (٢) من رمضان، وليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين» ثم سكت. رواه أبو داود (٣) .

  39. وروى عبد الرزاق عن عليّ نحوَه (٤) .

  40. وروى سعيدٌ عن [أنس] (٥) نحوَه.