مسألة: (ويصح من المرأة في كل مسجد، ولا يصح من الرجل إلا في مسجد تقام فيه الجماعة. واعتكافه في مسجد تقام فيه الجمعة أفضل)
155 paragraphs · vol. 4, p. 588
Page 1 of 4
- vol. 4, p. 588
في هذا الكلام فصول:
الأول
أن الاعتكاف لا يصحّ إلا في مسجد، ويصحّ في كلِّ مسجد في الجملة، سواء في ذلك مساجد الأنبياء، وهي المساجد الثلاثة أو (٣) غيرها؛ لأن الله تعالى قال: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: ١٨٧] ، فلم ينه عن المباشرة إلا من عكف في المسجد، وتخصيصه بالذِّكْر يقتضي أن ما عداه بخلافه، وتبقى مباشرة العاكف في غير المسجد على الإباحة.
-
وإذا لم يكن [ق ١٠٩] العاكف في غير المسجد منهيًّا عن المباشرة، عُلِم أنه ليس باعتكاف شرعيّ؛ لأنا لا نعني بالاعتكاف الشرعي إلا ما تحرُم معه المباشرة، كما أنا لا نعني بالصوم الشرعيّ إلا ما حَرُم فيه الأكل والشرب،
vol. 4, p. 589ولأن كلّ معتكفٍ تحرم عليه المباشرة، فلو كان المقيم في غير المسجد معتكفًا لحَرُمَت عليه (١) المباشرةُ كغيره.
-
فإن قيل: فقوله تعالى: {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} دليلٌ على أنه قد يكون عاكفًا في غير المسجد؛ لأن التقييد بالصفة بما لولا هو (٢) لدخل في المطلق.
-
قلنا: لا ريب أنَّ كلَّ مقيم في مكان ملازم له فهو عاكف كما تقدم، لكنّ الكلام في النوع الذي شَرَعه الله تعالى، كما أن كلّ مُمْسكٍ يسمّى صائمًا، وكلّ قاصد يسمّى متيمِّمًا، ثم لما أمر الله تعالى بتيمُّم الصعيد وأمر بالإمساك عن المفطِّرات، صار ذلك هو النوع المشروع.
-
على أن الصفة قد تكون للتبيين والإيضاح، كما في قوله تعالى: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ} [المؤمنون: ١١٧] ، وقوله: {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [البقرة: ٦١] ، ونحو ذلك.
-
فإن قيل: فلو لزم الإنسانُ بقعةً يعبد الله تعالى فيها خاليًا من الناس أو غير خال، مثل كهف أو غار أو بيت أو شعب، فهل يُشْرَع ذلك ويستحبّ؟ ...
قيل: أما إذا قصد مكانًا خاليًا ... (٣)
- vol. 4, p. 590
وإنما جاز في كلّ مسجد لأن الله سبحانه عمَّ المساجدَ بالذِّكْر، ولم يخصّ مسجدًا دون مسجد، وهو اسمُ جمع معرَّف باللام، والمباشرةُ نكرةٌ في سياق النفي، فيكون معنى الكلام: لا تفعلوا شيئًا من المباشرة وأنتم عاكفون في مسجد من المساجد.
-
وله أن يلزم بقعةً بعينها لاعتكافه، وإن كُرِه ذلك لغيره، لأن (١) الاعتكافَ عبادةٌ واحدة، فلزوم (٢) المكان لأجلها كلزومه لصلاة واحدة، وإقراء قرآن في وقت، ونحو ذلك. وقيامه منه لحاجة لا تُسْقِط حقَّه منه؛ لأن مَن قام مِن مجلسٍ ثم عاد إليه، فهو أحقُّ به.
-
وأصلُ ذلك: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يعتكف في موضع بعينه من المسجد. قال نافع: «قد أراني (٣) ابنُ عمر الموضعَ الذي كان يعتكف فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المسجد» رواه مسلم (٤) .
-
الفصل الثاني (٥)
-
أن المسجد هو المكان المبنيّ للصلوات الخمس، وبيتُ قناديله وسطحُه منه، وحوائطُه، والمنارةُ المبنية في حيطانه أو داخله. فلو اعتكف فيها أو صعد عليها جاز عند أصحابنا.
vol. 4, p. 591قال أصحابنا: ويستحبُّ الأذان لكلِّ أحد، ونحن للمعتكف أشدُّ استحبابًا. وإن كانت متصلة بحائط المسجد، وهي خارجة عن سمت حائط المسجد، فهي منه كالمحراب.
قال القاضي: كلها منه منفصلة أو متصلة ... (١)
-
وإن كانت المنارة خارج المسجد وخارج رَحْبَته، فخرج المعتكف للتأذين فيها، ففيه وجهان:
أحدهما: لا يبطل؛ لأنها مبنية للمسجد، فأشبهت المتصلةَ به.
-
والثاني: يبطل. قال ابن عقيل: وهو الأشبه؛ لأنها ليست من المسجد.
-
وأما الرَّحْبة: ففيها روايتان (٢) :
إحداهما (٣) : هي من المسجد.
قال في رواية المرُّوذي: يخرج المعتكف إلى الرَّحْبة، هي من المسجد.
-
والثانية: ليست منه.
قال في رواية ابن الحكم: إذا سمع أذانَ العصر في رَحْبة المسجد الجامع، انصرف ولم يُصَلّ، ليس هو بمنزلة المسجد، حدّ المسجد هو الذي جُعِل عليه حائطٌ وباب.
- vol. 4, p. 592
وهذا لأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمرَ المعتكفات إذا حِضْن أن يُقِمْن في رِحاب المسجد (١) .
قال القاضي: إن كانت مَحُوْطة عن الطريق، وعليها أبواب، فهي تابعة للمسجد.
-
وإن كانت مُشرَعة على (٢) الطريق وغير مَحُوطة (٣) ، مثل رحاب جامع المنصور، ورحاب جامع دمشق، فحكمها حكم الطريق، لا يجوز الخروج إليها لغير حاجة.
-
فإن قلنا: الرَّحْبة من المسجد، فكذلك المنارة التي فيها. وإن قلنا: ليست هي منه، ففي الخروج إلى المنارة التي فيها الوجهان (٤) .
-
الفصل الثالث (٥)
-
أنه لا يصح اعتكاف الرجل إلا في مسجد تُقام فيه الصلوات الخمس جماعة، سواء كانت (٦) الجماعة تتم بدون المعتكف أو لا تتم إلا به، حتى لو اعتكف رجلان في مسجد، فأقاما به الجماعة جاز.
- vol. 4, p. 593
فإن رجا أن يُجَمِّع فيه، وغلب على ظنه ذلك، مثل أن ينوي (١) أن يؤذِّن فيه، فيجيء من يصلي معه= صار مسجد جماعة.
-
فإن غلب على ظنه أن لا يصلي معه أحدٌ لم يصحّ الاعتكاف، لأن الاعتكاف لا يكون إلا بالعزم على المُقام في المسجد، والعزم يتبع الاعتقاد، فإذا اعتقدَ حصولَ الصلاة فيه، عزمَ على العكوف فيه، وإلا فلا.
فإن اختلَّت الجماعةُ فيه بعض الأوقات ... (٢)
-
وذلك لما رُوِي عن أبي وائل شقيقِ بن سلمة، قال: قال حذيفة لعبد الله بن مسعود: إن قومًا عكوفًا بين دارك ودار الأشعري، فلا تُغَيِّر وقد علمتَ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا اعتكافَ إلا في المساجدِ الثلاثةِ (أو قال: في مسجد جماعة) ». فقال عبد الله: فلعلهم أصابوا وأخطأتَ، وحفظوا ونسيتَ. رواه سعيد بإسناد جيد (٣) .
-
وعن جُويبر، عن الضحَّاك، عن حُذيفة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كلُّ مسجدٍ له مؤذِّن وإمام، [ق ١١٠] فالاعتكاف فيه يصْلُح» رواه سعيد
vol. 4, p. 594والنجاد والدارقطني (١) وقال: الضحَّاك لم يسمع من حذيفة.
-
وقد رواه حربٌ (٢) عن الضحَّاك، عن النزّال بن سَبْرة، قال: أقبل ابن مسعود وحذيفة من النجف، وأشرفوا على مسجد الكوفة، فإذا خيام مبنية، فقالوا: ما هذا؟ قالوا: أناس اعتكفوا. فقال (٣) ابن مسعود: لا اعتكاف إلا في المسجد الحرام. فقال حذيفة: سمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «كلُّ مسجدٍ له إمام ومؤذِّن فإنه يُعتكَف فيه» .
-
فإن قيل: جُويبر ضعيف متروك، ويدلُّ على ضعف الحديث: أن مذهب حذيفة أنه لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة، بدليل ما رُوي عن إبراهيم، قال: «دخل حذيفة مسجدَ الكوفة، فإذا هو بأبْنِيَةٍ مضروبة، فسأل عنها، فقيل: قوم يعتكفون، فانطلق إلى ابن مسعود، فقال: ألا تعجب من قوم يزعمون أنهم معتكفون بين دارك ودار الأشعري؟ فقال عبد الله: فلعلهم أصابوا وأخطأتَ، وحفظوا ونسيتَ. فقال حذيفة: لقد علمت [أنه لا اعتكاف] (٤) إلا في ثلاثة
vol. 4, p. 595مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الأقصى، ومسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» (١) .
-
قلنا: قد روى هذا الحديث عن جُويبر رجالٌ من كبار أهل العلم، مثل هُشيم وإسحاق الأزرق، وقد تابعه على نحوٍ من معناه أبو وائل، عن حذيفة، وهو معضود بآثار الصحابة، والرواية الأخرى عن حذيفة مرسلة.
-
وأيضًا، فإنه إجماع الصحابة؛ روى النجَّاد (٢) عن عليٍّ - رضي الله عنه - قال: «لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة» .
-
وعن ابن عباس قال: «لا اعتكاف إلا في مسجدٍ تُقام فيه الصلاة» (٣) .
-
وعن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: «لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة» (٤) .
- vol. 4, p. 596
وروى حربٌ (١) عن جابر بن زيد، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: «كلُّ مسجدٍ تُقام فيه الصلاة، فيه اعتكاف» .
-
وقد روى أبو داود وغيرُه حديثَ عائشة قالت: «مِن السنة لا اعتكاف إلا في مسجدٍ جامع» (٢) .
-
وعن الزهري قال: «مضت السنةُ: أن لا يكون اعتكافٌ إلا في مسجد جماعة، مسجد يُجَمَّع فيه الجمعة» رواه النجاد (٣) .
- vol. 4, p. 597
وفي لفظ للدارقطني (١) : «من السنة: لا اعتكاف إلا في مسجدِ جماعةٍ» .
وقال (٢) : غير عبد الرحمن بن إسحاق: لا يقول فيه: «قالت: السنة» ، جعله قولَ عائشة.
-
وهذا قولُ عامَّة التابعين، ولم يُنْقَل عن صحابيٍّ خلافُه، إلا قول من خصّ الاعتكافَ بالمساجد الثلاثة أو (٣) بمسجد نبيّ. فقد أجمعوا كلُّهم على أنه لا يكون في مسجدٍ لا جماعةَ فيه.
-
وأيضًا، فإن (٤) المسجدَ موضعُ السجود ومحلُّه، وهذا الاسم إنما يتمّ له ويكمل إذا كان معمورًا بالسجود وبالصلاة فيه، أما إذا كان خرابًا معطَّلًا عن إقام الصلاة فيه، فلم يتمّ حقيقة المسجد له، وإنما يسمّى مسجدًا بمعنى أنه مهيّأٌ للسجود معدٌّ له، كما قد تسمَّى الدار الخالية مسكنًا ومنزلًا، ويُصان مما تُصان منه المساجد؛ لأنه مسجد وإن لم يتم المقصود فيه.
-
وبهذا يُعْلَم أن قولَه: {عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} إنما يُفْهَم منه المواضع التي فيها الصلاة والسجود.
- vol. 4, p. 598
وأيضًا، فإن الصلوات الخمس في الجماعة واجبةٌ كما تقدم بيانُه (١) ، فلو جاز الاعتكاف في مسجد مهجور معطَّل، للزم إما ترك صلاة (٢) الجماعة، وذلك غير جائز، وإما تَكْرار الخروج في اليوم والليلة لِمَا عنه مندوحة، وذلك غير جائز؛ لأن الاعتكاف هو لزوم المسجد، وأن لا يخرج منه إلا لِمَا لابدّ منه ... (٣)
-
وأيضًا فلو لم تكن الجماعةُ واجبةً، فإنها من أعظم العبادات، وهي أوكد من مجرَّد الاعتكاف الخالي عنها بلا ريب، والمداومة على تركها مكروهة كراهةً شديدة، فلو كان العكوفُ الخالي عنها مشروعًا لكان قد شُرِع التقرُّب إلى الله تعالى بما يُنْهَى فيه عن الجماعة، بل يَحْرُم فعلها معه، إذ الخروج من المعتكف لا يجوز، وهذا غير جائز ... (٤)
-
فأما اعتكافٌ لا يتضمّن وجوب جماعة، مثل أن يكون زمنه يسيرًا، لا يحضر فيه صلاة مكتوبة؛ فقال ابن عقيل وغيره: يصح في كلّ مسجد، إذ لا محذور فيه، فإنما اشترطنا مسجدًا تقام فيه الجماعة لأجل وجوبها، وهذا إذا صححنا اعتكافَ بعضِ يوم على المشهور في المذهب، وكذلك من لا يمكنه شهود الجماعة؛ لكونه في موضع لا تُقام فيه الجماعة.