مسألة: (ويصح من المرأة في كل مسجد، ولا يصح من الرجل إلا في مسجد تقام فيه الجماعة. واعتكافه في مسجد تقام فيه الجمعة أفضل)
155 paragraphs · vol. 4, p. 588
Page 2 of 4
- vol. 4, p. 598
وأما من يمكنه حضور الجماعة ولا يجب عليه كالمريض وغيره من المعذورين والعبد، ففيه وجهان:
vol. 4, p. 599أحدهما: يصح اعتكافه في كلِّ مسجد؛ لأن الجماعة لا تجب عليه.
-
والثاني: لا يصح إلا في مسجد الجماعة؛ لأنه من أهل الوجوب، فإذا تكلَّف الاعتكافَ في مسجد، وجب أن يكون في (١) مسجد الجماعة.
-
وإذا تكلَّف حضورَ محلِّها وجبت عليه كما تجب عليه الجمعة إذا حضر المسجد، لأن المُسْقِط للحضور قد التزمه، كما يجب عليه إذا حضرها. ولأن مَن التزم التطوُّعات لا يصح أن يفعلها إلا بشروطها، كالصوم والصلاة.
فعلى هذا: إن أقيمت فيه بعض الصلوات، فاعتكف في وقت تلك الصلاة ... (٢)
-
الفصل الرابع (٣)
-
أن المرأة لا يصحّ اعتكافها إلا في المسجد المتخذ للصلوات الخمس (٤) الذي يحرُم مُقام الجنب فيه وتناله أحكامُ المساجد.
-
فأما مسجد بيتها ــ وهو مكانٌ من البيت [ق ١١١] يتخذه الرجل أو المرأة للصلاة فيه مع بقاء حكم المِلْك عليه ــ فلا يصح الاعتكاف فيه عند أصحابنا.
- vol. 4, p. 600
قال أحمد في رواية أبي داود (١) وقد سُئل عن المرأة تعتكف في بيتها: فذكر النساءَ يعتكفن في المساجد، ويُضرب لهنّ فيه الخِيَم، وقد ذهبَ هذا من الناس.
-
لأن هذا ليس مسجدًا، ولا يسمَّى في الشرع مسجدًا، بدليل جواز مُكث الحائض فيه، والاعتكافُ إنما يكون في المساجد، ولأن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتكفن في المسجد بعده كما تقدم.
-
وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن يعتكف صلى الفجرَ ثم دخل معتكَفَه، وأنه أمر بخبائه فضُرِب، ثم أراد الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، فأمرَتْ زينبُ بخبائها فضُرب (٢) ، وأمَرَت غيرُها من أزواج النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بخباءٍ فضُرب، فلما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الفجرَ، نظر فإذا الأخبية، فقال: «آلبِرَّ تُرِدْن؟» فأمر بخبائه فقُوِّض، وترك الاعتكاف في شهر رمضان حتى اعتكف في (٣) العشر الأُوَل من شوّال. رواه الجماعة (٤) .
-
وفي رواية للبخاري وغيره (٥) عن عائشة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذَكَر أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فاستأذَنَتْه عائشةُ فأذن لها، وسألت حفصةُ عائشةَ أن تستأذن لها ففعلت، فلما رأت ذلك زينبُ، أمرت ببناءٍ فبُنِي
vol. 4, p. 601لها، قالت: وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى انصرف إلى بنائه، فبصر بالأبنية فقال: «ما هذا؟» قالوا: بناء عائشة وحفصة وزينب. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «آلبِرَّ أرَدْنَ بهذا؟! ما أنا بمعتكف» فرجع، فلما أفطر اعتكف عشرًا من شوَّال.
-
فهذا نصٌّ مفسَّر في أنه أذن لعائشة وحفصة أن يعتكفا في المسجد، وذلك دليلٌ على أنه مشروع حَسَن، ولو كان اعتكافهنّ في غير المسجد العام ممكنًا لاستغنينَ بذلك عن ضرب الأخبية في المسجد كما استغنين بالصلاة في بيوتهن عن الجماعة في المساجد، ولأمرهنَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بذلك، كما قال في الصلاة: «وبيوتهنّ خيرٌ لهنّ» (١) .
-
لاسيما وقد خاف أن يكون قد دخلهُنَّ في ذلك شيء من المنافسة والغيرة حين تَشَبَّه بعضُهنّ ببعض، واعتكفن معه، حتى ترك الاعتكاف من أجل ذلك، وقد كان يمكنه أن يقول: الاعتكافُ في البيت يغنيكنّ عن الاعتكاف في المسجد، كما قال لعائشة: «صلي في الحِجْر فإنه مِن [ق ١١٢] البيت» (٢) . وكان مما يحصل به مقصوده ومقصود من أرادت الاعتكاف منهن، وتقوم به الحجّةُ على مَنْ لم يرده.
- vol. 4, p. 602
وأيضًا فما روت عائشة قالت: «اعتكفَ مع النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بعضُ أزواجه، وكانت ترى الدمَ والصُّفْرةَ، والطستُ تحتها وهي تصلي» رواه البخاري وغيره (١) .
-
وعن كثير مولى [ابن] سَمُرة: أن امرأة أرسلت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إني أريد أن أعتكف العشر الأواخر وأنا أُسْتحاض، فما ترى؟ قال: «ادْخُلي المسجدَ، واقْعُدي في طَسْت، فإذا امتلأ فلْيُهْراق عنك» رواه النجَّاد (٢) .
-
فقد مكَّن النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - امرأتَه أن تعتكف في المسجد وهي مُستحاضة، وهي لا تفعل ذلك إلا بأمره، وأمَر التي سألته أن تدخل المسجد، والأمرُ يقتضي الوجوبَ، ولو كان الاعتكاف في البيت جائزًا لما أمرها بالمسجد، ولأمرها بالبيت، فإنه أسهل وأيسر وأبعد عن تلويث المسجد بالنجاسة، وعن مشقَّة حَمْل الطست ونقله. وهو - صلى الله عليه وسلم - لم يُخَيَّر بين أمرين إلا اختارَ (٣) أيسرَهما ما لم يكن إثمًا (٤) ، فعُلم أن الجلوس في غير المسجد ليس باعتكاف.
-
وأيضًا ما روى قتادةُ، عن أبي حسَّان وجابر بن زيد: «أن ابن عباس سُئل عن امرأة جَعَلَت عليها أن تعتكف في مسجد نفسها في بيتها؟ فقال: بدعة،
vol. 4, p. 603وأبغضُ الأعمال إلى الله تعالى البِدَع، لا اعتكاف إلا في مسجدٍ تُقام فيه (١) الصلاة» رواه حرب (٢) .
-
مع ما تقدم عن غيره من الصحابة، فإنهم لم يفرقوا بين الرجال والنساء، وعائشةُ منهم، ومعلوم أنها لا تهمل شأن اعتكافها، ولم يُعْرَف عن صحابي خلافُه، لاسيما والصحابي إذا قال: بدعة، عُلِم أنه غير مشروع. كما أنه إذا قال: سُنة، عُلِم أنه مشروع.
-
فعلى هذا يجوز اعتكافها في كلِّ مسجد، سواء أقيمت فيه الجماعةُ أو لم تُقَم.
-
هكذا ذكر كثير من أصحابنا، منهم القاضي في «المجرَّد» وأبو الخطاب (٣) وابن عقيل وعامةُ المتأخرين؛ لأن الجماعة ليست واجبة عليها، فسيَّان في حقها مسجد الجماعة (٤) وغيره.
-
وقد روى ابنُ أبي مُلَيكة قال: «اعتكفَتْ عائشةُ بين حراء وثبير، فكنَّا نأتيها هنالك (٥) ، وعبدًا (٦) لها يؤمُّها» رواه حرب (٧) .
- vol. 4, p. 604
وليس هناك مسجد تُقام فيه الجماعة (١) .
وقال القاضي في «خلافه» (٢) : كلُّ موضع لا يصحّ اعتكاف الرجل فيه لا يصح اعتكاف المرأة فيه.
-
وكذلك الخرقيُّ وابنُ أبي موسى (٣) وغيرُهما اشترطوا للاعتكاف مسجدًا يُجْمِع فيه، ولم يفرِّقوا بين الرجل والمرأة.
وقال أحمد في رواية ابن منصور (٤) : الاعتكافُ في كلّ مسجد تُقام فيه الصلاة. ولم يفرِّق.
-
وهذا ظاهرُ ما تقدم ذِكْرُه عن الصحابة، فإنهم لم يفرقوا، لاسيما حديث ابن عباس (٥) ؛ فإنه سُئل عن اعتكاف المرأة؟ فقال: «لا اعتكاف إلا في مسجد تُقام فيه الصلاة» ، وحديث عائشة (٦) أيضًا، فإن اعتكاف النساء لابدَّ أن يدخل في عموم كلامها (٧) .
-
وأما اعتكافها في مسجد حراء؛ فقد كان يؤمُّها فيه عبدُها، وهذا يؤيد أنه لابدّ في (٨) الاعتكاف مِن مسجد جماعة.
- vol. 4, p. 605
وأيضًا فإن المقصود من المسجد إقامة الصلاة فيه، فاعتكافها في مسجد لا جماعةَ فيه كاعتكافها في بيتها، والجماعةُ وإن لم تكن واجبةً عليها في الأصل، لكن إذا أرادت (١) الاعتكاف، جاز (٢) أن يجب عليها ما لم يكن واجبًا قبل ذلك؛ كما لو أرادت الجمعةَ والجماعةَ، وجب عليها ما يجب على المأموم، وإن لم يجب بدون ذلك.
وإذا كان الاعتكاف يوجب الاحتباسَ في المسجد، مع أنه غير مقصود لنفسه بل لغيره، فلَأَن يوجِبَ الجماعةَ التي هي أفضل العبادات أولى، ولأن ذلك لو لم يكن واجبًا ... (٣)
-
ولا يُكره الاعتكاف للعجوز التي لا يُكره لها شهود الجمعة والجماعة (٤) . وهل يكره للشابة؟ المنصوص عنه الرخصةُ مطلقًا.
قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله سُئل عن النساء: يعتكفن؟ قال: نعم، قد اعتكف النساء.
-
فعمَّ، ولم يخصّ الشابةَ من غيرها، وقد تقدم نحو ذلك في رواية أبي داود (٥) .
وقال القاضي: قياس قوله أنه يُكره للشابة؛ لأنه قد نصَّ على ذلك في
vol. 4, p. 606خروجها لصلاة العيدين، وأنه مكروه. وهذا اختيار القاضي؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بنقض قباب أزواجه لمَّا أرَدْن الاعتكافَ معه.
وقالت عائشة - رضي الله عنها -: لو رأى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ما أحْدَث النساءُ لمنعهنَّ المسجد (١) كما مُنِعَت نساء بني إسرائيل (٢) .
-
ولأنه خروجٌ من البيت لغير حاجة، فَكُرِه للشابة، كالخروج للجمعة والجماعة.
قال القاضي (٣) : وكذلك يُكره لها الطواف (٤) نهارًا.
-
والصحيح: المنصوصُ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أذِنَ لعائشة وحفصة أن يعتكفا معه، وكانتا شابتين. وقد اعتكف معه امرأةٌ من أزواجه كانت ترى الدّمَ، وقد جاء مفسّرًا أنها أم سلمة - رضي الله عنها - (٥) ، ولم تكن عجوزًا.
-
وإنما أمرهنَّ بتقويض الأبنية لِما خافه عليهنّ من المنافسة والغِيرة، [ق ١١٣] ولهذا قال: «آلبِرَّ يرِدْنَ؟» .
-
ولأن مريم عليها السلام قد أخبر الله سبحانه أنها جُعِلَت محرَّرَة له، وكانت مقيمة في المسجد الأقصى في المحراب، وأنها انتبذت من أهلها مكانًا شرقيًّا، فاتخذت من دونهم حجابًا، وهذا اعتكافٌ في المسجد
vol. 4, p. 607واحتجابٌ فيه، وشَرْعُ مَن (١) قَبْلنا شرعٌ لنا ما لم يَرِد شرعُنا بنسخه، ولأن هذه العبادة لا تُفْعَل إلا في المسجد، فلو كُرهت لها للزم تفويتها بالكلية، ونحن لا ننهى عن العبادة بالكلية لجواز أن يفتتن بها إنسان، مع أن الظاهر خلافه.
-
ولهذا لا يُكره لها الخروج لمصلحة متعيِّنة من عِيادةِ أهلها ونحو ذلك، بخلاف خروجها في الجنائز، فإنه لا فائدة فيه، وفيه مفاسد ظاهرة.
-
ولهذا لا يكره لها حجُّ النافلة، بل هو جهادها، مع أن خوف الفتنة به أشدّ، لمّا لم يكن (٢) فعله إلا كذلك.
-
وأما خروجها للجمعة والجماعة إن سُلِّم، فلها مندوحة عن ذلك بأن تصلي في بيتها، وكذلك الطواف إن سُلِّم، فإن لها في الطواف بالليل مندوحة عن النهار.
-
فعلى هذا يُستحبّ الاعتكاف للنساء، ولا يكون الأولى تركه، بل الأولى فعله إذا لم يكن فيه مفسدة.
-
كما قال في رواية أبي داود (٣) , وذَكَر النساءَ يعتكفنَ في المسجد ويُضرب لهنّ فيه الخِيَم: وقد ذهب هذا من الناس.
-
ويُستحبّ لها أن تستتر من الرجال بخباء ونحوه. نصَّ عليه، اقتداء بأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ونساء السلف كما ذكره أحمد، ولأن المسجد يحضره الرجال.
- vol. 4, p. 608
والأفضل للنساء أن لا يرينَ الرجالَ ولا يراهم الرجالُ. ويُضْرَب الخباء في موضع لا يصلي فيه الرجال؛ لئلا تقطعَ صفوفَهم وتضيّق عليهم.
-
ولا بأس أن يستتر الرجلُ أيضًا، بل هو أفضل. فإن عائشة قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن يعتكف صلى الصبحَ، ثم دخل معتكَفَه، وإنه أمر بخباء فضُرِب» (١) .
-
وفي لفظ للبخاري (٢) : «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فكنتُ أضربُ له خباءً، فيصلي الصبحَ ثم يدخله» .