مسألة: (ولا يخرج من المسجد إلا لما لابد له منه، إلا أن يشترط)

61 paragraphs · vol. 4, p. 661

Page 1 of 2

  1. وجُملةُ ذلك أن الاعتكاف هو لزوم المسجد للعبادة، فمتى خرج منه لغير فائدة بطل اعتكافه، سواء طال لُبْثه أو لم يطل؛ لأنه لم يبق عاكفًا في المسجد.

    vol. 4, p. 661
  2. وقد روت عائشة - رضي الله عنها -: «أنها كانت ترجّل النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وهي حائض، وهو معتكف في المسجد، وهي في حُجرتها، يناولها رأسه، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان إذا كان معتكفًا» [ق ١٢٤] متفق عليه.

  3. وفي لفظ للبخاري: «وكان لا يدخل البيتَ إلا لحاجة إذا كان معتكفًا» (٢) .

  4. وقد تقدم قولُها: «لا يخرج لحاجة إلا لما لابدَّ له منه» رواه أبو داود (٣) .

  5. فأما خروجه لما لا بدّ له (٤) منه مما يُعْتاد الاحتياج إليه ولا يطول زمانه، وهو حاجة الإنسان، وصلاة الجمعة، فيجوز، ولا يقطع عليه اعتكافه ولا يبطله، ويكون في خروجه في حكم المعتكف بحيث لا يقطع عليه التتابع المشروع وجوبًا أو استحبابًا.

  6. ولا تجوز له المباشرة، ولا ينبغي أن يشتغل إلا بالقُرَب وما يَعْنِيه، لقوله سبحانه وتعالى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} فنهى عن المباشرة لمن اعتكف في المسجد وإن كان في غيره؛ لأن المباشرة في نفس المسجد لا تحلّ للعاكف ولا غيره.

    vol. 4, p. 662
  7. فعُلِم من هذا أن العاكف في المسجد قد يكون في حكم العاكف مع خروجه منه، حتى تحرم عليه المباشرة (١) .

  8. وقد ذكرَتْ عائشةُ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان لا يدخل البيتَ إلا لحاجة الإنسان؛ تعني: الغائط والبول، كَنّى عنهما بالحاجة؛ لأن الإنسان يحتاج إليهما لا محالة. وقد (٢) تقدَّم الدليلُ على أن له أن يخرج للجمعة.

  9. ومثل هذا: المصلِّي صلاة (٣) الخوف إذا استدبر القبلةَ ومشى مشيًا كثيرًا، فإنه لا يخرج عن حكم الصلاة ــ وإن كانت هذه الأفعال تنافي الصلاة ــ لمَّا (٤) أُبيحت للضرورة.

  10. وكذلك الطائفُ إذا صلى في أثناء صلاة مكتوبة أُقِيْمَت أو جنازة حضرَتْ، فإنه طواف واحد، وإن تخلله هذا العمل المشروع.

  11. وكذلك إذا قطع الموالاة في قراءة الفاتحة لاستماع قراءة الإمام ونحو ذلك.

  12. وفي معنى ذلك: كلُّ ما يحتاج إلى الخروج له، وهو ما يخاف من تركه ضررًا في دينه أو دنياه، فيدخل في ذلك الخروج لفعل واجب وترك محرم وإزالة ضرر، مثل: الحيض، والنفاس، وغسل الجنابة، وأداء شهادة تعيَّنت عليه، وإطفاء حريق، ومرض شديد، وخوف على نفسه من فتنة وقعت، وجهاد تعيَّن، وشهود جمعة، وسلطان أحْضَره، وحضور مجلس حكم، وقضاء عدم الوفاء، وغير ذلك، فإنه يجوز له الخروج لأجله، ولا يبطل اعتكافُه، لكن منه ما يكون في حكم المعتكِف إذا خرج بحيث يُحْسَب له من مدة الاعتكاف ولا يقضيه ــ وهو ما لا يطول زمانه ــ، ومنه ما ليس كذلك وهو ما يطول زمانه، كما سنذكره (١) إن شاء الله تعالى.

    vol. 4, p. 663
  13. ويدلّ على جواز الخروج لما يعرض من الحاجات، وإن لم يكن معتادًا مع احتسابه من المدة: ما (٢) روى عليُّ بن الحسين: أن صفية زوج النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أخبرته أنها جاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان، فتحدثَتْ عنده ساعة، ثم قامت تنقلب، فقام النبيّ - صلى الله عليه وسلم - معها يقلبها، حتى إذا بلغت بابَ المسجد عند باب أم سلمة، مرَّ رجلان من الأنصار، فسلَّما على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال لهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «على رِسْلِكُما، إنها صفية بنت حُيَيّ» . فقالا: سبحان الله! وكَبُر عليهما. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدَّمِ، وإني خشيت أن يُلْقي في أنفسكما شيئًا» رواه الجماعة إلا الترمذي (٣) .

  14. وفي رواية متفق عليها (١) : وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد.

    vol. 4, p. 664
  15. وفي لفظ للبخاري (٢) : كان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في المسجد عنده أزواجه، فرُحْنَ، فقال لصفية بنت حُيَي: «لا تعجلي حتى أنصرفَ مَعَكِ» ، وكان بيتها في دار أسامة (٣) ، فخرج النبيّ - صلى الله عليه وسلم - معها، فلقيه رجلان ... (وذكر الحديث) .

  16. وهذا صريحٌ بأن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - خرج معها من المسجد، وأن قولها: «حتى إذا (٤) بلغتُ بابَ المسجد عند باب أم سلمة» تعني: بابًا غير الباب الذي خرج منه، فإن حُجَر أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت شرقيَّ المسجد وقِبْليّه (٥) ، وكان للمسجد عدة أبواب، أظنها ستة، فيمر على الباب بعد الباب، والرجلان رأيا النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعه المرأة خارج المسجد، فإنه لو كان هو (٦) في المسجد لم يحتَجْ إلى هذا الكلام.

  17. وقوله: «لا تعجلي حتى أنصرف معك» ، وقيامه معها ليقلِبَها دليلٌ على أن مكانها كان بينه وبين المسجد مسافة يُخَاف فيها من سير المرأة وحدها

    vol. 4, p. 665ليلًا، وذلك والله أعلم قبل أن يتخذ حجرتها قريبًا من المسجد، ولهذا قال: «كان مسكنها في دار أسامة» .

  18. وهذا كلُّه مبيِّن لخروجه من المسجد؛ فإن خروجَه إلى مجرَّد باب المسجد لا فائدة فيه، ولا خصوصَ لصفية فيه لو كان منزلها قريبًا دون سائر أزواجه، فهذا خروجٌ للخوف على أهله، فيُلْحَق به كلُّ حاجة.

  19. ولا يجوز أن يقال: اعتكافه كان تطوُّعًا، وللمتطوِّع أن يدع الاعتكاف؛ لأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يحفظ اعتكافه مما ينقصه، ولهذا كان لا يَدْخله إلا لحاجة، ويصغي رأسه إلى عائشة لترجِّلَه، ولا يدخل.

  20. ولأنه لو ترك الاعتكاف ساعةً (١) لم يكن قد اعتكف العشر الأواخر، وهو - صلى الله عليه وسلم - كان يعتكف العشر الأواخر. ثم إنه كان يقضي هذا الاعتكاف إذا فاته، فكيف [ق ١٢٥] يُفْسِده أو يترك منه شيئًا؟!

  21. على أن أحدًا من الناس لم يقل: إن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قد كان (٢) ترك اعتكافَه بخروجه مع صفية؛ فإن العمدة في صفة الاعتكاف فرضه ونفله على اعتكافه - صلى الله عليه وسلم -، كيف وقد كان إذا عمل عملًا أثبته - صلى الله عليه وسلم -؟!

  22. فصل (٣)

  23. وأما عيادة المريض وشهود الجنازة، ففيه روايتان منصوصتان:

    vol. 4, p. 666إحداهما: يجوز.

    قال في رواية ابن الحكم: المعتكف يعود المريض ويشهد الجنازة. ويُروى عن عاصم بن ضَمْرة، عن عليّ - رضي الله عنه -: «المعتكف يعود المريض ويشهد الجنازة والجمعة» (١) . وعاصم بن ضَمْرة عندي حجة.

    وقال حرب: سُئل أحمد عن المعتكف يشهدُ الجنازةَ ويعود المريضَ ويأتي الجمعةَ؟ قال: نعم. قيل (٢) : ويتطوَّع في مسجد الجامع؟ قال: نعم، أرجو أن لا يضرّه. قيل: فيشترط المعتكفُ الغداءَ أو العشاءَ في منزله؟ فكره ذلك. قيل: فيشترط الخياطة (٣) في المسجد؟ قال: لا أدري. قيل: فهل يكون اعتكاف إلا بصيام؟ قال: قد اختلفوا (٤) فيه.

  24. وكذلك نقل الأثرم: يخرج لصلاة الجنازة.

    وقال في رواية حنبل: ويعود المريض، ولا يجلس، ويقضي الحاجةَ، ويعود إلى معتكفه، ولا يشتري، ولا يبيع، إلا أن يشتري ما لا بدَّ له منه، طعام أو نحو ذلك، فأما التجارة والأخذ والإعطاء (٥) فلا يجوز شيء من ذلك.

  25. والرواية الثانية: لا يجوز ذلك إلا بشرط.

    قال في رواية المرُّوذي في المعتكف: يَشترط أن يعود المريض ويتبع

    vol. 4, p. 667الجنازة؟ قال: أرجو. كأنه لم ير به بأسًا (١) .

  26. ويشبه أن تكون هي الآخرة؛ لأن ابن الحكم قديم.

  27. وهذه اختيار عامة أصحابنا: الخرقي (٢) ، وأبي بكر، وابن أبي موسى (٣) ، والقاضي وأصحابه، وغيرهم. لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يدخل البيتَ إلا لحاجة الإنسان. فعُلِم أن هذه سنة الاعتكاف، وفعله يفسر الاعتكاف المذكور في القرآن.

  28. وقد تقدم حديثُ عائشة - رضي الله عنها -: «على المعتكف أن لا يعود مريضًا، ولا يشهد جنازة، ولا يمسَّ امرأةً، ولا يباشرها، ولا يخرج (٤) إلا لما لابدّ منه».

  29. وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «إن كنتُ لأدخلُ البيتَ للحاجة، والمريضُ فيه، فما أسأل عنه إلا وأنا مارَّة» متفق عليه (٥) .

  30. وعنها قالت: «كان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يمرّ بالمريض وهو معتكف، فيمرّ كما هو، ولا يُعرّج يسأل عنه» رواه أبو داود (٦) ، عن ليث بن أبي سُليم، عن ابن

    vol. 4, p. 668القاسم، عن أبيه، عن عائشة.

  31. وفي لفظ: «إن (١) كان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يعودُ المريضَ وهو معتكف» (٢) .

  32. ولأنه خروجٌ لِمَا له منه بُدّ، فلم يجز، كما لو خرج لزيارة والديه أو صديقه أو طلب العلم ونحو ذلك من القُرَب.

  33. فعلى هذا: إذا خرج لحاجة، فله أن يسأل عن المريض في طريقه، ولا يجلس عنده، ولا يقف أيضًا، بل يسأل عنه مارًّا لأنه مقيم لغير حاجة. وقد ذكرَتْ عائشةُ مثل ذلك.

  34. وقول أحمد: «يعود المريضَ ولا يجلس» دليلٌ على جواز الوقوف؛ إلا أن يُحْمَل على الرواية الأخرى.

  35. ووجه الرواية الأولى: ما احتجَّ به أحمد، وهو ما رواه (٣) عاصم بن ضَمْرة، عن عليّ - رضي الله عنه - قال: «إذا اعتكفَ الرجلُ، فليشهد الجمعةَ، وليحضر الجنازةَ، وليعد المريضَ، وليأتِ أهلَه يأمرهم بحاجته وهو قائم» .

  36. وعن عبد الله بن يسار: «أن عليًّا أعان ابن أخيه جَعْدة بن هُبَيرة بسبع مائة درهم (٤) من عطائه أن يشتري خادمًا، فقال له: ما منعك أن تبتاع

    vol. 4, p. 669خادمًا؟ ! فقال: إني كنتُ معتكفًا. قال: وما عليك لو خرجت إلى السوق فابتعتَ؟!» (١) .

  37. وعن إبراهيم قال: «كانوا يحبون للمعتكف أن يشترط هذه الخصال، وهي له وإن (٢) لم يشترط: عيادة المريض، ولا يدخل سقفًا، ويأتي الجمعةَ، ويشهد الجنازةَ، ويخرج في الحاجة» (٣) .

    قال: وكان إبراهيم يقول: «لا يدخل المعتكفُ سقيفةً إلا لحاجة أو سقف المسجد» (٤) . رواهن سعيد.

  38. وقد رُوي عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «المعتكفُ يتبعُ الجنازةَ ويعودُ المريضَ» رواه ابن ماجه (٥) ، وراويه متروك الحديث.

    وأيضًا، فإن هذا خروجٌ لحاجة لا تتكرَّر في الغالب، فلم يخرج به عن كونه معتكفًا، كالواجبات؛ وذلك أن عيادة المريض من الحقوق التي تجب للمسلم على المسلم، وكذلك عيادة المريض ... ، فعلى هذه الرواية هل يقعد

    vol. 4, p. 670عنده؟ ... (١)

  39. وإن تعيَّن عليه الصلاة على الجنازة، وأمْكَنه فعلُها في المسجد، لم يجز الخروج إليها، وإن لم يمكنه فله الخروج إليها.

  40. وكذلك يخرج لتغسيل الميت وحَمْله ودفنه إذا تعيَّن ذلك (٢) عليه. وأما إذا اشترط (٣) ذلك، فيجوز في المنصوص المشهور كما تقدم.

    وقال في رواية الأثرم: يَشْترط المعتكفُ أن يأكل في أهله، ويجوز الشرط في الاعتكاف.