مسألة: (وإن سأل عن المريض أو غيره في طريقه، ولم يعرج عليه جاز)

95 paragraphs · vol. 4, p. 692

Page 1 of 3

  1. وذلك لقول عائشة - رضي الله عنها -: «إن كنتُ لأدخلُ البيتَ للحاجة، والمريضُ فيه فما أسأل عنه إلا وأنا مارّة» رواه مسلم (٤) .

    vol. 4, p. 692
  2. وقد تقدم أنها روَتْ عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - نحو ذلك.

  3. ولأنّ سؤالَه عن المريض كلامٌ فيه مصلحة وقُرْبة ولا يحبسه عن اعتكافه، فجاز كغيره (٥) من الكلام المباح. ومثل هذا: أن يأمر أهلَه بحاجة أو يسأل عما يعنيه، لكن لا يجلس عند المريض ولا يُعَرِّج إليه إذا لم يكن على طريقه.

    قال القاضي وابن عقيل: يَسأل عنه مارًّا ولا يقيم للمسألة عنه؛ لأنه يقيم لغير حاجة، ولم يشترط ذلك في اعتكافه، وهذا على قولنا: لا يجوز للمعتكف أن يعود المريض بغير شرط ... (٦)

  4. فصل

    في تفصيل الأسباب المبيحة للخروج وأحكامها

    أحدها: الخروج لحاجة الإنسان من البول والغائط، وهو في خروجه في حُكم المعتكف، بحيث لا يقطعُ خروجُه تتابعَ الاعتكاف المشروط فيه، بل يُحْسَب له من أوقات الاعتكاف.

    vol. 4, p. 693
  5. ولو جامع في مخرجه بطَلَ اعتكافُه.

  6. ويُستحبُّ له أن يتحرّى الاعتكافَ في مسجدٍ تكون المِطْهَرةُ قريبةً منه لئلا يطول زمن (١) خروجه.

    قال في رواية المرُّوذي: اعْتَكِفْ في ذلك الجانب، هو (٢) أصلح من أجل السقاية، ومَن اعتكف في هذا الجانب، فلا بأس أن يخرج إلى الشطِّ إذا كانت له حاجة، [ق ١٣١] ولا يعجبني أن يتوضأ في المسجد.

    قال المرُّوذي (٣) : سألت أبا عبد الله عن الاعتكاف في المسجد الكبير أعجبُ (٤) إليك أو مسجد الحيِّ؟ قال: المسجد الكبير. وأَرْخَصَ لي أن أعتكفَ في غيره. قلت: فأين ترى أن أعتكف في هذا

    vol. 4, p. 694الجانب أو في ذاك (١) الجانب؟ قال: في ذاك الجانب هو أصلح. قلت: فمن اعتكف في هذا الجانب ترى أن يخرج إلى الشطِّ يتهيّأ؟ قال: إذا كان له حاجة لا بدّ له من ذلك. قلت: يتوضأ الرجل في المسجد؟ قال: لا يعجبني أن يتوضأ في المسجد.

    قال القاضي: يُكره تجديد (٢) الطهارة في المسجد كما يُكره غسل اليد؛ لأنه يتمضمض ويستنشق فربما تنخَّعَ فيه.

  7. وإذا خرج من المسجد وله منزلان، أو هناك مِطْهَرتان إحداهما أقرب من الأخرى (٣) ، وهو يمكنه الوضوء في الأقرب بلا مشقة، فليس له المُضيّ إلى الأبعد (٤) . قاله أبو بكر.

  8. وإن كان هناك مِطْهَرة هي (٥) أقرب من منزله يمكنه التنظُّف فيها، لم يكن له المضيّ إلى منزله. قاله القاضي وغيره؛ لأن له من ذلك بدًّا. وإن لم يمكنه التنظُّف فيها، فله المضيّ إلى منزله (٦) .

    وقال بعض أصحابنا: إن كان يَحْتَشِم من دخولها، أو فيه (٧) نقيصة عليه ومخالفة لعادته، فله المُضيّ إلى منزله، لما فيه من المشقَّة عليه في ترك مروءته، هذا إذا كان منزله قريبًا من معتكَفِه.

  9. فأما إن تفاحَشَ بُعده، فقال القاضي: لا يمضي إليه؛ لأنه خرج عن عادة المعتكفين، وليس عليه أن يُسرِع (١) المشيَ، بل يمشي على عادته.

    vol. 4, p. 695
  10. وقد قال أحمد في رواية المرُّوذي: يجب على المعتَكِف أن يحفظ لسانَه، ولا يؤويه إلا سقف المسجد، ولا ينبغي له إذا اعتكف أن يَخِيْط أو يعمل (٢) .

    فأما البول في المسجد، فلا يجوز وإن بال في طست أونحوه ... (٣)

  11. وإن أراد أن يفتصد (٤) أو يحتجم لحاجة، فله أن يخرج من المسجد كما يخرج لحاجة الإنسان، ولا يجوز أن يفعل ذلك في المسجد لحاجة ولا غيرها. قاله القاضي.

  12. كما لا يجوز له أن يبول في الطست (٥) ؛ لأن هواءَ (٦) المسجد تابعٌ للمسجد في الحُرْمة، بدليل أنه لا يجوز له أن يترك في أرضه نجاسة، ولا يجوز أن يعلق في هوائه نجاسة، مثل ميتة يُعَلِّقها، أو قنديلًا (٧) فيه خمر أو دم.

    vol. 4, p. 696قال ابن عقيل: ويحتمل التجويز مع الضرورة، كما ورد في المستحاضة، فأما مع القدرة على الخروج فلا. وهذا قول بعض أصحابنا: أنه إذا لم يمكن التحرُّز من ذلك إلا بترك الاعتكاف، أُلْحِقَ بالمستحاضة.

    فعلى هذا يجوز لمن به سَلَس البول ... (١)

  13. فإن كان في المسجد نهر جارٍ أو بِرَك يفيض ماؤها إلى (٢) بلاليع ونحو ذلك، جاز غسل اليد، وإزالة الوسخ فيها.

  14. فأما الفَصْد والبول ونحو ذلك؛ فلا يجوز على ما ذكره أصحابنا.

    وإذا خرج لحاجة الإنسان، فدخل في طريقه إلى مسجد آخر لِيُتمَّ فيه بقية اعتكافه، جاز. فإن دخل إليه (٣) ليمكث فيه بعضَ مدّة الاعتكاف ثم يعود ... (٤)

  15. وكذلك إن خرج من مسجد إلى مسجد آخر، وليس بينهما ما ليس بمسجد؛ لأنه لا يتعيَّن للاعتكاف بقعةٌ واحدة.

  16. وإن ذهب إلى مسجد هو أبعد عن بيته من المسجد (٥) الأول، بطَلَ اعتكافُه؛ لأنه مشى إليه لغير عذر، فأشبه ما لو خرج إليه ابتداء.

  17. وأما الوضوء، ففي كراهته في المسجد روايتان، فإن خرج من المسجد لتجديد الطهارة، بطل اعتكافه؛ لأن له منه بُدًّا.

    vol. 4, p. 697
  18. وإن خرج للتوَضّي عن حَدَث لم يبطل، سواء كان في وقت صلاة أو لم يكن؛ لأن به إليه حاجة، وهو من تمام سنن الاعتكاف، ولأن الوضوء لابدّ منه، وإنما يتقدّم وقتُه.

    وإن توضّأ للشكِّ في بقاء طهارته، أو خرج لغُسْل الجمعة، فقيل: لا يجوز ذلك ... (١)

  19. فصل (٢)

  20. وأما خروجه للجمعة، فقال القاضي: يكون خروجه بقدر ما يصلي أربعًا قبل الجمعة وأربعًا بعدها، ثم يوافي معتكفَه، فيبني على ما مضى.

  21. وكذلك قال ابن عقيل: لا يُستحبّ له الإطالة، ولكنه يصلي الجمعة، وإن أحبَّ أن يتنفّل تنفّل بأربع (٣) وعاد إلى معتكفه، ولا يزيد على ذلك.

    وقال ابن عقيل: يحصل أن يكون بضيق الوقت أفضل (٤) من البكور إلى الجمعة؛ لأنه إن كان نذرًا فهو واجب، والبكور ليس بواجب، وإن كان تطوُّعًا؛ فقد ترجّح الاعتكاف بتقدّمه على الجمعة.

    vol. 4, p. 698وقال أحمد في رواية أبي داود (١) : يركع بعد الجمعة في المسجد بقدر ما كان يركع. قيل له: فيتعجَّل إلى الجمعة؟ قال: أرجو.

    قال القاضي: وظاهر هذا جواز التقديم إلى الجمعة؛ لأنه بالتقديم هو في مسجدٍ أيضًا.

  22. وقد قيل له في رواية حرب: وقيل: يتطوّع في المسجد الجامع؟ قال: نعم أرجو ألا يضرّه.

  23. فقد نصّ أنه يصلي بعد الجمعة سنّتَها الراتبةَ، قدَّرها القاضي وابن عقيل بأربع، وقال أحمد: يركع عادَتَه. وأطلق التطوُّع في الرواية الأخرى.

  24. وعلى ما قالوه: الأفضل أن يعجّل الرجوعَ إلى معتكَفِه، ويُكره له المُقام بعد السُّنة الراتبة.

  25. وقيل [ق ١٣٢] : يحتمل أن يكون الخِيَرَة إليه في تعجيل الرجوع وتأخيره، كما لو نوى تمام الاعتكاف في الجامع؛ لأنه في مكان يصلح للاعتكاف. وهذا ليس بشيء؛ لأن المكان وإن صَلُح للاعتكاف (٢) ، فليس هو مُعْتَكِفًا فيه حتى ينوي الاعتكاف فيه.

    ولو نوى الاعتكاف فيه، لم يجز له العود إلى معتكَفِه الأول لغير حاجة، فإذا كان من نيّته العودُ إلى معتكفه، لم يكن بمُقامه فيه معتكِفًا، بل يكون مصلّيًا للجمعة، فلا يزيد على القَدْر المشروع، فإن زاد ... (٣)

  26. فصل

    وإذا جوَّزنا له الخروج لعيادة المريض وتشييع الجنازة بغير شرط أو كان قد اشترطه، فإنه لا يزيد على الأمر المسنون، وهو اتِّباعها مِن حين كان يخرج (١) من دارها إلى أن يؤذَن بالانصراف، وأن يجلس عند المريض ما جرى به العُرْف، فإن لم يعلم حين خروجها، فهل ينتظرها؟ ... (٢)

    vol. 4, p. 699
  27. فصل

    قال في رواية المرُّوذي: يجب على المعتكف أن يحفظ لسانه، ولا يؤويه إلا سقف المسجد، ولا ينبغي له إذا اعتكف أن يخيط أو يعمل، وذلك لما رُوي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه قال: «لا يدخل المعتكف تحت سقف» ذكره ابن المنذر (٣) .

  28. وعن إبراهيم قال: «كانوا يحبُّون للمعتكف أن يشترط هذه الخصال، وهي له إن لم يشترط: عيادة المريض، ولا يدخل سقفًا، ويأتي الجمعة، ويشهد الجنازة، ويخرج في الحاجة» (٤) .

  29. وكان إبراهيم يقول: «لا يدخل المعتكف سقيفة إلا لحاجة أو سقف

    vol. 4, p. 700المسجد» (١) .

  30. ومعنى هذا أنه لا يؤويه سقف مسكن.

  31. فأما في حال مروره في طريقه، أو في حال دخوله إلى منزله إذا آواه الباب، أو دخل الكنيف ونحو ذلك مما يحتاج إليه، فلا بأس به.

  32. وهذا لأن مُقامَه تحت السقف دخولٌ إلى المساكن وإقامةٌ فيها، وذلك يخالف حال المقيم في المسجد. ولأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمر الحُيَّضَ أن يُقِمْن في رَحْبة المسجد، لئلا يُقِمْن في مساكنهن.

    فعلى هذا الحائض ... (٢)

  33. فصل

    قال الخِرَقي وابنُ أبي موسى (٣) : ولا يخرج مِن معتَكَفِه إلا لحاجة الإنسان أو صلاة الجمعة.

    وقال غيرهما من أصحابنا: يخرج للاغتسال من الجنابة، لكن ...

  34. فصل (٤)

  35. وأما الأكل فالمنصوص عن أحمد: أن عليه أن يأكل في المسجد، إلا أن يشترط الأكلَ في أهله، ففيه روايتان منصوصتان:

    vol. 4, p. 701إحداهما: ليس له ذلك.

    قال حرب: قيل لأحمد: فيشترط المعتكفُ الغداءَ والعشاءَ في منزله؟ فكَرِه ذلك.

  36. وذلك لأنه شَرَط الخروجَ من المسجد لغير قُربة، فلم يَجُز ذلك، كما لو شَرَط الخروجَ للجماع أو للبيع والشراء أو النوم.

  37. والثانية: له ذلك.

    قال في رواية الأثرم: يَشْترط المعتكفُ أن يأكل في أهله.

  38. ويجوز الشرط في الاعتكاف؛ لأنه شَرْطٌ للخروج لما هو محتاج إليه، فأشْبَه شرطَ الخروج لعيادة المريض وأولى؛ لأنه ربما كان عليه كُلْفة في الأكل والشرب في [غير] (١) منزله.

    وهذه الرواية ... (٢)

  39. فأما إن خرج من المعتَكَفِ لقضاء الحاجة ونحوها مما يجيز الخروجَ، فأكَلَ عند أهله. فقال ابنُ حامد: يأكل في بيته اللقمةَ واللقمتين مع أهله، فأما جميع أكله فلا؛ لأن ذاك يسيرٌ لا يعدُّ به مُعْرِضًا عن الاعتكاف؛ لأن تناول اللقمة واللقمتين لا يمنعه المرور في طريقه، فأشبه مُساءَلَته عن المريض في طريقه.

    وقال غيره: ليس له ذلك؛ لأنه لُبْث في غير معتكَفِه لما له منه بُدٌّ، فأشبه

    vol. 4, p. 702اللبث لمحادثة أهله. فأما إن أكل وهو مارٌّ فلا بأس بذلك؛ لأنه لا احتباس فيه.

    وقال القاضي: يتوجَّه أن يقال: له أن يخرج للأكل في بيته؛ لأن الأكل في المسجد دناءةٌ وسقوطُ مُروءة، ولأنه قد يخفي جِنْس قُوتِه عن الناس، ويكره أن يُطّلع عليه (١) ، مثل الشعير والذرة.

    وقال القاضي وابن عقيل: إذا خرج لحاجة، فأراد أن يقيم للأكل، فالحكم فيه وفي الخروج للأكل ابتداءً واحد.

    قال شيخنا (٢) : يجوز أن يأكل اليسير في بيته، مثل اللقمة واللقمتين مع أهله، فأما جميع أكله، فلا.

  40. وهذا ــ والله أعلم ــ غلَطٌ على ابن حامد، فإنه لا (٣) يُجَوّز الخروجَ ابتداء، وإنما يجوِّز الأكلَ اليسيرَ إذا خرج لحاجة، كما يجوِّز السؤالَ عن المريض في طريقه.

    وقال أبو الخطاب (٤) : إذا خرج لما لا بدّ منه من الأكل والشرب وقضاء حاجة الإنسان، لم يبطُل اعتكافُه، والصوابُ: المنصوصُ؛ لأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يدخل البيتَ إلا لحاجة الإنسان، وهذا يقتضي أنه كان يأكل في المسجد، ولأن الخروج من المسجد منافٍ للاعتكاف، فلا يباح منه إلا

    vol. 4, p. 703القَدْر الذي تدعو إليه الحاجة، ولا حاجة إلى الخروج للأكل والشرب.