مسألة: (وإن سأل عن المريض أو غيره في طريقه، ولم يعرج عليه جاز)
95 paragraphs · vol. 4, p. 692
Page 2 of 3
- vol. 4, p. 703
وإذا أراد أن يأكلَ في المسجد، وضعَ مائدةً أو غيرها لئلا يقع من طعامه فُتاتٌ يلوّث المسجدَ ويسقط فيه شيء من إدامه، كالدِّبْس والعسل، والأولى أن يغسل يده في الطست ليصبَّ الماءَ خارج المسجد لئلا يلوِّث المسجدَ (١) ، ولو خرج لغَسْل يده بطل اعتكافه. قاله القاضي.
وقال ابن عقيل: [ق ١٣٣] إذا احتاج إلى غسل يده، خرج من المسجد كما يخرج للفَصْد والحجامة؛ لأن المسجد تجب صيانته من الأدران والأوساخ.
فأما إذا احتاج إلى الخروج، بأن لا يكون له من يشتري له الطعام فيحتاج أن يخرج ليشتريه ... (٢)
وإن صُنِع له في داره طعام، ولم يكن له من يأتي به ... (٣)
-
فصل (٤)
-
وأما إذا تعينت عليه شهادة أو أحْضَره سلطانٌ (٥) بحقّ، مثل أن يخرجه لإقامة حدٍّ في زنى أو سرقة، أو بغير حقّ، مثل أن يُخْرجه لأخذ ماله، لم يبطل اعتكافه. وقد أباح الله تعالى إخراج المعتدّة لإقامة الحدِّ عليها.
- vol. 4, p. 704
فإن خرج مختارًا للأداء، بطَلَ اعتكافُه، سواء كان (١) قد تعيَّن عليه التحمُّل أو لم يتعيَّن.
-
فصل (٢)
-
وإذا حاضت المرأةُ أو نَفِسَت، فإنه يجب أن تخرج من المسجد؛ لأن المسجد لا يحلّ لجنب ولا حائض، لاسيما إن كانت قد نذرت الصومَ في الاعتكاف، أو قلنا: لا يصحّ إلا بصوم، فإن الحيض لا يصح معه الصوم، ولأن الاعتكاف من جنس الصلاة والطواف، فنافاه الحيض.
قال في رواية حنبل: والمعتكفة إذا حاضت، اعتزلت المسجدَ حتى تطهر، فإذا طهرت قضت ما عليها من الاعتكاف والصومُ ولا كفارة عليها.
-
وكذلك قال أبو بكر: إذا حاضت خرجت، فإذا طهرت رجعت، فبَنَت على اعتكافها.
قال القاضي: إذا خرجت من المسجد، كان لها المضيِّ إلى منزلها لتقضي حيضها ثم تعود. نصَّ عليه.
وقال الخِرَقي وابنُ أبي موسى (٣) وغيرهما: تضرب خباءً في الرَّحْبة.
قال القاضي: وهذا على طريق الاختيار لتكون بقرب المسجد؛ وذلك
vol. 4, p. 705لما روى عبد الرزاق، ثنا (١) الثوريُّ، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «كنّ المعتكفات إذا حِضْن، أمرَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بإخراجهنّ من المسجد، وأن يَضْرِبْنَ الأخبية في رَحْبة المسجد حتى يَطْهرن» رواه المحاملي وابن بطة وغيرهما (٢) .
-
وظاهرُ كلام الخِرَقي (٣) الوجوبُ، على ظاهر أمر النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لهنَّ بضرب الأخبية، ولأن رَحْبة المسجد فناؤه ومختصّة به، فمُقامها فيها ضَرْبٌ من العكوف، بخلاف ذهابها إلى دارها، فإنه خروجٌ عنه بالكلية من غير ضرورة، ولأن الخروج من المسجد إنما يباح للحاجة، والحكم المقيَّدُ بالحاجة مقدّر بقدرها، وإنما يحتاج في الخروج إلى الرَّحْبة خاصة، فذهابها إلى منزلها لا حاجة إليه، ولهذا قالوا: إذا أمكنه قضاءُ (٤) حاجة الإنسان في مكان قريب من المسجد، لم يَجُز له أن يذهب إلى منزله ... (٥)
-
فإن لم يكن للمسجد رَحْبة أو كانت رَحْبة لا يمكنها المُقام فيها، جاز لها الذهاب إلى منزلها.
- vol. 4, p. 706
وهل تدخل تحت السقوف؟ قال أصحابنا: لها ذلك.
-
وإذا خرجت من المسجد، فهل هي في حكم المعتكفة بحيث تحرم عليها المباشرة كما تحرم عليها لو خرجت لحاجة الإنسان ونحو ذلك مما يقصد زمانه؟ ...
-
والحيضُ لا يُبْطِل ما مضى من الاعتكاف، سواء كان اعتكافها زمانًا لا يخلو من الحيض أو أمكن أن ينفكَّ من الحيض، أمكن خلوّ مدة الاعتكاف من الحيض، مثل أن تنذر اعتكاف خمسةَ عشر (١) يومًا، أو لم يمكن، مثل أن تنذر اعتكاف شهر ونحو ذلك، فإذا طَهُرت بنَتَ على ما قبل الحيض، ولم تستأنف الاعتكاف، سواء كان الاعتكاف معينًا، مثل أن تقول: هذا العشر، أو مطلقًا، مثل أن تقول: عشرة أيام.
-
ولا كفارة عليها إن كان منذورًا. نصَّ عليه، وهو قول عامة الأصحاب.
قال بعضهم: لا نعلم فيه خلافًا، لأنه خروجٌ لأمرٍ معتاد، فأشبه الخروج للجمعة والجنابة (٢) وحاجة الإنسان.
-
وطريقةُ بعضِ أصحابنا أنه إن كان معيَّنًا بَنَتْ، وعليها الكفارة في أحد الوجهين، وإن كان مطلقًا، فلها الخيار بين أن تبني وتكفِّر وبين أن تستأنف؛ إلحاقًا لخروج الحائض بخروج المعتدَّة، والخروج لفتنة والنفير ونحو ذلك؛ لأنه خروج يطول زمانُه، فأشبه الخروجَ للفتنة ونحو ذلك.
- vol. 4, p. 707
ولا تحتسب بمدَّة الحيض من الاعتكاف على ما نصَّ عليه في رواية حنبل، وهو قول عامة أصحابه (١) ؛ أبي بكر وابن أبي موسى والقاضي وأصحابه وغيرهم.
-
بل إن كان نذرًا معيَّنًا أو مطلقًا، فعليها قضاء مدَّة الحيض، وإن لم يكن نذرًا لم يكن عليها قضاء، لكن لا يتمّ لها اعتكاف المدَّة التي نَوَتْها إلا بالقضاء.
-
وظاهرُ كلام الخَرِقي أنها إذا أقامت في الرَّحْبة حُسِبَ لها من الاعتكاف كما يُحْسَب له من الاعتكاف خروجُه للحاجة والجمعة، ويتوجَّه أن يحسب مطلقًا (٢) ، ويتوجَّه أن لا قضاء عليها وإن لم يُحسب من الاعتكاف، لاسيّما إن (٣) كانت المدة التي نذرتها مما لا تنفكُّ عن الحيض، فإن مدَّة الحيض تقع مستثناةً بالشرع والنية والنذر (٤) .
-
ووجه الأول: أنه زمنٌ يطول.
-
[ق ١٣٤] فأما المُسْتحاضة، فإنها تقيم في المسجد؛ لِما تقدم عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «اعتكفَتْ (٥) مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - امرأةٌ من أزواجه مُستحاضة، فكانت ترى الحُمْرةَ والصُّفرةَ، وربّما وضعت الطستَ تحتَها وهي تصلي» رواه البخاري (٦) .
- vol. 4, p. 708
ولأن أكثر ما في ذلك أنها مُحْدِثة، وأنه يخرج منها نجاسة لا يمكن الاحتراز منها، لا تَلَوّث المسجد، فإنّ الواجبَ عليها أن تتحفَّظ من تلويث المسجد، إما بالتحفُّظ و إما بوضعٍ (١) شيء تحتها. فإن لم تُمْكِن صيانةُ المسجد منها، خرَجَت منه لأنه عُذْر، وكانت كالتي خرجت ... (٢)
-
ثم إن طالت مدّتُه ...
-
فصل (٣)
-
وإذا وجبت عليها عدَّةُ وفاة وهي معتكفة، فإنها تخرج لتعتدَّ في منزلها وإن كان الاعتكاف منذورًا؛ لأن قضاء العِدّة في منزلها أمرٌ واجب، فخرجت من اعتكافها إليه، كخروج الرجل للجمعة، وخروجها لمجلس الحاكم، وأداء الشهادة، وذلك لأن الاعتكاف وإن كان واجبًا لكن يُقَدَّم عليه قضاء العِدَّة في منزل الزوج ونحوه (٤) لوجوه:
أحدها: أن هذه الأشياء وجبت بالشرع، فتُقدّم (٥) على ما وجب بالنذر؛ لأن نَذْرَه لو جاز أن يتضمّن إسقاط ما يجب بالشرع، لكان له أن يُسقط إيجابَ الشرع عن نفسه، وهذا لا يكون.
-
الثاني: أن قضاء العدَّة في منزل الزوج يتعلّق بها حقٌّ لله تعالى وحقٌّ
vol. 4, p. 709للزوج، فيأخذ شَبَهًا من الجمعة ومن أداء الشهادة، فيكون أوكد مما ليس فيه إلا مجرَّد حقّ الله تعالى.
-
الثالث: أن الاعتكاف يمكن استدراك ما فات منه بالقضاء، بخلاف المُكْث في منزلها، فإنه (١) لا يُقضى بعد انقضاء العدة.
-
الرابع: أن الاعتكاف يجوز تركه للعذر، وهذا عذرٌ من الأعذار.
-
فأما عدّة الطلاق الرجعيّ ــ إذا قلنا: هي كالمتوفَّى عنها على المنصوص ـ وعدّة الطلاق البائن ــ إذا قلنا بوجوبها في منزلها على رواية، أو اختار الزوجُ إسكانها في منزله في (٢) الرجعيّ والبائن ــ فينبغي أنه إن كان الاعتكاف بإذنه ... (٣) ، وعليها قضاء ما تركَتْه من الاعتكاف إن كان واجبًا. ويُستحبّ لها قضاؤه إن كان مستحبًّا بغير تردّد؛ لأنها تركت الاعتكاف لأمرٍ غير معتاد، وهو مما يطولُ زمانُه (٤) .
-
وظاهر ما ذكره (٥) القاضي في «خلافه» : أنه ليس عليها استئناف الاعتكاف، كما لو أخرجها السلطانُ إلى مسجدٍ آخر، أو خرجت لصلاة الجمعة.
-
ثم إن كان معيَّنًا، فإنها تَبني على ما مضى، وفي الكفّارة وجهان حكاهما
vol. 4, p. 710ابنُ أبي موسى (١) ، أحدهما: عليها الكفارة. قاله الخِرَقي (٢) .
-
وإن كان مطلقًا، فقيل: لها الخيار بين أن تبني وتُكَفِّر، وبين أن تستأنف الاعتكاف.
وقال القاضي: إذا قال: لله عليَّ أن أعتكف شهرًا متتابعًا، وخرج منه لعذر، لم يبطل اعتكافه، وإن خرج بغير عذر بطل اعتكافه وابتدأ.
-
والأعذار التي لا تُبْطل: إما فعل واجب، أو ما يُخَاف عليه فيه الضَّرر كالخوف والمرض، والكفَّارةُ على ما تقدم.
-
فصل (٣)
-
وإذا وقعت فتنةٌ خاف منها على نفسه أو ماله أو أهله الحاضر عنده أو الغائب، فله أن يخرج، سواء كان واجبًا أو تطوُّعًا.
قال أحمد في رواية أبي داود (٤) : المعتكف ببغداد إذا وقعت (٥) فتنة، يدع اعتكافَه ويخرج وليس عليه شيء إنما هو تطوُّع، والمعتكف ينفر إذا سمع النفير؛ وذلك لأن ما وجب بأصل الشرع من الجمعة والجماعة يجوز تركُه بمثل هذا، فما وجب بالنذر أولى.
-
ثم إن كان تطوّعًا، فإن أحبّ أن يتمّه، وإن أحبّ أن لا يتمّه. وإن كان
vol. 4, p. 711واجبًا بالنذر معيَّنًا، مثل: هذا الشهر، فإنه يَبْني على ما مضى ويقضي ما تركَه.
-
وهل يجب في القضاء أن يكون متصلًا متتابعًا؟ أو يجوز أن يفرِّقه ويقطعه؟ على وجهين، وعليه كفارة يمين لفوات التعيين في المشهور عند أصحابنا.
-
وذكر ابنُ عقيل أن أحمد نصَّ فيمن خرج لفتنة: يكفّر كفارةَ يمين ويبني؛ لأن هذا قَطْعٌ للاعتكاف بأمر غير معتاد، وهو لِحَظِّه.
ومما يبد ... (١)
-
وإن كان مطلقًا غير متتابع، مثل «عشرة أيام» ، فإنه يبني على ما فعل، لكن يبتدئ اليوم الذي خرج فيه من أوله، لأن التتابُعَ في اليوم الواحد واجب.
-
وإن كان مطلقًا متتابعًا، فله الخيار بين (٢) أن يستأنف ولا كفَّارة عليه، أو يبني على ما فعل وعليه الكفارة. هذا هو المشهور في المذهب.
وروى ... (٣)
-
ولو خاف انهدام المسجد عليه، أو (٤) انهدمَ بحيثُ لم يمكنه إتمام (٥) الاعتكاف، فإنه يخرج فيتمّه في غيره، ولا يبطل اعتكافُه، ولا كفَّارة عليه.
- vol. 4, p. 712
ومثل هذا إذا مرض مرضًا لا يمكنه المُقام معه في المسجد، كالقيام المُتَدَارَك (١) وسَلَسل البول والإغماء، أو يمكنه القيام بمشقَّة شديدة، بأن يحتاج إلى خدمة وفراش؛ فله ترك الاعتكاف، ويكون كما لو تركه للخوف.