مسألة: (ثم يصلي ركعتين ويحرم عقيبهما؛ وهو أن ينوي الإحرام، ويستحب أن ينطق به ويشترط)
61 paragraphs · vol. 5, p. 266
Page 1 of 2
- vol. 5, p. 266
في الأُزر والأردية والنعال، ولأن ستر العورة والمنكبين مشروع في الصلاة وغيرها، وسترهما بالمخيط غير جائز، فيستر عورته بإزارٍ، ومنكبيه برداءٍ.
-
ولم يذكر أحمد والخرقي والشيخ وأبو الخطاب وغيرهم الأمرَ بالإحرام في نعلين، وذكره القاضي وابن عقيل وغيرهما لما تقدم، وليس بينهما خلاف، وإنما يُشرَع ذلك لمن أراد أن يمشي وينتعل، ومن أراد الركوب أو المشي حافيًا من غير ضررٍ فله أن لا ينتعل، بخلاف اللباس فإنه مشروعٌ بكل حال.
-
وإنما استحبَّ أصحابنا البياضَ. . . (١) .
-
وسواء كانا جديدين أو غَسِيلَينِ ليس أحدهما أفضلَ. . . .
-
وإن أحرم في مُلوَّنٍ لا يُكْره لبسُه، فجائزٌ من غير كراهة.
-
وإنما استحببنا أن يكونا نظيفين من النجاسة ومن الوسخ. . . .
-
مسألة (٢) : (ثم يصلِّي ركعتين ويُحرم عقيبَهما؛ وهو أن ينوي الإحرام، ويُستحبُّ أن ينطق به ويشترط فيقول: اللهم إني أريد النسك الفلاني، فإن حبسني حابسٌ فمحلِّي حيث حبستَني) .
-
في هذا الكلام فصول:
vol. 5, p. 267أحدهما
أنه يُستحبّ أن يكون الإحرام بعد صلاةٍ؛ لأن الذين وصفوا حج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلهم ذكروا أنه صلّى في مسجد ذي الحليفة كما سيأتي، ثم أحرم عقب ذلك، وفي بعض الروايات من حديث ابن عباس وأنس أنها كانت صلاة الظهر (١) .
-
وعن ابن عمر كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يركع بذي الحُلَيفة ركعتين، ثم إذا استوتْ به الناقةُ قائمةً عند مسجد ذي الحليفة أهلَّ بهؤلاء الكلمات، يعني التلبية. رواه مسلم (٢) .
-
ثم إن حضرت صلاة مكتوبة أحرم عقيبها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحرم عقيب المكتوبة ولم يصلِّ بعدها شيئا، ولم يكن يصلِّي مع الفرض شيئا. وإن صلَّى بعدها سنة أو ركعتين ... (٣) ، وإن لم تحضر مكتوبة صلّى ركعتين إن كان وقت صلاة. فإن كان وقت نهي ... (٤) ، وإن لم يُصَلِّ فلا بأس.
قال عبد الله (٥) : سألت أبي: يحرم الرجل في دُبُرِ الصلاة أحبُّ إليك؟ قال: أعجبُ إليَّ أن يصلي، فإن لم يُصلِّ فلا بأس.
-
وكذلك نقل ابن منصور (٦) عنه، وقد سئل: يُحرِم في دُبُرِ الصلاة أحبُّ
vol. 5, p. 268إليك؟ قال (١) : أعجبُ إليَّ أن يُصلِّي، فإن لم يُصلِّ فلا بأس.
-
الفصل الثاني
في الوقت الذي يُستحب فيه الإحرام
والذي عليه أصحابنا: أنه يستحب الإحرام في دُبُر الصلاة وهو جالس مستقبلَ القبلة، وإن أحرم بعد ذلك فحسن. وقد تقدَّم قول أحمد في رواية المرُّوذي (٢) : فإن وافقتْ صلاةٌ مكتوبة صلَّيتَ، وإلا (٣) فصلِّ ركعتين، فإن أردتَ المتعة فقلْ: اللهمَّ إني أريد العمرة فيسِّرها لي وتقبَّلها مني وأعنّي عليها، تُسِرُّ ذلك (٤) في نفسك (٥) مستقبلَ القبلة، وتشترط عند إحرامك تقول: إن حبسني حابسٌ فمحلِّي حيث حبستَني. وإن شئتَ أهللتَ على راحلتك (٦) . وذكر في الإفراد والقران مثلَ ذلك، إلا أنه قال: فقل اللهمَّ إني أريد العمرة والحج فيسِّرهما لي وتقبَّلْهما مني، لبيك اللهم عمرةً وحجًّا، فقُلْ (٧) ذلك.
-
وكذلك قال في رواية حنبل (٨) : إذا أراد الإحرام فإن وافق صلاة مكتوبة
vol. 5, p. 269صلَّى ثم أحرم، وإن شاء إذا استوى على راحلته، وإن (١) أحبّ أن يُحرم من المسجد أحرم، وإن شاء بعدما صلَّى في دُبُرِ الصلاة، فأيَّ ذلك فَعَل أجزأه. يعني (٢) بعد خروجه من المسجد (٣) في حديث ابن عمر.
وقال في رواية عبد الله (٤) : فإن وافق صلاةً مكتوبةً صلَّى ثم أحرم، وإن شاء إذا استوى على راحلته.
وقال في رواية أبي طالب (٥) : إذا أراد الإحرام استحبّ له أن يغتسل، ويلبس إزارًا ورداء، فإن وافق صلاة مكتوبة صلّى ثم أحرم، وإن شاء إذا استوى على راحلته، فلبَّى تلبية النبي - صلى الله عليه وسلم -.
-
وجعل القاضي (٦) وغيره هذه النصوص منه مقتضيةً للاستحباب عقيبَ الصلاة، وإن شاء أحرم إذا استوت به راحلته؛ لأن أحمد بدأ بالأمر بذلك [ق ١٩٢] ثم جوَّز الآخر، ولأنه إنما شُرِع الإحرام عقيب الصلاة (٧) بناءً على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحرم عقيبهما، فيكون ذلك زائدًا على رواية (٨) من روى أنه أحرم عند استواء ناقته وانبعاثها به، ولأنه إذا كان مشروعا في هاتين الحالتين فتقديمه أفضل.
vol. 5, p. 270وقال (١) في رواية الأثرم (٢) وقد سئل: أيُّما أحبُّ إليك: الإحرام في دبر الصلاة، أو (٣) إذا استوت به ناقته؟ قال: كلٌ قد جاء: دُبُر الصلاة، وإذا استوت به ناقته (٤) ، وإذا علا البيداءَ.
قال القاضي (٥) : وظاهر هذا أنه مخيَّر في جميع ذلك، وليس أحدهما بأولى من الآخر.
-
ولفظ أبي الخطاب (٦) : وعنه أن إحرامه عقيب الصلاة، وإذا استوى على راحلته، وإذا بدأ في السير= سواء. ولفظ غيره فيها: أن الإحرام عقيب الصلاة وحين تستوي به راحلته على البيداء سواء.
-
والمذهب على ما حكينا، وأن المستحب أن يُحرِمُ دُبرَ الصلاة. ومعنى قولنا: «إذا استوى على راحلته» أنها الحال التي يريد أن يأخذ في المسير.
-
وقد نقل عبد الله (٧) عن أبيه: أنه يلبس ثوبيه (٨) ، ثم يقلِّد بدنتَه، ثم يُشعِر، ثم يحرم. هكذا الأمر، هكذا (٩) يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
- vol. 5, p. 271
وعلى هذا يُستحب الإحرام إذا ركب وأراد الأخذ في السير؛ لأن تقليد الهدي وإشعاره بعد الصلاة، وقد جعل الإحرام بعده.
-
وإذا أحرم دُبر الصلاة ففي أول أوقات التلبية ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يلبّي إذا استوتْ به راحلته كما ذكره الشيخ، قاله الخرقي (١) ، وذكره القاضي (٢) وابن عقيل في «المجرد» و «الفصول» ، وهو المنصوص عنه في رواية الأثرم؛ قال (٣) : قد يكون الرجل محرمًا بغير تلبية إذا عزم على الإحرام، وقد يلبِّي الرجل ولا يُحرِم، ولا يكون عليه شيء وهو يَعزِم على الإحرام، فإذا انبعثتْ به راحلتُه لبَّى.
-
والثاني: أن أول حالٍ تُشرع فيها التلبية إذا أشرف على البيداء، لا في أول الإحرام، ذكره القاضي في بعض المواضع.
-
والثالث: أنه يلبِّي عقيبَ إحرامه في دُبُر الصلاة، وهو الذي استقرَّ عليه قول القاضي (٤) وغيره من أصحابنا، وقد نصّ في رواية المرُّوذي (٥) على أنه يَصِل الإحرام بالتلبية.
-
قال أحمد في رواية حرب (٦) وقد سأله عن الرجل إذا أحرم في دُبُر
vol. 5, p. 272الصلاة أيلبِّي ساعةَ يُسلِّم أم متى (١) ؟ قال: يلبِّي متى شاء ساعةَ يُسلِّم، وإن شاء بعد ذلك، وسهَّل فيه.
-
وأكثر نصوص أحمد تدلُّ على أن زمن الإحرام هو زمن التلبية، كما تقدَّم عنه أنه مخيَّر بين الإحرام والإهلال عقيب الصلاة وعلى الراحلة، ولم يذكر في شيء من ذلك أنه يحرم عقيب الصلاة ويلبي إذا استوت به راحلته.
-
وسبب هذا: الاختلافُ في وقت إحرام النبي - صلى الله عليه وسلم - وإهلاله، فروى نافع قال: كان ابن عمر يأتي مسجد ذي الحليفة فيصلّي، ثم يركب فإذا استوت به راحلته قائمةً أحرم، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. رواه البخاري (٢) .
-
وفي لفظ له (٣) : «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يركب راحلته بذي الحليفة، ثم يهلّ حين تستوي به قائمة» .
-
وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: «بيداؤكم هذه التي تكذبون على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها (٤) ما أهلَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا من عند المسجد (٥) » يعني مسجد ذي الحليفة. وفي رواية: «ما أهلّ إلا من عند الشجرة حين قام به بعيره» . متفق عليهما (٦) .
-
وفي رواية عنه: سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُهِلُّ ملبِّدًا يقول: لبيك اللهم
vol. 5, p. 273لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملكَ لا شريك لك (١) . وقال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يركع بذي الحليفة ركعتين، ثم إذا استوت به الناقة قائمةً عند مسجد ذي الحليفة أهلَّ بهؤلاء الكلمات». رواه مسلم (٢) .
-
وعنه أيضا قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا وضع رِجْلَه (٣) في الغَرْز وانبعثَتْ به راحلته قائمةً أهلَّ من ذي الحليفة. متفق عليه (٤) .
-
وهذا يبيِّن أنه أهلّ لما انبعثت به (٥) إلى القيام وهو استواؤها؛ لأن البعير إذا نهض يكون منحنيًا، فإذا استوى صار (٦) قائما.
-
وهذا كله يبيِّن أنه أهلّ حين استواء البعير وإرادة المسير قبل أن يشرع في السير، فعلى هذا تكون التلبية عوضًا عن الذكر المشروع.
-
وعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - أن إهلال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ذي الحليفة حين استوتْ به راحلته. رواه البخاري (٧) ، وقال: رواه أنس وابن عباس.
-
وعن أنس بن مالك قال: صلّى النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة أربعًا، وبذي الحليفة ركعتين، ثم بات حتى أصبح بذي الحليفة، فلما ركب راحلته واستوتْ به
vol. 5, p. 274أهلَّ. رواه البخاري (١) ، ولمسلم (٢) إلى قوله: «ركعتين» .
-
وعن ابن عباس قال: صلَّى النبي - صلى الله عليه وسلم - الظهر بذي الحليفة، ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سَنامها الأيمن، وسَلَتَ الدمَ عنها، وقلَّدها نعلين، ثم ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء أهلَّ بالحج. رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي (٣) .
-
فهذه نصوص صحيحة أنه إنما أهلّ [ق ١٩٣] حين استوت به (٤) راحلته واستوى عليها، ورُواتها مثل ابن عمر وجابر وأنس وابن عباس في رواية صحيحة.
-
ثم من قال من أصحابنا: يُحرِمون عقيب الصلاة قال: قد جاء أنه أحرم عقيب الصلاة، وهنا أنه أهلّ إذا استوتْ به راحلته، فتُحمَل تلك الرواية على الإحرام المجرَّد، وهذه على الإهلال (٥) ؛ لأن التلبية إجابة الداعي، وإنما تكون (٦) الإجابة إذا أراد أن يأخذ في الذهاب إليه، بخلاف الإحرام فإنه عقدٌ وإيجاب، ففعلُه عقيب الصلاة أقرب إلى الخشوع.
-
وأما رواية البيداء فروي عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلّى الظهر ثم ركب راحلته، فلما علا على جبل البيداء أهلَّ. رواه أحمد وأبو داود
vol. 5, p. 275والنسائي، وقد روى البخاري (١) نحوه.
-
وعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال: لما أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [الحج] (٢) أذَّن في الناس فاجتمعوا، فلما أتى البيداء أحرم. رواه الترمذي (٣) وقال: حديث حسن صحيح.
-
ورواه مسلم (٤) في حديثه الطويل، ولفظه: «فصلَّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد، ثم ركب القَصْواء (٥) ، حتى إذا استوت به ناقته (٦) على البيداء نظرت (٧) إلى مدِّ بصري بين يديه من راكبٍ وماشٍ، وعن يمينه مثلَ ذلك، ومن خلفه مثلَ ذلك، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله، وما عمِلَ به من شيء عملنا به، فأهلَّ بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك، [لبّيك] لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملكَ، لا شريك لك».
- vol. 5, p. 276
وعن سعد (١) بن أبي وقّاص قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أخذ طريقَ الفُرع أهلَّ إذا استقلَّت (٢) به راحلته، وإذا أخذ طريق أُحُدٍ أهلَّ إذا أشرف على جبل البيداء. رواه أبو داود (٣) .
-
ووجه الأول ما روى خُصَيف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لبَّى في دُبر الصلاة. رواه الخمسة إلا أبا داود (٤) ، ولفظ أحمد: «لبَّى في دُبُر الصلاة» . وقال الترمذي: حديث حسن غريب.