مسألة: (ثم يصلي ركعتين ويحرم عقيبهما؛ وهو أن ينوي الإحرام، ويستحب أن ينطق به ويشترط)

61 paragraphs · vol. 5, p. 266

Page 2 of 2

  1. وفي رواية لأحمد (٥) وأبي داود عن سعيد قال: قلت لابن عباس: عجبًا لاختلاف أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في إهلاله، فقال: إني لأعلمُ الناسِ بذلك، إنما كانت منه حجةٌ واحدةٌ فمن هنالك اختلفوا. خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاجًّا، فلما صلّى في مسجده بذي الحليفة ركعتيه (٦) أوجبَ في مجلسه، فأهلَّ بالحج حين فرغ من ركعتيه، فسمع ذلك منه أقوام، فحفظوا عنه، ثم

    vol. 5, p. 277ركب فلما استقلَّت به ناقته أهلَّ، فأدرك ذلك منه أقوام فحفظوا عنه، وذلك أن الناس إنما كانوا يأتون أَرْسالًا، فسمعوه حين استقلَّت به ناقته، ثم مضى فلما علا على شرف البيداء أهلَّ، فأدرك ذلك أقوام فقالوا: إنما أهلَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين علا شرفَ البيداء، وأيْمُ اللهِ لقد أوجبَ في مصلَّاه، وأهلَّ حين استقلَّت به راحلته، وأهلَّ حين علا على شرف البيداء.

    vol. 5, p. 276
  2. ورواه الأثرم (١) وقال: أوجب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الإحرام حين فرغ من صلاته، ثم خرج فلما ركب راحلته واستوت به ناقته أهلَّ. ولعل هذا اللفظ هو الذي اعتمده بعض أصحابنا.

  3. ورُوي [في حديث آخر] (٢) عن ابن عباس أنه قال: أهلَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مسجد ذي الحليفة وأنا معه، وناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند باب المسجد وابن عمر معها، ثم خرج فركب فأهلَّ، فظنَّ ابن عمر أنه أهلَّ في ذلك الوقت.

  4. وهذه رواية مفسّرة فيها زيادةُ علمٍ واطلاعٍ على ما خفي في غيرها، فيجب تقديمها (٣) واتباعها، وليس هذا مخالفًا لما تقدَّم عنه أنه أهلَّ حين استوت به على البيداء؛ لأن تلك الرواية بعض هذه.

  5. وعن أشعث بن عبد الملك عن الحسن عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

    vol. 5, p. 278صلّى الظهر بالبيداء، ثم ركب وصعد جبل البيداء، وأهلَّ بالحج والعمرة حين صلّى الظهر. رواه النسائي (١) .

  6. ويدلُّ عليه ما روى عمر قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بوادي العقيق يقول: «أتاني الليلةَ آتٍ من ربي عز وجل فقال: صلِّ في هذا الوادي المبارك وقلْ: عمرة في حجة» (٢) . وفي لفظ: «عمرة وحجة» رواه البخاري (٣) وغيره، فلم يجعل بين الصلاة والإحرام فصلًا.

  7. وأيضًا فإن كلّ صلاةٍ مشروعة لسبب بعدها فإنه يُستحب أن يُوصَل بها، كصلاة الاستخارة وصلاة الحاجة وصلاة (٤) الاستسقاء وغير ذلك.

  8. وأيضًا (٥) فإن إحرامه جالسًا مستقبلَ القبلة أقربُ إلى اجتماع همِّه وحضورِ قلبه، وهو بعد الصلاة أقربُ إلى الخشوع منه عند الركوب، فإحرامه حالَ الخشوع أولى.

  9. وقد بيَّن في هذا الحديث أنه لبَّى عقيبَ الصلاة، وكذلك جميع الأحاديث ليس فيها فرقٌ بين الإحرام والتلبية. بل التلبية (٦) والإهلال والإحرام وفرْضُ الحج بمعنى واحد، ولهذا في حديث ابن عمر: أنه أحرمَ حين استوتْ [ق ١٩٤] به ناقته. وفي لفظٍ: «أنه أهلَّ» ، فعُلِم أنه إنما قصد ابتداء الإحرام.

  10. فمن زعم أنه أحرم ولم يلبِّ، ثم لبَّى حين استوتْ به ناقته، فهو مخالف لجميع الأحاديث ولعامة نصوص أحمد.

    vol. 5, p. 279
  11. والإحرام من مكة من المتمتع كغيره، يحرم عقيب الركعتين اللتين يصلّيهما بعد طواف سبع، ذكره القاضي وغيره، وقد قال أحمد في رواية حرب: إذا كان يوم التروية أهلَّ بالحج من المسجد.

  12. والمنصوص عنه في رواية عبد الله (١) في حق المتمتع: إذا كان يوم التروية طاف بالبيت، فإذا خرج من المسجد لبَّى بالحج.

  13. فذكر أنه يُهِلُّ إذا خرج من المسجد.

  14. وفي موضع آخر (٢) : قلت: من أين يحرم بالحج؟ قال: إذا جعل البيت خلفَ ظهره، قلت: فإن بعض الناس يقول: يحرم من الميزاب، قال: إذا جعل البيت خلف ظهره أهلَّ.

  15. فقد نصَّ على أنه يُهِلُّ إذا أخذ في الخروج من المسجد والذهاب إلى منًى، وهذا يوافق رواية من روى أنه يُهِلُّ إذا استقلَّتْ به ناقته خارجًا من مسجد ذي الحليفة.

  16. والتلبية عقيبَ الإحرام إنما تُستحب إذا كانت في البرِّية والصحراء، فإن كانت في الأمصار لم تُستحب حتى يبرز؛ لأنها لا تُستحب في الأمصار. ذكره القاضي (٣) في رواية أحمد بن علي، وقد سئل إذا أحرم في مصره يلبّي،

    vol. 5, p. 280فقال: ما يُعجِبني. كأنه ذهب إلى التلبية من وراء الجدر.

    وقال في رواية المرُّوذي (١) : التلبية إذا برز عن البيوت.

    فإن كان الإحرام في مسجد في البرِّية أو في قرية ... (٢) .

  17. الفصل الثالث

    أن الإحرام ينعقد بمجرد النية عند أصحابنا.

    قال أحمد في رواية الأثرم (٣) : الرجل يكون محرمًا بالنية إذا عقد على الإحرام، وحديث قيس بن سعد أنه نظر إلى هَدْيِه مقلَّدًا (٤) ، فقال: ذاك كان قد عقد الإحرام بتقليده الهدي، وكان ابن عمر لا يسمِّي حجًّا ولا عمرة (٥) . وقد يكون الرجل محرمًا بغير تلبية إذا عزم على الإحرام، وقد يلبّي الرجل ولا يُحرِم ولا يكون عليه شيء وهو يعزم على الإحرام، فإذا انبعثت به راحلته لبَّى.

  18. فصل

    وقد استحب أصحابنا أن ينطق بما أحرم به، وقد تقدَّم نصه على ذلك في رواية المرُّوذي، فيقول: اللهم إني أريد العمرة فيسِّرْها لي، وتقبَّلْها مني.

    vol. 5, p. 281
  19. لأن في حديث علي أنه قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - حين قال له: «كيف قلت حين فرضتَ الحج؟» قال: قلت: اللهم إني أُهِلُّ بما أهلَّ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. رواه مسلم (١) .

  20. وفي حديث عمر (٢) عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أتاني آتٍ من ربي وقال: قل: عمرة في حجة» ، وفي لفظ: «عمرة وحجة» (٣) . وفي حديث ابن عمر: «أُشهِدكم أني قد أوجبتُ عمرة، ثم قال: أُشهِدكم أني قد جمعتُ حجة مع عمرة» (٤) .

    واستحبوا الاشتراط، وهو منصوصه (٥) أيضًا ... (٦) .

    وقال ابن أبي موسى (٧) : يُستحبّ له الاشتراط، وهو أن يقول بعد التلبية: إن حبسني حابسٌ فمحلِّي حيث حبستَني.

  21. وأكثر أصحابنا يقولون: ينطق بالاشتراط قبل التلبية.