مسألة: (وهو مخير بين التمتع والإفراد والقران، وأفضلها التمتع، وهو أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ويفرغ منها، ثم يشرع في الحج في عامه، ثم الإفراد، وهو أن يحرم بالحج مفردا، ثم القران)

287 paragraphs · vol. 5, p. 282

Page 1 of 8

  1. مسألة (١) : (وهو مخيَّر بين التمتع والإفراد والقران، وأفضلُها التمتع، وهو أن يُحرم بالعمرة في أشهر الحج، ويفرغ منها، ثم يشرع في الحج في عامه، ثم الإفراد، وهو أن يُحرم بالحج مفردًا، ثم القِران، وهو أن يُحرم بهما أو يُحرم بالعمرة ثم يُدخِل عليها الحج، ولو أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة لم ينعقد إحرامه بالعمرة) .

    vol. 5, p. 282
  2. في هذا الكلام فصول:

    أحدها

    أن من أراد النسك فهو مخيَّر بين التمتع والإفراد والقران، فإذا أراد أن يجمع بين النسكين في سفرة واحدة يمرُّ فيها على الميقات في أشهر الحج، فالأفضل: التمتع، ثم الإفراد، ثم القران لمن لم يَسُقِ الهدي.

  3. قال أبو عبد الله - رحمه الله - في رواية المرُّوذي (٢) ما تقدم، حيث خيّره بين الثلاثة واختار له المتعة.

    وقال في رواية صالح (٣) : التمتع آخر فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، والذي نختار المتعة؛ لأنه آخر ما أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو يجمع الحج والعمرة جميعًا، ويعمل (٤) لكل واحد منهما على حدةٍ، ولما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة أمر أصحابه أن يحلّوا، وقال: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أسُقِ الهدي.

  4. ولأحللتُ كما تحلّون»، وهذا بعد أن قدم مكة، وهو آخر الأمرين.

    وقال عبد الله (١) : سألت أبي عن القِران والإفراد، قال: التمتع آخر فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، يعني أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقال: سمعت أبي يقول: والمتعة آخر الأمرين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويجمع الله فيها الحج والعمرة، واختيار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لها إذ قال: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أسُقِ الهدي» . فلم يحلّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه ساق الهدي.

    vol. 5, p. 283
  5. وسئل عن القران (٢) ، قال: التمتع (٣) أحبُّ إليَّ، وهو آخر الأمر [ين] من النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقال - صلى الله عليه وسلم -: «اجعلوا حجَّكم عمرة» (٤) ، قال أبو عبد الله: يعني الحج، والأمران من [ق ١٩٥] سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فالحج والمتعة على هذا من سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -.

    وقال في رواية أبي طالب: ... (٥) .

  6. فلما قدم مكة قال: اجعلوا حجَّكم عمرةً فأمرهم بالعمرة، وهي آخر الأمرين من النبي - صلى الله عليه وسلم -.

  7. وهذا بيِّن إلا من (٦) ضاق علمه بالفقه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أهلَّ بالحج

    vol. 5, p. 284وأصحابه، ولم يكونوا يرون إلا أنه الحج، فلما قدم مكة قال: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أسُقِ الهديَ ولأحللتُ كما تحلُّون» . فقالوا: أيّ الحلّ؟ قال: «الحلّ كلّه» ، قالوا: نخرج كذا وكذا، فقال: «أحِلُّوا» . وغضب، فحلُّوا، فقال سُراقة بن مالك: يا رسول الله، عمرتنا لعامنا هذا أم للأبد؟ فقال: «بل (١) للأبد».

  8. وأما إذا ساق الهدي ففيه روايتان:

    إحداهما: القران أفضل، قال في رواية المرُّوذي (٢) : إن ساق الهدي فالقران أفضل، وإن لم يَسُق فالتمتع. نقلها أبو حفص.

  9. والثانية: التمتع أفضل بكل حال، وقد صرَّح بذلك في رواية حرب، قال: سمعت أبا عبد الله يقول: أنا أختار في الحج التمتع، قال: وقال ابن عباس هي واجبة (٣) . قال: وسألته مرة أخرى ما تختار في الحج؟ قال: أنا أختار التمتع، يدخل مكة بعمرة ويطوف بالبيت، وبين الصفا والمروة، ويحلُّ إن لم يكن معه هدي، فإذا كان يوم التروية أهلَّ بالحج من المسجد، وإن كان ساق الهدي طاف بالبيت وبين الصفا (٤) والمروة لعمرته، ثم أقام (٥) على إحرامه (٦) ، فإذا

    vol. 5, p. 285كان يوم التروية أهلَّ بالحج. هذا مذهبه.

  10. وذلك لِما اعتمده أحمد وبنى مذهبه عليه، وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أحرم هو وأصحابه من ذي الحليفة قال: «من شاء أن يُهِلَّ بحج، ومن شاء أن يُهِلَّ بعمرة، ومن شاء أن يُهِلَّ بعمرة وحج» (١) ، فلما قدِموا مكة أمرهم كلهم أن يحلّوا من إحرامهم إذا طافوا بالبيت وبالصفا والمروة، ويجعلوها عمرة، ويتمتعوا بالعمرة إلى الحج (٢) إلا من ساق الهدي، فإن سوق الهدي يمنعه من التحلل. وكان دخولهم مكة يوم الأحد رابعَ ذي الحجة، فلما كان يوم التروية أمرهم أن يُهِلُّوا بالحج، فحج المسلمون كلهم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأمره متمتعين حجة الوداع التي هي أكمل بها الدين وأتمّ بها النعمة، وقد كرهوا ذلك، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يأمرهم (٣) بالمتعة، ويغضب على من لم يفعلها ويقول: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لما سقتُ الهدي، ولولا الهدي لأحللتُ» ، لعلمه بفضل الإحلال.

  11. فثبت بذلك أن المتعة أفضل من حجة مفردة، ومن القران بين العمرة والحج، من وجوه:

    أحدها: أنها آخر الأمرين من النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإنه أمرهم بها عينًا بعد أن خيَّرهم عند الميقات بينها وبين غيرها، فعُلِم أنه لم يكن يعلم أولًا فضل المتعة حتى أمره (٤) الله بها وحضَّه عليها، فأمر أصحابه بها وحضَّهم عليها،

    vol. 5, p. 286ولو كان - صلى الله عليه وسلم - يعلم أولًا مِن فضل المتعة ما علمه بعد قدومه مكة لكان قد أمرهم بالإهلال بها من الميقات، ولم يُخيِّرهم بينها وبين غيرها، ليستريح من كراهتهم لفسخ الحج ومشقته عليهم، فإنه ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا (١) ، ولهذا قال: « [لو استقبلتُ من أمري] ما استدبرتُ لما سقتُ الهدي ولجعلتها عمرة» (٢) .

  12. الثاني: أن المسلمين حجوا معه متمتعين جميعهم إلا من ساق الهدي وكانوا قليلًا، وذلك بأمره، وأمرُه - صلى الله عليه وسلم - أبلغُ في الإيجاب والاستحباب من فعله لو (٣) كان الفعل معارضًا له، {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: ٣٦] ، ولا ينبغي لمؤمنٍ (٤) أن يختار لنفسه غير ما اختاره (٥) الله ورسوله.

  13. الثالث: أن هذه الحجة حجة الوداع، لم يحج النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمسلمين قبلها ولا بعدها، وفيها أكمل الله الدين، وأتمَّ النعمة، وأُحْيِيتْ مشاعرُ إبراهيم عليه السلام، وأُمِيتَ أمرُ الجاهلية، فلم يكن الله تعالى ليختار (٦) لرسوله وللمؤمنين من السُّبل إلا أقومَها، ومن الأعمال إلا أفضلها، وقد اختار (٧) لهم المتعة.

  14. وهذه الجملة التي ذكرناها من حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمْرِه المسلمين بالمتعة مما أجمع عليه علماء الأثر، واستفاض بين أهل العلم، واشتهر حتى لعله قد تواتر عندهم، ونحن نذكر من الأخبار بعضَ ما يبيِّن ذلك:

    فروى الزهري عن سالم عن أبيه قال: تمتَّع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأهلَّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحج، وتمتَّع الناس مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى فساق الهدي (١) ، ومنهم من لم يُهْدِ، فلما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة [ق ١٩٦] قال للناس: «من كان منكم (٢) أهدى فإنه لا يحلُّ من شيء حَرُمَ منه حتى يقضي حجّه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطفْ بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصِّر ولْيَحْلِل، ثم ليُهِلَّ بالحج (٣) ولْيُهْدِ، فمن لم يجد فصيام ثلاثةِ أيام في الحج وسبعةٍ إذا رجع إلى أهله». وطاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قدم مكة، فاستلم الركن أولَ شيء، ثم خبَّ ثلاثة أطواف من السبع، ومشى أربعة أطواف، ثم ركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين، ثم سلّم فانصرف، فأتى الصفا، فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف، ثم لم يَحْلِلْ من شيء حَرُم منه حتى قضى حجَّه ونحر هدْيَه يوم النحر، وأفاض فطاف بالبيت، ثم حلَّ من كل شيء حرم منه، وفعل مثل ما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أهدى فساق الهديَ من الناس (٤) .

    vol. 5, p. 287
  15. وعن الزهري عن عروة عن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها (١) أخبرته عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تمتُّعه بالعمرة إلى الحج وتمتُّع الناس معه بمثل الذي أخبرني سالم عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. متفق عليه (٢) .

    vol. 5, p. 288
  16. وعن سالم أنه سمع رجلًا من أهل الشام وهو يسأل عبد الله بن عمر عن التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال عبد الله بن عمر: هي حلال، قال الشامي: إن أباك قد نهى عنها. فقال عبد الله بن عمر: أرأيتَ إن كان أبي نهى عنها وصنعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أأمْرَ (٣) أبي نتبع (٤) أم أمْرَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال الرجل: بل أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فقال: لقد صنعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. رواه الترمذي (٥) ، وروى النسائي (٦) عنه: العمرة في شهور (٧) الحج تامَّة، قد عمل بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنزلها الله تعالى في كتابه.

  17. وعن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لبَّد رأسه وأهدى، فلما قدم مكة أمر نساءه أن يَحْلِلْن، قلن: ما لك أنت لا تحِلُّ (٨) ؟ قال: «إني قلَّدتُ

    vol. 5, p. 289هديي ولبَّدت رأسي، فلا أحلّ حتى أحلّ من حجتي وأحلق رأسي». رواه أحمد (١) .

  18. وعن حُميد الطويل عن بكر بن عبد الله عن عبد الله بن عمر (٢) قال: قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة وأصحابه مُهِلِّين بالحج، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من شاء أن يجعلها عمرة إلا من كان معه الهدي» (٣) ، قالوا: يا رسول الله أيروح أحدنا إلى مِنًى وذَكَرُه يَقْطُر منيًّا؟ ! قال: «نعم» ، وسطعت المجامر، وقدم علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - من اليمن فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «بمَ (٤) أهللتَ؟ » قال: بما أهلَّ به النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: «فإنَّ لك معنا هَدْيًا» . قال حميد: فحدَّثتُ به طاوسًا، فقال: هكذا فعل القوم. وفي رواية: «اجعلها عمرة» (٥) . وفي رواية: «خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولبَّى بالحج ولبَّينا معه، فلما قدم أمر من لم يكن معه الهدي أن يجعلوها عمرة» . رواه أحمد (٦) بإسناد صحيح، وبعضه في

    vol. 5, p. 290«الصحيحين» (١) . وذكر ابن الجوزي (٢) أنه في الصحيحين، وأظنه وهمًا (٣) .

  19. وعن الأسود عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا نُرى إلا أنه الحج، فلما قدمنا تطوَّفنا بالبيت، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من لم يكن ساق الهديَ أن يحلَّ، قالت: فحلَّ من لم يكن ساق الهدي، ونساؤه لم يَسُقْن فأحللن، قالت عائشة: فحِضْتُ فلم أطف بالبيت، فلما كانت ليلة الحَصْبة قالت: قلت: يا رسول الله، يرجع (٤) الناس بعمرة وحجة وأرجع أنا بحجة؟ قال: «أوَما كنتِ طفتِ لياليَ قدِمْنا مكة؟» ، قالت: قلت: لا، قال: «فاذهبي مع أخيك إلى التنعيم فأهلِّي بعمرة، ثم موعدكِ مكان كذا وكذا» . قالت صفية: ما أُراني إلا حابِسَتَكم، قال: «عَقْرى حَلْقى، أوما كنتِ طفتِ يوم النحر؟» ، قالت: بلى، قال: «لا بأسَ عليكِ انْفِري» . قالت عائشة: فلقيني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو مُصْعِدٌ من مكة وأنا منهبطة عليها، أو أنا مُصعِدة وهو منهبط منها (٥) .

  20. وفي رواية الأعمش عن إبراهيم عن الأسود: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نُلبِّي لا نذكر حجًّا ولا عمرة. وساق الحديث بمعناه (٦) .

  21. وعن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لخمسٍ بقين من ذي القعدة، ولا نُرى إلا أنه الحج، فلما كنا بسَرِفَ حِضْتُ، حتى إذا دنونا من مكة أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من لم يكن معه هديٌ إذا طاف بالبيت وبين الصفا والمروة أن يحلَّ، قالت عائشة: فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر، فقلت: ما هذا؟، فقال: ذبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أزواجه. قال يحيى: فذكرتُ هذا الحديث للقاسم بن محمد، فقال: أتتْك والله بالحديث على وجهه (١) .

    vol. 5, p. 291
  22. وعن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أنها قالت: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا نذكر إلا الحج، حتى جئنا سَرِفَ فطَمِثْتُ، فدخل عليّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا أبكي، فقال: «ما يُبكيكِ؟» فقلت: والله لودِدْتُ أني لم أكن خرجتُ العامَ، فقال: «ما لكِ (٢) ؟ لعلك نُفِسْتِ»، قلت: نعم، قال: «هذا شيء كتبه الله على بنات آدم، افعلي ما يفعل الحاج، غير [ق ١٩٧] أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري» . قالت: فلما قدمتُ مكة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: «اجعلوها عمرة» . فأحلَّ الناس إلا من كان معه الهدي (٣) ، قالت: فكان الهدي مع النبي (٤) - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر، وذوي (٥) اليسارة، ثم أهلُّوا حين راحوا. قالت: فلما كان يوم النحر طهرتُ، فأمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأفضتُ، قالت: فأُتِينا بلحم بقرٍ فقلت: ما هذا؟ فقالوا: أهدى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن نسائه بالبقر، فلما كانت

    vol. 5, p. 292ليلة (١) الحَصْبة قلت: يا رسول الله، أيرجع الناس بحجة وعمرة، وأرجع بحجة؟ قالت: فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر فأردفَني على جمله، قالت: فإني لأذكر (٢) وأنا حديثة السن أَنْعَسُ فيصيب وجهي مُؤخِرَة الرحل، حتى جئنا إلى التنعيم، فأهللت منها بعمرة جزاءً بعمرة (٣) الناس التي اعتمروا (٤) .

  23. وعن أفلح بن حُميد عن القاسم عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أشهرُ الحج، وليالي الحج، وحُرُمِ الحج، فنزلنا بسَرِفَ، قالت: فخرج إلى أصحابه فقال: «من لم يكن منكم (٥) معه هَديٌ فأحبَّ أن يجعلها عمرة فليفعل، ومن كان معه الهدي فلا». قالت (٦) : فالآخذُ بها والتاركُ لها من أصحابه، قالت: فأما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورجال من أصحابه، فكانوا أهل قوة وكان معهم الهدي، فلم يقدروا على العمرة. قالت: فدخل عليَّ (٧) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا أبكي، فقال: «ما يُبكيكِ يا هَنتاه؟» قلت: سمعتُ قولك لأصحابك فمُنِعتُ العمرةَ، قال (٨) : «وما شأنكِ؟» قلت: لا أصلِّي، قال: «فلا يَضِيرك (٩) ، إنما أنتِ امرأة من بنات آدم كتب الله عليك ما كتب

    vol. 5, p. 293عليهن، فكوني في حجك، فعسى الله أن يرزقكيها (١) ». قالت: فخرجنا في حجته ــ وفي لفظ (٢) : «فخرجتُ في حجتي» ــ حتى قدمنا منى فطهرتُ، ثم خرجت من منى فأفضتُ بالبيت. قالت: ثم خرجت معه في النفر الآخر حتى نزل المحصَّب ونزلنا معه، فدعا عبد الرحمن بن أبي بكر، فقال: «اخرجْ (٣) بأختك من الحرم فلتهلَّ بعمرة، ثم افرغا، ثم ائتيا (٤) ها هنا، فإني أنتظركما حتى تأتياني». قالت: فخرجنا حتى إذا فرغت، وفرغت من الطواف ثم جئتُه (٥) بسحر، فقال: «هل فرغتم؟» فقلت: نعم، قالت (٦) : فآذَنَ بالرحيل في أصحابه، فارتحل الناس فمرَّ متوجهًا إلى المدينة. وفي لفظٍ (٧) : «فآذَنَ في أصحابه بالرحيل، فخرج فمرَّ بالبيت (٨) ،

    فطاف به قبل صلاة الصبح، ثم خرج إلى المدينة» (٩) . متفق على هذه الأحاديث كلّها.

  24. وعن ذكوان عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قدِمَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأربع مضين من ذي الحجة أو خمسٍ، فدخل عليَّ وهو غضبان، فقلت: من أغضبك؟

  25. أدخله الله النار، قال: «أوما شعرتِ أني أمرتُ الناس بأمرٍ فإذا هم يتردَّدون، فلو أني استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما سقتُ الهدي معي حتى أشترِيَه، ثم أحلّ كما حلُّوا» . رواه مسلم (١) .

    vol. 5, p. 294
  26. وعن الزهري عن عروة عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما سقتُ الهدي، ولحللتُ مع الناس حين حلُّوا» . رواه البخاري (٢) .

  27. فهذا الحديث مبيِّن أن الصحابة - رضي الله عنهم - حلُّوا إلا من ساق الهدي، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه صدروا عن مكة ليلة الحَصْبة، وهي الليلة التي تلي لياليَ منًى، ولم يقيموا بمكة بعد أيام منًى (٣) شيئًا، وأنه لم يعتمر بعد الحج أحد ممن كان مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا عائشة وحدها، حتى أخوها عبد الرحمن الذي كان معها لم يعتمر من التنعيم؛ لأنهم كانوا قد اعتمروا قبل الحج.

  28. وقولها: «لا نُرى إلا أنه الحج» تعني (٤) : من كان أحرم بالحج أو قَرَنَ بينهما ــ وربما كانوا هم (٥) أكثر الوفد ــ نُرى (٦) أنهم يقيمون على حجهم ولا يتحللون منه قبل الوقوف؛ لأنها قالت: فلما قدمنا تطوَّفنا بالبيت، وهي لم تتطوَّف، فكانت الكناية عن الحجاج (٧) في الجملة.

  29. وقولها: «لا نذكر حجًّا ولا عمرة» تعني في التلبية؛ لأنها قد بيَّنت في رواية أخرى أن منهم من أهلّ بالحج، ومنهم من أهلّ بالعمرة، ومنهم من قرنَ بينهما، وأنها كانت هي متمتعة.

    vol. 5, p. 295
  30. وقولها: «فالآخذُ بها والتاركُ لها» من الصحابة (١) ، هذا كان بسَرِف قبل أن يقدَموا مكة؛ لأنه كان إذنًا ولم يكن أمرًا، فلما قدموا جزم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالأمر، وتردَّد بعض الناس، فغضب النبي - صلى الله عليه وسلم - على من تردَّد، فأطاعوا الله ورسوله وتمتَّعوا، وتوجَّع النبي - صلى الله عليه وسلم - على كونه لم يُمكنِه موافقتُهم في الإحلال من أجل هديه. وبيَّن ذلك ما روى عبيد الله (٢) بن عمر عن القاسم عن عائشة قالت: منّا مَن أهلّ بالحج مفردًا، ومنّا من قرنَ، ومنّا من تمتَّع. رواه البخاري (٣) .

  31. وروى الزهري عن عروة (٤) عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع، فمنّا من أهلّ بعمرة، ومنا من أهلّ بحج، فقدِمْنا مكة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من أحرم بعمرة ولم يُهدِ فليحللْ، ومن أحرم بعمرة فأهدى فلا يحلّ حتى يحلّ بنحر (٥) هَدْيه [ق ١٩٨] ، ومن أهلَّ بحج فليتمَّ حجه»، قالت: فحِضْت، فلم أزل حائضًا حتى كان يوم عرفة ولم أُهلِلْ إلا بعمرة، فأمرني النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أنقض رأسي، وأمتشط، وأُهِلَّ بالحج، وأترك العمرة،

    vol. 5, p. 296ففعلت ذلك حتى قضيتُ حجتي، فبعث معي عبد الرحمن بن أبي بكر، فأمرني أن أعتمر مكان عمرتي من التنعيم (١) .

  32. وفي رواية (٢) : قالت: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «من أراد منكم أن يُهِلّ بحج وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يُهِلّ بحج فليهلّ، ومن أراد أن يهلّ بعمرة فليهلّ» . قالت عائشة: وأهلَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحج، وأهلَّ به ناس معه، وأهلَّ معه ناس بالعمرة والحج، وأهلَّ ناس بعمرة، وكنت فيمن أهلَّ بعمرة.

  33. وعن أبي الأسود عن عروة عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام حجة الوداع، فمنّا من أهلّ بعمرة، ومنّا من أهلّ بحج، وأهلّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحج، فأما من أهلّ بعمرة فحلّ، وأما من أهلّ بالحج أو جمع الحج والعمرة فلم يحلّوا حتى كان يوم النحر (٣) .

  34. وعن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مُوافِينَ لهلال ذي الحجة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من أحبّ أن يُهِلّ بعمرة فليهلّ، ومن أحبّ أن يهلّ بحجة فليهلّ، ولولا أني أهديتُ لأهللتُ بعمرة» . فمنهم من أهلّ بعمرة، ومنهم من أهلّ بحجة، فكنت فيمن أهلّ بعمرة، فحِضْتُ قبل أن أدخل مكة، فأدركني (٤) يوم عرفة وأنا حائض، فشكوت ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «دعي عمرتَكِ، وانْقُضي رأسك، وامتشطي، وأهِلّي

    vol. 5, p. 297بالحج». ففعلت، فلما كانت (١) ليلةُ الحَصْبة أرسل معي عبد الرحمن إلى التنعيم. فأردفَها، فأهلَّت بعمرة مكان عمرتها. قال هشام: فقضى الله حجَّها وعمرتها، ولم يكن في شيء من (٢) ذلك هديٌ ولا صدقة ولا صوم (٣) .

  35. متفق على هذه الأحاديث، وليس في رواية عروة هذه ذكر الفسخ؛ ولهذا كان ينكره حتى جرى بينه وبين ابن عباس فيه ما جرى (٤) .

  36. وأما قوله عليه السلام: «ومن أهلّ بالحج فليتمّ حجه» فيحتمل (٥) شيئين:

    أحدهما: من استمرَّ إهلاله بالحج، ولم يُحوِّله إلى عمرة، فإنه لا يتحلَّل منه، وكان هذا في حقِّ من ساق الهدي ممن أحرم بالحج. وكذلك قوله في الحديث: «وأما من أهلَّ بالحج أو جمع الحج والعمرة (٦) ، فلم يحلُّوا حتى كان يوم النحر»، إن لم يكن هذا من قول عروة وكان من قول

    vol. 5, p. 298عائشة، فإن معناه: من دام إهلاله بالحج، أو بالحج والعمرة (١) ، واستمرُّوا= هم الذين لم يحلّوا لأجل سَوْق الهدي؛ لأنها قد أخبرت في غير موضع أنهم كانوا لا يرون إلا الحج، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر من لم يَسُقِ الهدي إذا طاف بالبيت وبين الصفا والمروة أن يحلّ.

    أو (٢) أن هذا كان قبل أن يأذن لهم في الفسخ قبل أن يَدْنُوا من مكة في أوائل الإحرام ... (٣) .

  37. وأما قولها: «خرجنا موافين لهلال ذي الحجة» ....

  38. وعن أبي عمران (٤) أسلم قال: حججتُ مع مواليَّ، فدخلتُ على أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت: أعتمر قبل أن أحج؟ قالت: إن شئت فاعتمرْ قبل أن تحج، وإن شئت فبعدَ أن تحج، قال (٥) : فقلت: إنهم يقولون: من كان صَرُورةً (٦) فلا يصلح أن يعتمر قبل أن يحج، قال: فسألت أمهات المؤمنين فقلن مثل ما قالت، فرجعت إليها، فأخبرتها بقولهن، قال: فقالت: نعم وأَشْفِيك، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «أهِلُّوا يا آلَ محمد بعمرة في حج» (٧) . رواه أحمد (٨) .

  39. وعن طاوس عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: كانوا يرون أن (١) العمرة في أشهر الحج أفجر الفجور في الأرض، ويجعلون المحرم صفر، ويقولون: إذا برأ الدَّبَر، وعفا الأثر، وانسلخ صفر، حلَّت العمرة لمن اعتمر. قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه صبيحةَ رابعةٍ مُهِلِّينَ بالحج، فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسول الله، أيّ الحل؟ قال: «حِلٌّ (٢) كله». متفق عليه (٣) ، وهذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: من أفجر الفجور، وقال: «الحل كله» (٤) .

    قال سفيان بن عيينة: كان عمرو يقول: إن هذا لحديثٌ (٥) له شأنٌ. رواه البخاري (٦) .

    vol. 5, p. 299
  40. وعن طاوس عن ابن عباس قال: تمتَّع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى مات، وأبو بكر حتى مات (٧) ، وعمر حتى مات، وعثمان حتى مات، وكان أول من نهى عنها معاوية، قال ابن عباس: فعجبتُ منه، وقد حدثني أنه قصَّر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمِشْقَصٍ (٨) . رواه أحمد وهذا لفظه، والترمذي (٩) وقال: «حديث

    vol. 5, p. 300حسن»، وفيه ليث بن أبي سليم.