مسألة: (وهي آكد فيما إذا علا نشزا، أو هبط واديا، أو سمع ملبيا، أو فعل محظورا ناسيا، أو التقت الرفاق، وفي أدبار الصلاة، وبالأسحار، وإقبال الليل والنهار)

65 paragraphs · vol. 5, p. 424

Page 1 of 2

  1. وقد جاء في فضلها ما روى سهل بن سعد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما من مسلمٍ يلبِّي إلا لبَّى مَن عن يمينه وشماله من حجرٍ أو شجرٍ أو مدَرٍ حتى تنقطع الأرض من هاهنا وهاهنا» (١) رواه الترمذي وابن ماجه (٢) .

    vol. 5, p. 424
  2. وعن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما من محرمٍ يُضْحِي لله يومَه يلبِّي حتى تغيبَ الشمس إلا غابتْ بذنوبه، فعاد كما ولدته أمه» . رواه ابن ماجه (٣) .

  3. وتُستحبُّ التلبية على كل حال: قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا، وسائرًا ونازلًا، وطاهرًا وجنبًا وحائضًا، إلى غير ذلك من الأحوال.

  4. مسألة (٤) : (وهي آكدُ فيما إذا علا نَشَزًا، أو هبطَ واديًا، أو سمعَ ملبّيًا، أو فعلَ محظورًا ناسيًا، أو التقتِ الرِّفاقُ (٥) ، وفي أدبار الصلاة (٦) ، وبالأسحار، و [ق ٢٢٥] إقبال الليل والنهار).

  5. وذلك لأن ذلك مأثور عن السلف:

    vol. 5, p. 425قال خيثمة بن عبد الرحمن: كان أصحاب عبد الله يلبُّون إذا هبطوا واديًا، أو أشرفوا على أَكَمَةٍ، أو لَقُوا ركبانًا، وبالأسحار ودُبُرَ الصلوات. رواه سعيد (١) .

  6. وفي لفظ: كنت أحج مع أصحاب عبد الله، فكانوا يستحبون أن يلبُّوا في دبر كل صلاة، وحين يلقى الركبُ الركبَ (٢) ، وبالأسحار، وإذا أشرفَ (٣) على أَكَمةٍ، أو هبط واديًا، أو انبعثت به راحلته. رواه عمر بن حفص بن غياث (٤) .

  7. ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أهلَّ حين انبعثتْ به ناقتُه واستوتُ به قائمةً، ثم أهلَّ حين علا على شرف البيداء.

  8. وروي عن جابر قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يلبِّي في حجته إذا لقي راكبًا أو علا أكمةً، أو هبط واديًا، وفي أدبار الصلوات المكتوبة، ومن آخر الليل (٥) .

  9. ولأن المسافر يُستحبُّ له إذا علا على شَرَفٍ أن يكبِّر الله تعالى، وإذا هبط واديًا أن يسبِّحه، فالتلبية للمحرم أفضل من غيرها من الذكر.

    vol. 5, p. 426
  10. ولأن البقاع إذا اختلفت .... (١) .

  11. ومن جملة الإشراف: إذا علا على ظهر دابته، كما تقدم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن السلف.

  12. ويُستحبُّ (٢) أن يُبدأ قبلها بذكر الركوب، سئل عطاء: أيبدأ الرجل بالتلبية أو يقول: سبحان الذي سخَّر لنا هذا وما كنا له مُقرِنين؟ قال: يبدأ بسبحان الذي سخّر لنا هذا وما كنا له مقرنين (٣) .

  13. وقد تقدم من حديث أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ركب، حتى إذا استوت به على البيداء حمد الله تعالى وسبَّح وكبَر، ثم أهلّ بحج أو عمرة. رواه البخاري (٤) .

  14. ولأن هذا الذكر مختصٌّ بالركوب، فيفوت بفوات سببه، بخلاف التلبية؛ ولهذا لو سمع مؤذّنًا كان [الأولى أن] (٥) يشتغل بإجابته عن التلبية والقراءة ونحوهما.

  15. ولأن هذا الذكر في هذا الموطن (٦) أوكدُ من التلبية فيه؛ لأنه مأمور به

    vol. 5, p. 427بقوله تعالى: {لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} (١) [الزخرف: ١٣] .

    وأما إذا سمع ملبيًا ... (٢) .

  16. وأما إذا فعل محظورًا (٣) ناسيًا؛ مثل أن يغطّي رأسه، أو يلبس قميصًا، ونحو ذلك فإن ذلك سيئة تنقُصُ (٤) الإحرامَ، فينبغي أن يُتبِعها بحسنة تَجْبُر الإحرام، ولا أحسنَ فيه من التلبية، ولأنه بذلك كالمعرض عن الإحرام الغافل عنه، فينبغي أن يجدّد الإحرام (٥) ويتذكره بالتلبية، وقد تقدم عن ابن عباس أنه قال لمن (٦) طاف (٧) في إحرامه لما رأى أنه يحلّ: أكثِرْ من التلبية؛ فإن التلبية تشدُّ الإحرام.

  17. وأما إذا التقتِ الرِّفاقُ .....

  18. فأما القافلة الواحدة إذا جاء بعضهم إلى عند بعض .... ، وهل يبدأون قبل ذلك بالسلام .....

  19. وأما أدبار الصلوات، فلما تقدم من الحديث والأثر.

  20. وأما السَّحَر فلِمَا تقدم من الحديث والأثر، ولأنها ساعة يُستحبُّ فيها ذكر الله تعالى.

    وأما في إقبال الليل والنهار فقد ذكره أصحابنا، ومعنى إقبال النهار ... (١) . ولم يذكر الخرقي وابن أبي موسى السَّحر وطرفي النهار.

    vol. 5, p. 428
  21. فصل

    ويكفيه أن يلبّي لهذه الأسباب مرةً واحدة؛ بحيث يكون دعاؤه عقيبَ تلك المرة.

    قال في رواية الأثرم: كان ابن عمر يزيد في التلبية: لبيك ذا المعارج، ولا أدري من أين جاءت به العامة؛ يلبُّون في دُبُر الصلوات ثلاث مرات. قال الأثرم (٢) : قلت لأبي عبد الله: ما شيء تفعله العامة يلبُّون في دبر الصلاة (٣) ثلاث مرات؟ فتبسَّم وقال: ما أدري من أين جاءوا به، قلت: أليس تُجزئه مرة واحدة؟ قال: بلى.

  22. وكذلك أيضًا إذا لبّى لغير سبب فإن المرة الواحدة تحصل بها سنة التلبية؛ بحيث يدعو بعدها إن أحبَّ؛ وذلك لأن الصحابة ذكروا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ركب راحلته أهلَّ بهؤلاء الكلمات، ثم لما علا على (٤) البيداء أهلَّ بهن، ولم يذكروا أنه كرَّرهن في حاله (٥) تلك، ولو كان ذلك لبيَّنوه؛ فإن مثل هذا

    vol. 5, p. 429لم يكونوا ليُغْفِلوه (١) ويُهمِلوه، بل ظاهرُ حديث ابن عمر حين قال: «أهلَّ بهؤلاء الكلمات» وقوله: «فلما استوتْ به ناقتُه (٢) قائمةً قال: لبيك اللهم لبيك (٣) ، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك»، وكان ابن عمر يزيد فيها ما يزيد= كالنص في أنه إنما لبَّى بهذا واحدةً (٤) . وقد قال: «أربعًا تلقَّفْتُهن (٥) من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» (٦) .

  23. أفتراه يعدُّ كلمات التلبية ولا يعدُّ مرَّاتِها؟ وذكرُ عددِها أهمُّ؛ لأنه لا يُعلم إلا بذكره، بخلاف كلمات التلبية (٧) فإن ذكرها يُغني عن عدّها، وكذلك المأثور عن السلف ليس فيه أمرٌ بتكرير؛ ولذلك أنكر أحمد هذا، وبيَّن أنه لا أصل له عن السلف، وقال: لا أدري من أين جاءوا به.

  24. وأيضًا فإن كلمات التلبية مبنيَّة على تكرارها، فإنها متضمِّنة الثلاث مرات.

  25. فإن كرَّرها ثلاثًا أو أكثر من ذلك على نسق واحد، فقال أبو الخطَّاب (٨) وطائفة معه: لا يُستحبُّ تكرارها [ق ٢٢٦] في حال واحدة.

    vol. 5, p. 430وقال ابن عقيل: لا يستحبُّ تكرارها ثلاثًا.

    وقال القاضي: لا يستحبُّ تكرارها ثلاثًا عقيب الصلاة، بل يأتي بها عقيب الصلوات كما يأتي بها مفردةً عن الصلاة.

    وقالوا: يستحبُّ استدامتها على كل حال.

    وقال أبو محمد (١) : لا بأس بالزيادة على مرة، وتكرارُه ثلاثًا حسن، فإن الله تعالى وِترٌ يحب الوتر.

    وقال القاضي في «الخلاف» (٢) : يُسَنُّ تكرارها بعد تمامها؛ لأجل تلبُّسِه بالعبادة، وإن لم تُستحبَّ الزيادة عليها.

  26. وفَرَّق بين الزيادة والتكرار بأن هذا الذكر شعار هذه العبادة، كالأذان وتكبيرة الإحرام، فلم تُستحبّ الزيادة عليه مثلهما، بخلاف التكرار فإنما ذلك لأجل تلبُّسه بالعبادة، وهذا المعنى موجود ما لم يحلَّ، وهذا يقتضي استحباب تكرارها في الموضع الذي اختلف في استحباب الزيادة، وهو عقيب التلبية سواء.

  27. وحقيقة المذهب أن استدامتها وتكرارها على كل حال حسنٌ (٣) مستحبٌّ من غير تقييد بعدد، كما في التكبير في العشر وأيام التشريق، لكن التقييد بعدد مخصوص لا أصل له، وكذلك الأمر به وإلزام المأمورين (٤) .

  28. فصل

    قال أصحابنا: لا يُستحبُّ أن يتخلَّلها غيرها من الكلام ليأتي بها نسقًا، فإن سُلِّم عليه ردَّ؛ لأن ذلك فرض، والتلبية سنة.

    vol. 5, p. 431
  29. فإن لم يُحسِن التلبية بالعربية، فإنه يتعلَّمها وإن لم يفقهها (١) .

    قال في رواية حنبل: والأعجمي والأعجمية إذا لم يفقها يُعلَّمان على قدر طاقتهما (٢) ، ويؤدِّيان (٣) المناسك، ويشهدان مع الناس المناسك، والله أعلم بالنية، وأرجو أن يجزئ ذلك عنهما.

  30. ولا يجوز أن يلبِّي بغير العربية وهو يقدر على التلبية بالعربية أو على تعلُّمها؛ لأنه ذكر مشروع، فلم يجز إلا بالعربية، كالأذان والتكبير وغير ذلك من الأذكار المشروعة، لا سيما والتلبية ذِكرٌ موقَّت، فهي بالأذان أشبهُ منها بالخطبة ونحوها، ثم الخطبة لا تكون إلا بالعربية، فالتلبية أولى.

  31. فإن عجز عن التلبية بالعربية فقال أبو محمد (٤) : يجوز أن يلبِّي بلسانه. ويتوجه أن (٥) لا يجوز؛ لأنه قد مُنِع عن الدعاء في الصلاة بغير العربية.

  32. فإن عجز عن التلبية بأن لا يُحسِنها بالكلية، أو يكون أخرسَ، أو مريضًا

    vol. 5, p. 432لا يطيق الكلام، أو صغيرًا، فقال أحمد في رواية أبي طالب (١) : الأخرس والمريض والصبي يُلبَّى عنهم.

  33. وظاهره: أنه إذا عجز عن الجهر يلبَّى عنه، وذلك لأن جابرًا ذكر أنهم كانوا يلبُّون عن الصبيان، وما ذاك إلا لعجزهم عن التلبية. ففي معنى الصبيان كلُّ عاجز؛ ولأن أمور الحج كلها تدخلها النيابة إذا عجز عنها، كالرمي ونحوه. فإذا عجز عن التلبية بنفسه لبَّى عنه غيره، ويكون كما لو لبَّى عن ميِّت أو معضوب، إن ذكره في التلبية فحسن، وإن اقتصر على النية جاز.

    قال أصحابنا القاضي (٢) ومن بعده: والتلبية سنة لا شيء في تركها؛ لأنها ذِكرٌ مشروع في الحج، فكان سنةً كسائر أذكاره من الدعاء بعرفة ومزدلفة ومنى وغير ذلك.

  34. فصل

    وتُشرع التلبية من حين الإحرام إلى الشروع (٣) في الإحلال، ففي الحج يلبِّي إلى أن يأخذ في رمي جمرة العقبة، وفي العمرة إلى أن يشرع (٤) في الطواف.

    قال أحمد (٥) : الحاج يلبِّي حتى يرمي جمرة العقبة، وفي رواية (٦) :

    vol. 5, p. 433يقطع عند أول حصاة، وقال في رواية الجماعة (١) : في المعتمر يقطع التلبية إذا استلم الركن، وهذا هو المذهب.

    وقال (٢) الخرقي (٣) : من كان متمتعًا قطع التلبية إذا وصل إلى البيت.

  35. فمن أصحابنا من قال: ظاهر هذا أنه يقطع التلبية برؤية البيت قبل الطواف، فجعل هذا خلافًا، ومنهم من فسَّر وصوله إليه باستلامه الحجر. وهذا أشبه؛ لأن حقيقة الوصول أن يتَّصل به، وإنما يتَّصل به إذا لَمَسَه لا إذا رآه؛ وذلك لما روى الفضل بن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يزل يلبِّي حتى رمى الجمرة (٤) . وفي لفظٍ للبخاري (٥) : «حتى بلغ الجمرة» .

  36. وعن ابن عباس أن أسامة كان رِدْفَ النبي - صلى الله عليه وسلم - من عرفة إلى المزدلفة، ثم أردف الفضلَ من المزدلفة إلى منى، قال فكلاهما قال: لم يزل النبي - صلى الله عليه وسلم - يلبِّي حتى رمى جمرة العقبة. متفق عليهما (٦) .

  37. وعن عكرمة قال: أفضتُ مع الحسين بن علي من المزدلفة، فلم أزل أسمعه يلبِّي حتى رمى جمرة (٧) العقبة، فسألته، فقال: أفضتُ مع أبي من المزدلفة، فلم أزل أسمعه يلبِّي حتى رمى جمرة العقبة، فسألته فقال: أفضتُ

    vol. 5, p. 434مع النبي - صلى الله عليه وسلم - من المزدلفة (١) ، فلم أزل أسمعه يلبِّي حتى رمى جمرة العقبة. رواه أحمد (٢) من حديث ابن إسحاق عن أبان بن صالح عنه.

  38. وعن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يلبِّي المعتمر حتى يستلم الحجر» رواه أبو داود (٣) .

  39. وعنه يرفع الحديث أنه ــ يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - ــ كان يُمسِك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر. رواه الترمذي (٤) وقال: حديث صحيح (٥) .

  40. وعن حجاج، عن (٦) عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: اعتمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث عُمَرٍ، كل ذلك في ذي القعدة، يلبِّي حتى يستلم الحجر. رواه [ق ٢٢٧] أحمد (٧) .