مسألة: (السابع: عقد النكاح لا يصح منه، ولا فدية فيه)

95 paragraphs · vol. 5, p. 623

Page 1 of 3

  1. وجملة ذلك: أن المحرم إن كان رجلًا لا يصح أن يتزوَّج بنفسه ولا وكيله ولا وليّه، بحيث لو وكَّل وهو حلال رجلًا لم يجزْ أن يزوِّجه بعدما يُحرِم الموكِّل، فأما إذا وكّل وهو حرام مَن زوَّجه بعد الحلّ فقال القاضي وابن عقيل: يجوز ذلك.

    vol. 5, p. 623
  2. فعلى هذا لو وكَّل وهو حلال ثم أحرم ثم حلَّ جاز أن يزوِّج الوكيل بذلك التوكيل (٣) المتقدم وأولى؛ لأن العبرة بحال العقد، ولأن التصرف بالوكالة الفاسدة جائز؛ لكن هل يجوز الإقدام على التوكيل؟

  3. وإن كانت امرأة لم يجز أن تُزوَّج وهي محرمة بإذن متقدمٍ على الإحرام أو في حال الإحرام؛ لكن إذا أذنت حال الإحرام .... (٤) ، وذلك لقوله تعالى: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ} [البقرة: ١٩٧] .

  4. وعن عثمان بن عفان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يَنْكِح المحرم ولا يُنْكِح ولا يخطُب» . رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي (٥) .

  5. وفي رواية (١) عن نُبَيه بن وَهْب: أن عمر بن عبيد الله أراد أن يزوِّج ابنه وهو محرم فنهاه أبان، وزعم أن عثمان حدَّث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «المحرم لا يَنكِح ولا يُنكِح» .

    vol. 5, p. 624
  6. وفي رواية (٢) : «أراد ابنُ معمر أن يُنكِح ابنَه بنتَ شيبة بن جُبَير (٣) ، فبعثني إلى أبان بن عثمان وهو أمير الموسم، فأتيتُه فقلت: إن أخاك أراد أن يُنكِح ابنَه فأراد أن يُشهِدك ذاك، فقال: أَلا أُراه عراقيًّا جافيًا؛ إن المحرم لا يَنكِح ولا يُنكِح، ثم حدَّث عن عثمان بمثله يرفعه». رواهما أحمد بإسناد صحيح.

  7. وفي رواية عن نافع عن نُبَيه مثله، قال نافع: وكان ابن عمر يقول هذا القول، ولا يرفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. رواه سعيد بن أبي عروبة في «المناسك» (٤) .

  8. وعن أيوب بن عتبة قثنا عكرمة بن خالد، قال: سألت عبد الله بن عمر عن امرأة أراد أن يتزوجها رجل وهو خارج من مكة فأراد أن يعتمر أو يحج، فقال: لا يتزوجها وهو محرم، نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنه. رواه أحمد وأبو بكر النيسابوري (٥) .

  9. وروى سعيد (١) قثنا عمرو بن الحارث عن أيوب بن موسى عن عكرمة بن خالد المخزومي أن ابن عمر نهاه أن ينكح وهو محرم.

    vol. 5, p. 625
  10. وروى النفيلي قثنا مسلم بن خالد الزنجي عن إسماعيل عن نافع (٢) عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «المحرم لا يَنكح ولا يُنكح» . قال النفيلي: هذا حديث منكر، وهذا رجل ضعيف، الزنجي. رواه الخلال عن الميموني عنه في «العلل» (٣) .

  11. وعن أنس بن مالك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يتزوَّجُ المحرمُ ولا يزوِّج» . رواه الدارقطني (٤) .

  12. وأيضًا فقد عمل بذلك الخلفاء الراشدون وغيرهم من أكابر الصحابة، فعن [أبي] (٥) غطفان بن طَرِيف المُرِّي أن أباه طَرِيفًا تزوج امرأة (٦) وهو محرم، فردَّ عمر بن الخطاب نكاحه (٧) .

  13. وعن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: لا يَنكِح ولا يخطب على نفسه ولا على غيره (١) . رواهما مالك وغيره.

    vol. 5, p. 626
  14. وعن الحسن أن عليًّا قال: من تزوّج وهو محرم نزعنا منه امرأته ولا نُجِيز نكاحه. رواه ابن أبي عروبة وأبو بكر النيسابوري من حديث قتادة عنه (٢) .

  15. وعن شَوذَب مولى زيد بن ثابت أنه تزوّج وهو محرم، ففرَّق بينهما زيد بن ثابت. رواه عبد الله بن أحمد (٣) ، وقال: قرأت على أبي: يتزوج المحرم؟ قال: لا يتزوج، قال: يُروى عن عمر وعلي: يُفرَّق بينهما، وزيد بن ثابت قال: يُفرَّق بينهما، وابن عمر قال: لا يَنكح ولا يُنكح. وروي عن عثمان بن عفان عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يَنكِح المحرم ولا يُنكِح» .

  16. وهؤلاء أكابر الصحابة [ق ٢٧٠] لم يُقدِموا على إبطال نكاح المحرم والتفريق بينهما إلا بأمر بيّنٍ وعلمٍ اطلعوه ربما يخفى على غيرهم، بخلاف من نُقِل عنه إجازة نكاح المحرم، فإنه يجوز أن يبني على استصحاب الحال.

  17. فإن قيل: فقد روى ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوَّج ميمونة وهو محرم. رواه

    vol. 5, p. 627الجماعة (١) ، وفي رواية للبخاري (٢) : «وبنى بها وهو حلال، وماتت بسَرِفَ» . وللبخاري تعليقًا (٣) : «تزوَّج النبي - صلى الله عليه وسلم - ميمونة في عمرة القضاء» (٤) . وفي رواية للنسائي (٥) : «جعلتْ أمرها إلى العباس فأنكحَها إياه» .

  18. وفي رواية عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوَّج ميمونة بنت الحارث وهما محرمان. رواه أحمد (٦) من حديث حماد بن سلمة عن حميد عنه.

  19. وعن الشعبي وعطاء وعكرمة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تزوَّج ميمونة وهو محرم. ولفظ الشعبي: «احتجم وهو محرِم، وتزوَّج الهلالية وهو محرِم» . رواهن سعيد (٧) .

    وعن أبي هريرة وعائشة ... (٨) .

  20. وعن عكرمة عن ابن عباس أنه كان لا يرى به ــ يعني بنكاح المحرم ــ بأسًا، ويحدِّث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تزوَّج ميمونة بنت الحارث وهو محرم (١) بسَرِفَ، وبنى بها لما رجع بذلك الماء. رواه سعيد بن أبي عروبة (٢) عن يعلى بن حكيم (٣) عنه.

    vol. 5, p. 628
  21. ويؤيّد ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتمر عمرة القضية من ذي الحليفة، فإنه لم يجزها بغير إحرام قط، وكانت ميمونة بمكة، وقد .... (٤) روي أنه قال لأهل مكة: «دعوني أُعرِّسْ بينكم لتأكلوا من وليمتها» ، فقالوا: لا حاجة لنا في وليمتك، فاخرجْ من عندنا، فخرجَ حتى أتى سَرِفَ (٥) وعرَّسَ (٦) بها» (٧) .

  22. قيل عنه أجوبة:
  23. أحدها: أنه قد روى يزيد بن الأصمّ عن ميمونة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تزوَّجها وهو (١) حلال، قال: «وكانت خالتي وخالة ابن عباس» . رواه مسلم وابن ماجه (٢) .

  24. وفي رواية لأحمد والترمذي والبَرْقاني (٣) عن يزيد عن ميمونة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تزوَّجها حلالًا وبنى بها حلالًا، وماتت بسَرِف، فدفنّاها في الظُلَّة (٤) التي بنى بها فيها.

  25. وفي رواية لأبي داود (٥) : «تزوَّجني ونحن حلالانِ بسَرِفَ» .

  26. وعن أبي رافع مولى رسول الله (٦) - صلى الله عليه وسلم - أن رسول الله تزوَّج ميمونة حلالًا، وبنى بها حلالًا، وكنتُ الرسولَ بينهما. رواه أحمد والترمذي (٧) ،

    vol. 5, p. 630وقال: «حديث حسن، ولا نعلم أحدًا أسنده غيرَ حماد بن زيد عن مطر [عن ربيعة] (١) ، ورواه مالك (٢) عن ربيعة عن سليمان أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، مرسلًا، ورواه سليمان بن بلال عن ربيعة مرسلًا».

  27. وهذه الرواية مقدَّمة على رواية ابن عباس لوجوه:

    أحدها: أنها هي المنكوحة، وهي أعلم بالحال التي تزوَّجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها ــ هل كان (٣) في حال إحرامه أو في غيرها ــ من ابن عباس.

  28. الثاني: أن أبا رافع كان الرسولَ بينهما، وهو المباشر للعقد، فهو أعلم بالحال التي وقع فيها من غيره.

  29. الثالث: أن ابن عباس كان إذ ذاك صبيًّا له نحو من عشر سنين، وقد يخفى على مَن هذه سِنُّه تفاصيلُ الأمور التي جرت في زمنه؛ أما أولًا: فلعدم كمال الإدراك والتمييز، وأما ثانيًا: فلأنه لا يداخل في هذه الأمور ولا يباشرها، وإنما يسمعها من غيره، إما في ذلك الوقت أو بعده.

  30. الرابع: أن السلف طعنوا في رواية ابن عباس هذه، فروى أبو داود (٤)

  31. عن سعيد بن المسيب قال: وهم ابن عباس في قوله: «تزوَّج ميمونة وهو محرم» .

    vol. 5, p. 631
  32. وقال أحمد في رواية أبي الحارث (١) وقد سئل عن حديث ابن عباس: هذا الحديث خطأ.

    وقال في رواية المرُّوذي (٢) : أذهب إلى حديث نُبيه بن وهب، فقال له المرُّوذي: إن أبا ثور قال لي: بأي شيء تدفع حديث ابن عباس؟ فقال أبو عبد الله: الله المستعان، قال سعيد بن المسيب: وهم ابن عباس، وميمونة تقول: تزوَّج وهو حلال، وقال: إن كان ابن عباس ابنَ أخت ميمونة فيزيد بن الأصم ابنُ أخت ميمونة، وقال أبو رافع: كنتُ السفيرَ بينهما. وعمر بن الخطاب يفرِّق بينهما. وقال (٣) : هذا بالمدينة لا يُنكِرونه.

    وقال ميمون بن مهران: أرسل إليَّ عمر بن عبد العزيز أن سَلْ يزيد بن الأصم كيف تزوَّج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ميمونة، فسألتُه فقال: تزوَّجها وهو حلال. رواه سعيد (٤) .

    وقال عمرو بن دينار: أخبرتُ الزهري به، يعني بحديثه عن جابر بن زيد (٥) عن ابن عباس، فقال: أخبرني يزيد بن الأصم ــ وهي خالته ــ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

    vol. 5, p. 632تزوَّجها وهو حلال. رواه مسلم (١) .

  33. فهذا سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز والزهري، وهو قول أبي بكر بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار وعامة علماء المدينة، وهم أعلمُ الناس بسنة ماضية، وأبحثُهم عنها، قد استبان لهم أن الصواب رواية من روى أنه تزوَّجها حلالًا، وكذلك سليمان بن يسار يقول ذلك وهو مولاها.

  34. الخامس: أن الرواة (٢) بأنه تزوَّجها [ق ٢٧١] حلالًا كثيرون. فهي منهم، وأبو رافع. وعن ميمون بن مِهْران عن صفية بنت شيبة ــ وكانت عجوزًا ــ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ملك ميمونة وهو حلال، وبنى بها وهو حلال، وخطبها وهو حلال. ذكره القاضي (٣) .

  35. [و] (٤) عن ميمون بن مهران قال: أتيت صفية ابنة شيبة امرأة كبيرة فقلت لها: أتزوَّج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ميمونة وهو محرم؟ قالت: لا والله، ولقد تزوَّجها وهما حلالان. رواه ابن أبي خيثمة (٥) . ورواه من التابعين خلق كثير.

  36. وأما الرواية الأخرى فلم تُرْوَ (١) إلا عن ابن عباس، وعن أصحابه الذين أخذوها عنه، قال ابن عبد البر (٢) : ما أعلم أحدًا من الصحابة رُوي عنه أنه عليه السلام نكح ميمونة وهو محرم إلا ابن عباس.

    vol. 5, p. 633
  37. وإذا كان أحد الخبرين أكثرَ نقَلَةً ورُواةً قُدِّم على مخالفه، فإنَّ تطرُّق الوهم والخطأ إلى الواحد أولى من تطرقه إلى العدد، لا سيما إذا كان العدد أقربَ إلى الضبط وأجدرَ بمعرفة باطن الحال.

  38. السادس: أن في رواية عكرمة عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوَّجها وهما محرمان (٣) ، وأن عقد النكاح كان بسرِفَ، ولا ريب أن هذا غلط، فإن عامة أهل السير ذكروا (٤) أن ميمونة كانت قد بانت من زوجها بمكة، ولم تكن مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في عمرته، فإنه لم يَقدَمْ بها من المدينة، وإذا كانت مقيمة بمكة فكيف تكون محرمةً معه بسرِفَ؟ أم كيف ــ وإنما بعث إليها جعفر بن أبي طالب ــ خطَبَها؟ وهو يُوهّن الحديث ويعلّله.

  39. السابع: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوَّجها في عمرة القضية في خروجه، ورجع بها معه من مكة، وإنما كان يُحرم من ذي الحليفة، فيُشبِه أن تكون الشبهة دخلت على من اعتقد أنه تزوَّجها محرمًا من هذه الجهة، فإن ظاهر الحال

    vol. 5, p. 634أنه تزوّجها في حال إحرامه.

  40. أما من روى أنه تزوّجها حلالًا فقد اطلع على حقيقة الأمر وأخبر به، فإما أن يكون تزوَّجها قبل الإحرام أو بعد قضاء عمرته، لا سيما ومن روى أنه تزوَّجها قبل الإحرام معه مزيدُ علمٍ.