مسألة: (السابع: عقد النكاح لا يصح منه، ولا فدية فيه)
95 paragraphs · vol. 5, p. 623
Page 2 of 3
- vol. 5, p. 634
وقد روى مالك (١) عن ربيعة عن سليمان بن يسار أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث مولاه أبا رافع ورجلًا من الأنصار، فزوَّجاه ميمونة بنت الحارث ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة قبل أن يخرج.
-
ورواه الحميدي (٢) عن عبد العزيز بن محمد عن ربيعة عن سليمان بن يسار أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث العباس بن عبد المطلب وأبا رافع، فزوَّجاه بسرِفَ وهو حلال بالمدينة.
-
وهذا فيه نظر، وهذا الحديث وإن كان مرسلًا فهو يقوى من وجهين (٣) :
أحدهما: أن سليمان بن يسار هو مولاها، فمثله قد يطلع على باطن حالها، ومعه مزيدُ علمٍ خفي على غيره.
-
الثاني: أنه هو الذي روى حديث أبي رافع عنه كما تقدم، وأهل الحديث يعدُّونه حديثًا واحدًا، أسنده سليمان تارةً، وأرسله أخرى، فيعلم أنه
vol. 5, p. 635تلقَّى هذا الحديث عن أبي رافع، وهو كان الرسولَ في النكاح.
-
وقد روى يونس بن بكير (١) عن جعفر بن بُرقان عن ميمون بن مِهران عن يزيد بن الأصمّ قال: تزوَّج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ميمونة وهو حلال، بعث إليها الفضل بن العباس ورجل معه، فزوَّجوه إياها. وهذا يوافق الذي قبله في تقدُّم النكاح، ويخالفه في تسمية أحد الرجلين.
-
فإن قيل: فقد تقدم في (٢) رواية أبي داود (٣) من حديث حماد بن سلمة عن حبيب بن الشهيد عن ميمون بن مهران عن يزيد بن الأصم عن ميمونة قالت: تزوجني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن حلالان بسَرِفَ. وفي رواية: «بسَرِفَ ونحن حلالٌ بعدما رجعنا من مكة» . رواه أحمد (٤) . وهذا لا يكون (٥) إلا بعد العمرة وهو قافلٌ من مكة إلى المدينة.
-
وقد روى الأوزاعي قال: حدثنا عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج ميمونة وهو محرم. قال سعيد بن المسيب: وهم ابن عباس وإن كانت خالتَه، وتزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعدما حلَّ. رواه ابن عبد البر (٦) .
vol. 5, p. 636وقال ابن إسحاق: حدثني ثقة (١) عن ابن المسيّب أنه قال: هذا عبد الله بن عباس يزعم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نكح ميمونة وهو محرم، وكذبَ، وإنما قدِمَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة، فكان الحلُّ والنكاح جميعًا، فشُبِّه ذلك على الناس (٢) .
-
وهذا يدلُّ على أن من روى أنه تزوجها حلالًا اعتقد تأخُّر العقد عن الإحرام، وابن عباس أخبر بوقوعه قبل ذلك، فيكون هو الذي قد اطلع على ما خفي على غيره.
-
ويؤيد ذلك ما روى سُنَيد (٣) عن زيد (٤) بن الحباب عن أبي معشر عن شُرحبيل بن سعد قال: لقي العباس بن عبد المطلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالجحفة حين اعتمر عمرة القضية، فقال له العباس: يا رسول الله (٥) تأَيَّمتْ (٦) ميمونة
vol. 5, p. 637بنت الحارث بن حرب من (١) أبي [ق ٢٧٢] رُهْم بن عبد العزّى، فهل لك في أن تزوَّجَها؟ فتزوّجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو محرم، فلما أن قدم مكة أقام ثلاثًا، فجاءه سهيل بن عمرو في نفر من أصحابه من أهل مكة، فقال: يا محمد اخرجْ عنا، اليوم آخرُ شرطِك، فقال: «دعوني أبتني بامرأتي وأصنع لكم طعامًا» ، فقال: لا حاجة لنا بك ولا بطعامك، اخرج عنا. فقال له سعد: يا عاضَّ بَظْرِ أمِّه! أرضُك وأرضُ أمك دونه، لا يخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أن يشاء! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «دَعْهم فإنهم زارونا (٢) لا نؤذيهم»، فخرج (٣) فبنى بها بسَرِفَ.
-
وروى ابن إسحاق (٤) قال: حدثني أبان بن صالح وعبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد وعطاء عن ابن عباس: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تزوج ميمونة بنت الحارث في سَفْرته في هذه العمرة، وكان الذي زوَّجه العباس بن عبد المطلب، فأقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثًا، فأتاه حُويطب بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد وُدّ في نفرٍ من قريش، وكانت قريش قد وكَّلتْه بإخراج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مكة، فقالوا: قد انقضى أجلُك فاخرج عنا، فقال لهم: «لو تركتموني فعرَّستُ بين أظهركم، وصنعنا طعامًا فحضرتموه (٥) » فقالوا: لا حاجة لنا بطعامك فاخرجْ عنا. فخرج وخلَّف أبا رافع مولاه على ميمونة
vol. 5, p. 638حتى أتاه بها بسَرِفَ، فبنى عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هنالك.
-
وقد ذكر البخاري بعض هذا الحديث تعليقًا (١) ، فقال: وزاد ابن إسحاق: حدثني ابن نجيح وأبان بن صالح عن عطاء ومجاهد عن ابن عباس: «تزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ميمونة في عمرة القضاء» .
-
فقد اضطربت هذه الروايات في وقت تزوُّجه، فمِن قائلٍ إنه تزوَّجها قبل الإحرام، ومن قائلٍ عقبَ الحلّ بمكة، ومن قائلٍ بسرِفَ وهما حلالان، إما قبل الإحرام أو بعد رجوعه إلى المدينة. ثم أجود ما فيها حديث يزيد بن الأصمّ عن ميمونة، وحديث سليمان بن يسار عن أبي رافع، وقد رُوِيا مرسلينِ من وجوه هي أقوى من رواية من أسند، وهذه علة فيهما إن لم توجب الردَّ فإنها توجب ترجيح (٢) حديث ابن عباس الذي هو أصح إسنادًا.
قال عمرو بن دينار: حدثتُ (٣) ابنَ شهاب عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نكح ميمونة وهو محرم، فقال ابن شهاب: حدثني يزيد بن الأصم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تزوَّج ميمونة وهو حلال، قال عمرو: فقلت لابن شهاب: أتجعل حفظ ابن عباس كحفظ أعرابي يبول على عقبيه؟ (٤) .
-
قيل (٥) : أما رواية من روى أنه تزوَّجها وهما حلالان بسَرِفَ ــ إن كانت
vol. 5, p. 639محفوظة ــ فإن معناها والله أعلم أنه بنى بها ودخل بها بسرف، كما فسّرت ذلك جميع الروايات، فإنها كلها متفقة على أنه بنى بها بعد منصَرَفه من عمرته بسرف، وأكثر الروايات على أن عقد النكاح تقدَّم على ذلك، وقد تقدم أنه أراد أن يبني بها بمكة، اللهم إلا أن يكون تقدم الخِطبة والركون (١) ، ولم يعقد العقد إلا بسرف حين البناء؛ فإن هذا ممكن، وعلى هذا حمل القاضي (٢) الروايتين، وفسَّر قوله: «دعوني أُعرِّس» ، معناه: أعقِد وأعرِّس، فلما منعوه خرج إلى سرِفَ فعقدَ وعرَّس (٣) .
-
وأما رواية من روى أنه تزوَّجها قبل الإحرام أو بعده، فإما أن يكون الأول هو المطلع على حقيقة الأمر وخفي على الثاني، فإن ذاك مُثبِت وهذا نافٍ، لاسيما وسليمان بن يسار ويزيد بن الأصم أعلم بهذه القضية من غيرهما، ثم لم يتحدث بالعقد ولم يظهر إلا بعد مقدَمِه مكة وانقضاء عمرته، ومن هنا اعتقد من اعتقد أن العقد وقع في أثناء الإحرام. وقد ذكر هذا القاضي (٤) ، وقال: هذا تأويل جيد. أو أن يكون (٥) بعث أبا رافع ومن معه فخطبا له، ووقع الاتفاق والمواطأة على العقد، ثم لم يعقد إلا بعد الإحرام.
-
وأما كونهما قد رُوِيا مرسَلينِ، وكون يزيد بن الأصم لا يَعدِل ابنَ عباس= فليس بشيء، فإنه قد رُوِي مسندًا من وجوه مرضية مخرَّجة في
vol. 5, p. 640الصحاح والحسان. والقصة إذا أسندها من يحدّثها تارة وأرسلها أخرى كان أوكدَ في ثبوتها عنده وثقتِه بحديث من حدّثه، فإنه إنما يُخاف في الإرسال من ضعف الواسطة، فمتى سمّاه مرةً أخرى زال الريب.
-
وابن عباس - رضي الله عنه - لم يعارِض به يزيدَ بن الأصم في شيء يكون ابن عباس أعلمَ به منه، وإنما هو أمر نقليٌّ، العالم والجاهل فيه سواء. ثم ابن عباس لم يُسند روايته إلى أحد، ويزيد قد أسند روايته إلى خالته المنكوحة أم المؤمنين، ولا ريب أنها أعلم بحالها من ابن أختها ابن عباس.
-
الجواب الثاني: أن تزوُّج ميمونة وإن لم يُحكَم فيه بصحة رواية من روى أنه تزوَّجها حلالًا فلا ريب أنه قد اضطربت فيه [ق ٢٧٣] النقَلَة، ومع ما تقدم فلا وجه يصح الاحتجاج بها (١) لعدم الجزم بأنه تزوجها وهو محرم، فتتساقط الروايتان. وحديث عثمان لا اضطراب فيه ولا معارض له.
-
الجواب الثالث: أنه لو تيقَّنا أنه تزوَّجها محرِمًا لكان حديث عثمان هو الذي يجب أن يُعمل به لأوجهٍ:
أحدها: أن حديث عثمان ناقل عن الأصل الذي هو الإباحة، وحديث ابن عباس مُبقي (٢) على الأصل، فإن قدّرنا حديث ابن عباس متأخرًا لزم تغييرُ الحكم مرتين، وإن قدّرنا حديث عثمان متأخرًا لكان تزوُّجُ ميمونة قبل التحريم، فلا يلزم إلا تغيير الحكم مرةً واحدة، فيكون أولى.
-
الثاني: أن حديث ابن عباس كان في عمرة القضية قبل فتح مكة وقبل فرض الحج، كما تقدم، ولم تكن أحكام الحج قد مُهِّدت، ولا محظورات
vol. 5, p. 641الإحرام قد بُيِّنت، وحديث عثمان إنما قاله - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك؛ لأن النهي عن اللباس والطيب إنما بيِّن في حجة الوداع، فكيف النهي عن عقد النكاح؟ إذ حاجة المحرمين إلى بيان أحكام اللباس أشدُّ من حاجتهم إلى بيان حكم النكاح، والغالب أن البيان إنما يقع وقت الحاجة. فهذه القرائن وغيرها تدلُّ من كان بصيرًا بالسنن كيف كانت تُسَنُّ، وشرائع الإيمان كيف كانت تنزل= أن النهي عن النكاح متأخر.
-
الثالث: أن تزوُّجه فعلٌ منه، والفعل يجوز أن يكون خاصًّا به، وحديث عثمان نهيٌ لأمته، والمرجع إلى قوله أولى من فعله، ومن ردَّ نصَّ قوله وعارضه بفعله فقد أخطأ.
-
الرابع: أن حديث عثمان حاظرٌ وحديث ابن عباس مبيح، والأخذ بالحاظر أحوط من الأخذ بالمبيح.
-
الخامس: أن أكابر الصحابة قد عملوا بموجب حديث عثمان، وإذا اختلفت الآثار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نظرنا إلى ما عمل به الخلفاء الراشدون. ولم يخالفهم أحد من الصحابة فيما بلغنا إلا ابن عباس، وقد عُلِم مستند فتواه، وعُلِم أن من حرّم نكاح المحرِم من الصحابة يجب القطع بأنه إنما فعل ذلك عن علمٍ عنده خفي على من لم يحرِّمه، فإن إثبات مثل هذه الشريعة لا مطمعَ في دَرْكِه بتأويل أو قياس، وأصحابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعلمُ بالله وأخشى له (١) من أن يقولوا على الله ما لا يعلمون. بخلاف من أباحه، فإنه قد يكون مستنده الاكتفاء بالبراءة الأصلية، وإن كان قد ظهر له في هذه المسألة مستند آخر مضطرب.
- vol. 5, p. 642
السادس: أن أهل المدينة متفقون على هذا عملًا (١) وَرِثُوه من زمن الخلفاء الراشدين إلى زمن أحمد ونظرائه، وإذا اعتضد أحد الخبرين بعمل أهل المدينة كان أولى من غيره في أصح الوجهين، وهو المنصوص عن أحمد في مواضع. وقد تقدَّم أنه اعتضد في هذه المسألة [بعمل] (٢) أهل المدينة، لا سيما إذا كانوا قد رووا هم الحديث، فإن نقلهم أصحّ من نقلِ غيرهم من الأمصار، وهم أعلم بالسنة من سائر أهل الأمصار، وكان عندهم من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار الذين أُمِرنا باتباعهم بإحسانٍ ما لم يكن عند غيرهم. وإنما كان الناس تبعًا لهم في الرأي والرواية إلى انصرام خلافة عثمان وبعد ذلك، فإن لم يكونوا أعلمَ من غيرهم، فلم يكونوا بدونِ من سواهم. ونحن وإن لم نُطلِق القول بأن إجماعهم حجة (٣) فإنا نضعهم مواضعهم، ونؤتي كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، ونعرف مراتب المحدثين والمفتين والعاملين لنرجِّح عند الحاجة من يستحق الترجيح. وفي المسألة أقيسة شَبَهية (٤) ، ومعانٍ فقهية.
-
وأيضًا فإن الإحرام يحرِّم (٥) جميع دواعي النكاح تحريمًا يوجب الكفارة، مثل القُبلة والطيب، ويمنع التكلم بالنكاح والزينة، وهذه مبالغة في حَسْم موادّ النكاح عنه. وعقدُ النكاح من أسبابه ودواعيه، فوجب أن يُمنع منه.
- vol. 5, p. 643
وعكسه الصيام والاعتكاف، فإنه يحرِّم القُبلة، ولا يمنع الطيب والتكلُّم بالنكاح. والاعتكاف وإن قيل بكراهة الطيب فيه فإنه لا يحرِّم ذلك، ثم لا كفارة في شيء من مقدِّمات النكاح إذا فعله في الصيام والاعتكاف.
-
وقد بالغ الشرع في قطع أسبابه، حتى إنه يفرّق بين الزوجين في قضاء الحجة الفاسدة.
-
وأيضًا فإن المقصود بالنكاح حِلُّ الاستمتاع، فمن حقِّه أن لا يصح إلا في حلٍّ يقبل الاستمتاع، وأن لا يتأخر حلُّ الاستمتاع عن العقد؛ لأن السبب إذا لم يُفِدْ حكمه ومقصوده وقع باطلًا، كالبيع في محلٍّ لا يملك (١) ، والإجارة على منافع لا تُستوفى. ولهذا لم يصح في المعتدّة من نكاح أو وطء (٢) شبهة أو زنًا، ولا في المستبرأة في ظاهر المذهب، وإن قيل: تعتدُّ بعد العقد. وسائرُ أحكام النكاح من الإرث ووجوب [ق ٢٧٤] النفقة وجواز الخلوة والنظر توابعُ لحِلِّ الاستمتاع.
وإنما صح نكاح الحائض والنُّفَساء والصائمة لأن بعض أنواع الاستمتاع هناك ممكن، أو وقت الاستمتاع قريب، فإن الصائم يستمتع بالليل، والحائض يُستمتع منها بما دون الفرج. وأما المعتكف فإن أصحابنا قالوا: يصح نكاحه لأن منعه ... (٣) .
-
والإحرام يمنع الاستمتاع بكل حال منعًا مؤكدًا، لطول (٤) مدته على
vol. 5, p. 644وجه يفضي الاستمتاع إلى مشاقَّ شديدة: من المضيِّ في الفاسد، ووجوب القضاء والهدي، والتعرُّض لسخط الله وعقابه. والإحرام لا يُنال إلا بكُلَف ومشاقَّ، وليس في العبادات أشدُّ لزومًا وأبلغُ نفوذًا منه، فإيقاع النكاح فيه إيقاعٌ له [في مشقة] (١) .
-
وأيضًا فإن الإحرام مبناه على مفارقة العادات في الترفُّه، وترك أنواع الاستمتاعات، فلا يلبس اللباس المعتاد، ولا يتطيَّب ولا يتزيَّن ولا يتظلَّل، ويلازم الخشوع والاخْشِيشان، ويقصد بيت الله أشعثَ أغبرَ أدفرَ قمِلًا. ولا شكّ أن من يتزوج فقد فتح باب التنعم والاستمتاع، وعقد أسباب اللذة والشهوة، وتعرَّض للّهو واللعب، وحاله مخالفة لحال الخاشع المعرض عن جميع العادات. والصائم يخالفه في عامة هذه الأشياء، فإن محفيه (٢) الطيب والمِجْمر. والمعتكف بينهما.
-
وأيضًا فإن المعتدّة عن وفاة الزوج مُنِعت الطيبَ والزينة، حسمًا لموادِّ النكاح، ومفارقةً لحال المتزوجة، وأُلزِمتْ لزومَ المنزل، والمحرمة قد مُنِعت الطيبَ والزينة، فهي كالمعتدّة من [هذا] الوجه.
-
وأيضًا فإن المقصود من النكاح الاستمتاع، فلما مُنع المحرم من النكاح مُنع من مقصوده، كتملُّك الصيد لمّا كان مقصوده (٣) ابتذال الصيد وإتلافه مُنع منه كما (٤) كان ممنوعًا من مقصوده؛ يوضح ذلك: أن نفس مِلك الصيد
vol. 5, p. 645لا محظور فيه كملك [النكاح] (١) ، ولهذا لا يُمنع دوام ملك النكاح والصيد، وإنما يُمنع من ابتدائهما، وعكسه شِرى الجواري والطيب واللباس، لما لم يكن مقصوده مجرد الاستمتاع لم يُمنع منه.
-
فصل
وإذا تزوج وهو محرم ... (٢) .
-
فصل
ولا كفارة في النكاح؛ لأنه يقع باطلًا فلم يوجب كفارة (٣) ، كشراء الصيد واتِّهابه. وهذا (٤) لأنه لا أثر لوقوعه، فإن مقصوده لم يحصل، بخلاف الوطء واللباس ونحو ذلك. وكل ما وقع على مخالفة الشرع وأمكن إبطاله اكتُفِي بإبطاله عن كفارة أو فدية، بخلاف الأمور التي لا يمكن إبطالها. ولأنه من باب الأقوال والأحكام، وهذا الباب لا يوجب كفارة في الإحرام تختصُّ به، كما لو تكلَّم بكلام محرّم.
-
فصل
وأما تزويجه للحلال من رجل أو امرأة بطريق الولاية أو الوكالة أو بطريق الفضول ــ وقلنا: ينعقد تصرُّفُ الفضولي ــ فلا يصح أيضًا (٥) في
vol. 5, p. 646أشهر الروايتين، وفي الأخرى يصح؛ لأن الزوجين لا مانع فيهما، والمنع القائم بالوكيل والولي لا يتعدَّى إليهما. فعلى هذه الرواية يُحمل النهي على الكراهة.
-
والأول أصح؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى المحرم أن يَنكح أو يُنكح نهيًا واحدًا، فالتفريق بينهما لا يجوز. ولأن أصل النهي التحريم، وكل من لا يصح منه العقد (١) لنفسه بحال لا يصح لغيره، كالسفيه والمجنون والمرتدّ. ولأن المحرم ممنوع أن يتكلّم بالنكاح، وذلك [يُعدُّ] منه رفَثًا (٢) ، وعقده له تكلُّمٌ به. ولأن تزويجه لغيره يفضي إلى تذكُّره واشتهائه، والمحرم ممنوع من جميع مقدِّماته. ولأنه إعانة على استحلال ما هو محرم عليه، فلم يجز كإعانة الحلال على الوطء أو اللباس أو التطيُّب، فإنه إعانة على الاستمتاع بما هو مباح له، لا على استحلال ما هو محرم عليه، وهذا لأن فرج الزوجة لا يباح إلا بالعقد، كما أن الصيد المباح لا يباح إلا بتملك، ولحمه لا يباح إلا بالتذكية، بخلاف اللباس والطيب والوطء للحلال؛ فإنه حلال في نفسه. وهذا شَبه وتمثيل حسن.
-
وهذا في التزويج بالولاية الخاصة وهي النسب (٣) ، فأما بالولاية (٤) العامة وهي ولاية السلطان من الإمام والحاكم، ففيه وجهان:
أحدهما: ليس له أن يزوِّج بذلك أيضًا، لعموم الحديث والقياس. وهذا
vol. 5, p. 647ظاهر كلام أحمد، فإنه منع المحرم أن يزوّج مطلقًا ولم يفرّق، فعلى هذا يُزوِّج (١) خلفاء السلطان المُحِلُّون.
-
والثاني: يجوز ذلك؛ لأن الحاجة العامة تدعو إلى ذلك، وقد يستباح بالولاية العامة ما لا يستباح بالخاصة، كتزويج الكافرة.
-
وهذا ضعيف، فإن الأدلة الشرعية قد عمَّت، والفرق بينه وبين غيره إنما هو في أصل ثبوت الولاية، ولا ريب أن ولايته لا تزول بالإحرام، كما لا تزول ولاية غيره من الأولياء، أما نفس العقد بالولاية فلا فرق بينه وبين غيره. ولأن المانع هو شيء قائم به يقدح في [ق ٢٧٥] إحرامه، ولا فرق بينه وبين غيره في ذلك، ولا حاجة إلى مباشرته (٢) لوجود خلفائه.
-
هذه طريقة القاضي (٣) وغيره من أصحابنا.
وقال ابن عقيل: ليس له أن يباشر العقد، لكن هل يصح أن يباشر خلفاؤه وهو محرم؟ على وجهين، وهذا بعيد جدًّا.
فأما التزويج بملك اليمين ... (٤) .
-
وأما غيره من الأولياء إذا أحرم واحتاجت المرأة إلى من يزوِّجها، فقيل: قياس المذهب أن الولاية تنتقل إلى من هو (٥) أبعدُ منه من العصبة كما لو
vol. 5, p. 648غاب، ويتوجه أن لا تتزوج حتى يحلّ.