مسألة: (السابع: عقد النكاح لا يصح منه، ولا فدية فيه)
95 paragraphs · vol. 5, p. 623
Page 3 of 3
- vol. 5, p. 648
ومن وُكِّل في النكاح وهو محرم وزَوَّج بعد تحليله، جاز على مقتضى ما ذكره القاضي وابن عقيل، سواء قبل الوكالة وهو محرم أو بعد الإحرام، ولو كان التوكيل قبل الإحرام لم يبطل بالإحرام بطريق الأولى.
-
فصل
وأما ارتجاع زوجته المطلَّقة قبلَ الإحرام أو في حال الإحرام، ففيه روايتان:
إحداهما: له ذلك، قالها عبد الله (١) ، وهي اختيار الخرقي (٢) ، .... (٣) ، وأبي الخطاب وغيرهم؛ لأن الرجعية زوجة بدليل ثبوت الإرث بينهما، وثبوت الطلاق والخلع بينهما، وأن الرجعة لا تفتقر إلى ولي ولا مهر ولا رضًا، فارتجاعها ليس ابتداء مِلْك، وإنما هو إمساك، كما قال تعالى: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} (٤) [البقرة: ٢٢٩] ، {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [البقرة: ٢٣١] . ولأن الرجعية (٥) [إن] (٦) كانت مباحةً
vol. 5, p. 649فارتجاعها ليس استحلالًا لفرج، وإن كانت محظورةً فمجرد إزالة الحظر ليس ممنوعًا منه كتكفير المظاهر. ولأن الأصل عدم الحظر والمنع، وإنما حظرت السنة النكاح، والرجعة ليست نكاحًا ولا في معناه، فتبقى على الأصل.
-
والثانية: لا تجوز الرجعة وإن أفضى إلى البينونة في حال الإحرام، نقلها أحمد بن أبي عبدة والفضل بن زياد وحرب (١) ، وهي اختيار القاضي (٢) وأكثر أصحابه، مثل الشريف أبي جعفر وابن عقيل وأبي المواهب العُكْبَري وأبي الخطّاب في «خلافه» (٣) . لأن المحرم ممنوع من التكلم بالنكاح وهو الرفث، والارتجاعُ تكلُّمٌ به. ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهاه أن يَنكح أو يُنكح أو يخطب، وارتجاعه أقرب إليه من أن ينكح غيره أو أن يخطب، فإذا مُنع من أن يزوِّج أو يخطُب فمنعه من الرجعة أولى.
-
وهذا لأن المقصود حسم أبواب النكاح ومنع التعلُّق به بوجهٍ من الوجوه، والمرتجع متعلق به تعلقًا ظاهرًا.
-
ولأن الارتجاع وسيلة إلى الوطء ومقدمة له، فإن الراغب في الرجعة لا يؤمن عليه أن يرغب في الوطء، فمُنِع منها كالطيب. وعامة المعاني والأشياء المعتبرة في النكاح قد يمكن اعتبارها في الرجعة، بل ربما كان الارتجاع أشدَّ داعية من ابتداء النكاح، فإن تشوُّف (٤) النفس إلى امرأة يعرفها أكثر من
vol. 5, p. 650تشوُّفها إلى امرأة لا يعرفها، ولهذا مُنع في قضاء الحج من الاجتماع بالمرأة.
ولأن المنع من النكاح لم يكن لنقصٍ في ملك التصرُّف ولا لنقصٍ (١) في المحل، وإنما كان المعنى يعود إلى ... (٢) .
-
ولأن الرجعة استحلالٌ مقصود للبُضْع، وإثباتٌ لملك النكاح، فمُنِع منه كالعقد المبتدأ، وذلك لأن الطلاق يوجب التحريم وزوال ملك النكاح، إما في الحال أو في المآل بعد انقضاء العدة، والرجعة ترفع هذا التحريم، وتعيد الملك تمامًا. ولا نسلِّم أنه ليس بنكاح بل هو نكاح، ولهذا تصح بلفظه على أحد الوجهين، وفي الآخر إنما لم يصح بلفظه لكونه لا يدل على خصوص معنى الرجعة، كالوجهين في صحة الإجارة بلفظ البيع، مع أن الإجارة معاوضة محضة.
-
ولأن كل من لا يصح منه النكاح بحالٍ لا يصح منه (٣) الرجعة، كالصبي والمجنون والكافر.
-
ولأن من حَظَرَ عليه الإحرام شيئًا حَظر عليه استصلاحه واستبقاءَه.
فأما المرأة المطلَّقة إن كانت هي المحرمة، فهل للزوج الحلال أن يرتجعها؟ ... (٤) .
-
فإن لم يكن له ذلك فهل للرجعية أن تُحرِم؟ .... (٥) .
- vol. 5, p. 651
ويجوز أن يفيء المُولي باللسان وهو محرم، ذكره ابن عقيل؛ لأن الإيلاء لا يوجب التحريم (١) . ويجوز أن يصالح الناشز. ويجوز أن يكفِّر المظاهر وهو محرم؛ لأن الظهار لا يوجب خللًا في العقد، حتى تكون الكفارة مُصلِحةً للعقد، وليست كلامًا من جنس الرفث، فليست مثل النكاح لفظًا ولا معنى، وإنما هي عتق أو إطعام أو صيام يحلِّل يمينًا عليه. ولأن مقصودها رفع (٢) حكم اليمين تحليلًا أو تكفيرًا، كما أن مقصود شراء الجارية مِلك الرقبة، ولهذا قد تؤثّر في حلّ الفرج وقد لا تؤثّر، كما لو وطئ ثم زال النكاح بموت المرأة أو طلاقها، فإنه يجب عليه التكفير، كما أن ملك الرقبة قد يؤثّر في حلّ الفرج وقد لا يؤثّر.
-
فصل
فأما إذا خطب المحرم امرأة لنفسه وتزوَّجها بعد الحل، أو خطبها لرجل [ق ٢٧٦] حلال، أو خطبت المحرمة لمن يتزوجها بعد الحلّ= فقال القاضي وابن عقيل في بعض المواضع وأبو الخطاب وكثير من أصحابنا: تُكرَه الخطبة ولا تحرم، ويصح العقد في هذه الصور.
وقال ابن عقيل في موضع (٣) : لا يحلُّ له أن يخطب ولا يشهد. وهذا قياس المذهب؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الجميع نهيًا واحدًا ولم يفصِّل، وموجب النهي التحريم، وليس لنا ما يعارض ذلك من أثر ولا نظر، بل روي
vol. 5, p. 652ما يؤكد ذلك، فعن نافع أن عبد الله بن عمر قال: لا يصلح للمحرم أن يخطب ولا يَنكح ولا يخطب على غيره ولا يُنكِح غيره. رواه حرب (١) .... (٢) .
-
ولأن الخطبة مقدمة النكاح وسبب إليه، كما أن العقد سبب للوطء، والشرع قد منع ذلك كله حسمًا للمادة.
-
ولأن الخطبة كلام في النكاح وذكرٌ له، وربما طال فيها (٣) الكلام، وحصل بها أنواع من ذكر النساء، والمحرِم ممنوع من ذلك كله.
-
ولأن الخطبة تُوجب تعلقَ القلب بالمخطوبة، واستثقالَ الإحرام، والتعجُّلَ إلى انقضائه لتحصيل مقصود الخطبة، كما يقتضي العقد تعلقَ القلب بالمنكوحة، ولهذا مُنعت المعتدة أن تخطب كما مُنعت أن تنكح، ونُهي الرجل أن يخطب على خطبة أخيه كما نُهيت المرأة أن تسأل طلاق أختها.
-
فأما الشهادة فقد سوَّى كثير من أصحابنا بينها وبين الخطبة كراهةً وحظرًا.
وقال القاضي في «المجرد» : لا يُمنع من الشهادة على عقد النكاح؛ لأنه لا فعلَ له فهو كالخاطب، ... (٤) أن الشهادة لا تُكره مطلقًا إذ لا نصَّ فيها،
vol. 5, p. 653ولا هي في معنى المنصوص.
فأما توكيلُ غيره أو التوكُّل له ... (١) .