مسألة: (ولا يفسد النسك بغيره)
69 paragraphs · vol. 5, p. 686
Page 1 of 2
- vol. 5, p. 686
قال ابن المنذر (٢) : أجمع أهل العلم على أن الحج لا يفسُدُ بإتيان شيء حال الإحرام إلا الجماعَ.
-
وذلك لأن الله سبحانه ذكر حلق [ق ٢٨٤] الرأس قبل الإحلال للمعذور، وأوجب به الفدية، ولم يوجب القضاء كما أوجبه في من أفطر في رمضان لمرض أو سفر، وحرَّم قتل الصيد حال الإحرام وذكر فيه العقوبة والجزاء
vol. 5, p. 687ولم يفسد به الإحرام، ولم يوجب قضاء ذلك الإحرام. وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - من أحرم في جُبَّةٍ (١) أن ينزِعها، ولم يأمره بكفارة ولا قضاء.
-
والفرق بين المباشرة وبين غيرها من المحظورات من وجوه؛ أحدها: أن سائر محظورات الإحرام تُباح لعذر، فإنه إذا احتاج إلى اللباس والطيب والحلق وقتلِ الصيد فعَلَه وافتدى، والمباشرة لا تُباح بحالٍ (٢) .
فإن قيل: فلو كان به شبقٌ شديد يخاف من تشقُّقِ أنثييه، وقد قلتم إنه يفطر في رمضان ويقضي ... (٣) .
-
فصل
وكل وطء في الفرج فإنه يُفسِد، سواء كان قُبلًا أو دُبرًا، من آدمي أو بهيمة. وقد خرَّج أبو الخطاب (٤) وغيره في وطء البهيمة وجهًا أنه لا يُبطِل، وسوَّى حكمه على الروايتين في وجوب الحدّ به، وفرَّق غيرهم من أصحابنا كما تقدم في الصيام.
فأما إن وطئ ذكرًا أو بهيمة دون الفرج ... (٥) .
-
وإن حكَّ ذكرَه بسَرْجِه أو رَحْلِ دابته أو غير ذلك حتى أنزل فهو كالاستمناء.
- vol. 5, p. 688
فصل
ويفسد به الإحرام سواء فعله عامدًا أو ساهيًا، وسواء كان عالمًا بأنه محرَّم، أو بأن الوطء حرام عليه، أو بأنه مُفسِد، أو جاهل ببعض ذلك. هذا نصه ومذهبه؛ قال في رواية أبي طالب (١) : قال سفيان: ثلاثة في الحجِّ العمدُ والنسيان سواء؛ إذا أتى أهله، وإذا أصاب صيدًا، وإذا حلق رأسه.
قال أحمد (٢) : إذا جامع أهله بطل حجُّه؛ لأنه شيء لا يقدر على ردِّه، والشَّعر إذا حلقه فقد ذهب، لا يقدر على رده، والصيد إذا قتله فقد ذهب، لا يقدر على رده، فهذه الثلاثة العمد والنسيان والخطأ [فيها سواء] (٣) . وكل شيء من النسيان بعد هذه الثلاثة فهو يقدر على ردّه، مثل إذا غطَّى رأسه ثم ذكر ألقاها عن رأسه، وليس عليه شيء، أو لبِسَ ثوبًا أو خفًّا نزَعَه، وليس عليه شيء.
وقال في رواية صالح وحنبل (٤) : من زعم أن الخطأ والنسيان مرفوعانِ (٥) عنه، يلزمه لو وطئ أهله ناسيًا (٦) وهو محرم أن لا يكون عليه شيء، وإذا قتل صيدًا ناسيًا لا يكون عليه شيء.
-
ويتخرج أنه لا يفسُدُ الإحرام بوطء الجاهل والناسي، ولا شيء عليه، كروايةٍ عنه في قتل الصيد، لا سيّما وقد سوَّى هو بين الجماع وقتل الصيد.
- vol. 5, p. 689
وقد خرَّج أصحابنا تخريجًا أن الحلق والتقليم مثل قتل الصيد، فيلحق الجماع بذلك.
-
وقد يقال: الجماع أولى بذلك من قتل الصيد، لأنه أقرب إلى الاستمتاع الذي هو اللباس والطيب من قتل الصيد، فإنه إتلافٌ محض، وعلى روايةٍ ذكرها بعض أصحابنا (١) : أن جماع الناسي لا يبطل الصوم.
-
ويتخرج أنه يوجب الكفارة ولا يُبطل الإحرام، كإحدى الروايتين فيمن جامع ناسيًا أو جاهلًا، حيث قلنا: يبطل الصوم ولا كفارة فيه، فإن إبطال الصوم نظير إيجاب الكفارة في الإحرام، ووجوب الكفارة هناك نظير فساد الإحرام، لأن كفارة الصوم لا تجب إلا بالجماع (٢) ، كما لا يبطل الإحرام إلا بالجماع، بخلاف ما يُفسِد الصيام ويوجب الكفارة في الإحرام فإنه متعدد.
-
لكن محظورات الإحرام عند أصحابنا أغلظُ من محظورات الصيام لوجهين:
أحدهما: أن الإحرام في نفسه أوكدُ من الصيام من وجوه متعددة، مثل: كونه لا يقع إلا لازمًا، ولا يخرج منه بالفساد، وكونه يحرم فيه جميع المباشرات، وكونه لا يخرج منه بالأعذار.
-
الثاني: أن الإحرام عليه علامة تدل عليه، من التجرُّد والتلبية وأعمال النسك ورؤية المشاعر ومخالطة الحجيج، فلا يُعذر فيه بالنسيان، بخلاف الصيام فإنه ترك محض.
- vol. 5, p. 690
ووجهُ هذا عموم قوله سبحانه: {لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: ٢٨٦] قال الله سبحانه: قد فعلتُ (١) . وإيجاب القضاء والهدي مؤاخذة، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «عُفِي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما اسْتُكْرِهوا عليه» (٢) .
-
وأيضًا فإن الجماع منهيٌّ عنه، والمقصود تركه، وما نُهي عنه إذا فُعل سهوًا أو نسيانًا لم يكن فاعله عاصيًا ولا مخالفًا، بل يكون وجود فعله كعدمه. ومن سلك هذه الطريقة طرَدَها في جميع المنهيات.
-
وأيضًا فإن الجماع استمتاع، ففرق بين عمده وسهوه، كاللباس والطيب، وعكسه [ق ٢٨٥] الحلق وقتل الصيد.
-
ووجه المذهب: ما تقدم في جماع الناسي في رمضان، فهنا أولى.
-
وأيضًا فإن ما تقدم من الحديث المرفوع (٣) ، وفتاوى الصحابة في
vol. 5, p. 691أوقات متفرقةٍ لسُؤَّالٍ (١) شتَّى، ليس فيها استفصالٌ للسائل هل فعلتَ هذا عالمًا أو جاهلًا، عامدًا أو ناسيًا، ولا تفصيلٌ في الجواب بين مجامع ومجامع، مع ظهور الاحتمال في كون المجامع ناسيًا أو جاهلًا (٢) ، ولو في بعض تلك الوقائع؛ فإن المسلم الذي قد أمَّ بيت الله وهو معظِّم لحرماته إذا وقع منه الجماع: فوقوعه منه لعدم علمه بتحريمه، أو اعتقادِه زوالَ الإحرام، أو نسيانِه أنه محرِم= أظهرُ من وقوعه منه عالمًا بأنه مُحرِم ذاكرًا لإحرامه، لا سيما والعهد قريب، والدين غَضٌّ، والسابقون الأولون بين ظهرانيهم. وقد يظهر هذا الاحتمال في مثل الذي واقعَ امرأته بعد السعي قبل التقصير، فإنه موضع شبهة، قد اعتقد جماعة من العلماء جواز ذلك. ويؤيد ظهورَه في تلك الوقائع أنه لم يُنقَل فيها توبيخٌ للمجامع، وتقريعٌ له، وإكبارٌ لما فعله، وإعظامٌ له؛ مع أن جماع المحرم من الذنوب الشديدة، وهو انتهاك للحرمة، وتعدٍّ للحدود، ولولا استشعار المفتين نوعَ عذرٍ للسُّؤَّال لأغلظوا لهم في الكلام.
-
وأيضًا ما احتج به أحمد، وهو أن الجماع أمر قد وقع واستقر فلا يمكن ردُّه وتلافيه بقطعه أو إزالته (٣) ، فصار مثل الإتلافات من (٤) قتل الصيد وحلق الشعر، حيث لا يمكن ردُّ التالف (٥) ولا إعادته. وعكسه الطيب
vol. 5, p. 692واللباس؛ فإنه يمكن نزع اللباس وإزالة الطيب إذا ذكر وعلم التحريم، وذلك مثل الكفارة الماحية لما صدر منه، ولهذا أُمِر أن يفزع إلى التلبية، وهاهنا المجامع إذا ذكر بعد قضاء الجماع وعلم التحريم= لم يمكن منه فعلٌ فيه قطعٌ لما مضى ولا تركٌ له.
-
يبيِّن هذا أن المحرم قد نُهي عن أشياء، فإذا فعلها ناسيًا فالنسيان يزيل عنه (١) العقوبة، ولا يزيل عنه الكفارة الجابرة لما فعل، والماحيةَ للذنب الذي انعقد سببه، والزاجرة عن قلة التيقظ والاستذكار. ولهذا وجبت الكفارة بقتل المسلم خطأً مع أن الدية بدلٌ عنه، ووجبت الكفارة بعَوْد المظاهر وإن كان ناسيًا أو جاهلًا. فالمحظور المستدام يمكن الإقلاعُ عنه ومفارقته، فجُعِل هذا كفارةً له عند من يقول به. ومحظورٌ قد فات على وجهٍ لا يمكن ردُّه ولا تركه، فلا بدَّ من كفارة.
-
ولا يصح أن يقال: فما مضى من اللباس والطيب لا يمكن ردُّه؛ لأن اللباس والطيب المستدام فعل واحد، ولهذا لو كفَّر عنه واستدامه إلى آخر الإحرام لم يجب عليه كفارة أخرى، فإزالته إزالةٌ لنفس ما أوجب الكفارة. والجماع المتكرر أفعال متفرقة كقتل صُيُودٍ؛ ولهذا لو كفَّر عن جماع ثم جامعَ كان عليه كفارة أخرى، فذلك الجماع الذي وقع منه لا سبيل إلى استدراكه وردِّه البتة (٢) .
-
يبيِّن هذا أن اللابس والمتطيب يتأتَّى منه امتثال النهي عند العلم والذكر لمفارقة المنهي عنه، بخلاف المجامع والقاتل، فإنه لا يتأتَّى منه الامتثال
vol. 5, p. 693بالفعل لكن بالعزم.
-
فإن قيل: فلو لبس وتطيَّب، وأزالهما (١) ، ثم ذكر.
-
قيل: ذانك الفعلان مبناهما على الاستدامة، فإذا لم يستدمهما كان أولى أن لا تجب عليه كفارة، وطَرْدُه: المجامع لو ذكر فنزع فإنَّ نزْعَه لا يُعَدُّ مفارقة للمحظور، لأنه لا بدَّ من نزعٍ قريب، فلم يكن بذلك النزع متلافيًا لما فرَّط فيه.
-
وأيضًا فإن الجماع سبب يوجب القضاء، فاستوى عمده وسهوه كالفوات، ولا يصح الفرق بكون الفوات بترك ركنٍ، وهذا بفعل محظور، لأن القتل والعلم (٢) فعل محظور، وقد أوجب مقتضاه.
-
وأيضًا فإن الجماع أغلظ المحظورات وأكبر المنهيات، وجنسه لا يخلو عن موجِب ومقتضٍ، فإنه لا يقع باطلًا قطُّ؛ فإنه إن وقع في مِلكٍ قرَّر الملك، بحيث يستقر المهر إن كانت زوجة، ويستقر الثمن والملك إن كانت جارية معيبة أو فيها خيار، عمدًا وقع أو سهوًا. وإن وقع في غير مِلْك (٣) فلا يخلو عن عُقْرٍ (٤) ، أو عُقْرٍ وعقوبة، أو عقوبةٍ فقط عند من يقول به، وهو ينشر حرمة المصاهرة في ملك (٥) اليمين، والنكاح الفاسد، والوطء بالشبهة بالإجماع.
- vol. 5, p. 694
فإذا وقع في الإحرام الذي هو أغلظ العبادات ولم يكن له أثر، كان إخراجًا له عن حقيقته ومقتضاه، لاسيما والمُحرِم معه من العلامات على إحرامه ما يذكِّره بحاله، ويزجره عن مواقعة هذا المحظور.
-
وأيضًا فإن إفساده للإحرام من باب خطاب الوضع والإخبار، الذي هو ترتيب الأحكام على الأسباب.
-
وقد دلَّت السنة والإجماع على أن الجماع محرم، وأنه يُفسِد الإحرام، ويوجب القضاء والهدي. فإذا فعله ناسيًا أو جاهلًا كان ذلك عذرًا في الذم والعقاب اللذين هما من [ق ٢٨٦] توابع المعصية للأمر (١) والنهي. أما جعْلُ ذلك مانعًا من إفساد الحج وإيجاب القضاء والهدي فلا بدّ له من دليل، فإن ما كان من باب ترتيب الأحكام على الأسباب لا يؤثر فيه هذا إلا بدليل. وأكثرُ الأصول التي يقع فيها الفساد ويجب القضاء إذا وُجِد المفسد مع العذر، فمن ذلك الطهارة فإنها تفسد بوجود مفسداتها عمدًا وسهوًا، والصلاة تبطل بوجود العمل الكثير عمدًا وسهوًا، و (٢) بمرور القاطع بين يديه عمدًا وسهوًا، وفي الكلام والأكل خلاف معروف. وكذلك ملك النكاح ما يطرأ عليه فيفسده من صِهر ورضاع وغيرهما، لا فرق بين [العمد والسهو] ... (٣) وملك الأموال.
-
وموجبات الكفارات في غالب الأمر توجبها مع العمد والسهو، ككفارة القتل والظهار وترك واجبات الحج. والحج قد يغلُظ على غيره، فإلحاقه بأكثر الأصول أولى من إلحاقه بأقلّها، ثم لم يجئ أصلٌ في ذلك إلا في
vol. 5, p. 695الأكل في الصيام.
فأما ما دون الجماع من المحظورات: فما قيل فيه إنه يُفسِد الإحرام فهو كالجماع، وأما ما لا يفسده ... (١) .
-
فصل
ويجب أن يقضي مثل الذي أفسده، إن كان حجًّا قضى حجًّا، وإن كان عمرة قضى عمرة، وإن كان عمرة وحجًّا (٢) قضاهما. وعليه أن يحرم من أبعد الموضعين، وهما: المكان الذي أحرم منه أولًا، وميقات بلده؛ فلو كان أحرم بالعمرة أو الحجة الفاسدة من دون الميقات، فعليه أن يحرم في القضاء من الميقات، لأنه لا يجوز لأحد يريد الحج والعمرة أن يجاوز الميقات إلا محرمًا، ولأن تركه لواجبٍ أو فعلَه لمحظور في الأداء لا يُسوِّغ له تعديَ حدود الله في القضاء. وإن كان قد (٣) أحرم بهما من فوق الميقات، مثل أن يكون قد أحرم في مصره (٤) فعليه أن يحرم بالقضاء من ذلك الموضع. هذا نصه ومذهبه.
قال في رواية أبي طالب (٥) : في الرجل إذا واقع امرأته في العمرة عليهما قضاؤها من حيث أهلَّا بالعمرة، لا يُجزئهما إلا من حيث أهلَّا {الحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} [البقرة: ١٩٤] .
vol. 5, p. 696وقال في رواية ابن مُشَيش (١) : إذا أفسد الرجل الحج فعليه الحج من قابلٍ من حيث أوجب الإحرام. قيل له: فإن كان من أهل بغداد وقد أوجب الإحرام على نفسه، ولم يكن له من قابلٍ زادٌ ولا راحلة، [قال:] فعليه متى وجد.
وقد نصَّ في المُحصَر (٢) على خلاف ذلك، لما تقدم عن ابن عباس أنه قال: ويحرمان من حيث أحرما. ولم يُنقل عن صحابي خلافه لقوله تعالى: {وَالْحُرُمَاتُ} ، فأوجب على من انتهك حرمة ... (٣) .
-
فإن قيل: قد تقدم في الحديثين المرسلين: «حتى إذا كنتما بالمكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما، فأحرِما وتفرَّقا» ، وهو قول النخعي، وحظُّه من القياس وافر؛ لأن تلك المسافة قطعها بإحرام صحيح (٤) ، وإنما يقضي ما أفسده في المستقبل، ويؤيد هذا أن الواطئ بعد جمرة العقبة يقضي ما بقي عليه ... (٥) .
-
فصل
وليس عليه إلا قضاء واحد. فإن كانت الحجة المقضيَّة حجة الإسلام سقط الفرض عنه إذا قضاها، وكذلك إن (٦) كانت نذرًا، وكذلك لو كانت
vol. 5, p. 697قضاء فأفسدها لم يجب عليه إلا قضاء واحد، حتى لو أفسد القضاء ألف مرة لم يجب عليه إلا قضاء الواجب الأول، كسائر العبادات إذا أفسد (١) قضاءها (٢) ؛ لأن كل قضاء يُفسِده إذا قضاه فإن قضاءه يقوم مقامه، فإذا أفسد هذا القضاء فإن قضاءه يقوم مقامه، وهلمَّ جرًّا. فمتى قضى قضاء لم يُفسده فقد أدَّى به (٣) الواجب. وقد قيل لأحمد (٤) : أيتهما حجة [الفريضة:] (٥) التي أفسدها أو التي قضاها؟ قال: لا أدري.
-
فصل
وينحر هدي الفساد في عام القضاء. نصَّ عليه، قال في رواية أبي طالب (٦) : إذا وطئ وهو محرم أو قارِنٌ فسد حجه في سنته التي وطئ فيها، فإن كان معه هديٌ نحره، وإلا فليس عليه هدي، وقد فسد حجه إلى قابلٍ إذا حج أهدى. وكان عطاء يقول: يعجِّل الهدي في هذه السنة، فيقول: ما يدري ما يحدث عليه. والذي أقول به: إن كان معه هديٌ نحرَه، وإذا حج من قابلٍ أهدى، وإن لم يكن معه هدي فليس عليه حتى يحج من قابلٍ. وكذلك نقل الأثرم.
وقال القاضي: يجب إخراج الكفارة في السنة التي أفسدها، ولا يلزمه
vol. 5, p. 698كفارة ثانية في السنة التي يقضي فيها، قال: ومعنى قول أحمد في رواية الأثرم: «إن كان معه هدي نحره، ويُهدي في السنة الثانية» يعني به هديًا أوجبه على نفسه، وقوله: «يهدي في السنة» يعني يكون في ذمته.
قال ابن أبي موسى (١) : فسد حجهما، وعلى كل واحد منهما بدنةٌ، والحجُّ من قابلٍ إن كانت طاوعته، وإن استكرهها كفَّر عنها، وأحجَّها من قابلٍ من ماله، وفُرِّق بينهما في المكان الذي أصابها فيه في العام الماضي.
-
و [ق ٢٨٧] قيل عنه (٢) : يُجزئهما بدنة واحدة طاوعتْه أم أكرهَها؛ لأن الهدي قد وجب عليه بنفس الإفساد ومواقعة المحظور، فوجب إخراجه حينئذٍ كسائر الدماء الواجبة بفعل المحظورات.
-
ووجه المنصوص: أن الحديثين المرسلين وآثار الصحابة عامتها إنما فيها الأمر بالهدي مع القضاء، وهي العمدة في هذا الباب، لكن بعض ألفاظها محتملة وأكثر [ها] مفسّر، كما تقدم.
-
وأيضًا فإنه إذا وجب القضاء والهدي فإنما يخرج الهدي مع القضاء كهدي الفوات، وعكسه الإحصار.
-
وأيضًا فإن الهدي إنما [هو] جُبرانٌ للإحرام، وهذا الإحرام الفاسد إنما ينجبر بالقضاء والهدي، بخلاف الإحرام الصحيح فإنه ينجبر بمجرد الهدي.
-
فأما إن أتى في الإحرام الفاسد محظورًا مثل اللباس والطيب وقتل
vol. 5, p. 699الصيد، فإنه يخرجه .... (١) .
فإن أخرج هدي الفساد قبل القضاء ... (٢) .
وليس عليه بالإفساد إلا هدي واحد، كما تقدم في أحد الحديثين المرسلين وسائر فتاوى الصحابة، وقد جاء في الحديث الآخر ذِكْر هديينِ، وهي قضية عين، فلعلهما كانا قد ساقا هديًا، وهذا لأن ... (٣) .
-
فإن كان هذا الواطئ قد ساق هديًا نحره في السنة الأولى كما يقضي سائر المناسك، ولم يُجزِئه عن هدي الإفساد، كما لا يجزئه عن سائر الدماء الواجبة عليه.
-
فإن كان قد وجب عليه في الحجة الفاسدة دم بفعلِ محظورٍ من لباس أو طيب أو غير ذلك، لم يسقط عنه بفعل (٤) القضاء قولًا واحدًا.