مسألة: (ولا يفسد النسك بغيره)

69 paragraphs · vol. 5, p. 686

Page 2 of 2

  1. وإن كان قد وجب عليه بتركِ واجب؛ مثل: إن أحرم دون الميقات ثم أفسد الإحرام، أو أفاض من عرفات قبل الليل، أو ترك رمي الجمار ونحو ذلك، فهل يسقط عنه بفعل القضاء؟ ففيه روايتان منصوصتان:

    إحداهما: يسقط. نص عليه في رواية مهنّا (٥) في رجل جاوز الميقات إلى مكة، ثم أحرم بعمرة فأفسدها: عليه قضاؤها، يرجع إلى الوقت يُحرم منه، فقيل له: أفلا يكون عليه شيء لتركه الوقتَ أول مرة؟ قال: لا.

    vol. 5, p. 699
  2. وذلك لأن الدم قائم مقام النسك المتروك، فإذا قضى ما تركه فقد قام القضاء مقام ما ترك فأغنى عن الدم، بخلاف ما وجب لفعل محظور، فإن ذلك المحظور لم يخرج عنه كفارة، وبخلاف ما لو عاد إلى الميقات محرمًا، فإن إحرامه قد نقص نقصًا لم يُجْبَر بالعود إليه، وهنا قد أحرم إحرامًا مبتدأ من الميقات.

    vol. 5, p. 700
  3. والثانية: لا يسقط. نص عليه في رواية ابن منصور (١) ، وذكر له قول سفيان في رجل جاوز الميقات فأهلَّ ثم جامع: عليه أن يحج من قابلٍ وعليه بدنة، وليس عليه دم لتركه الميقات، قال أحمد: عليه دم لتركه الميقات ويمضي في حجته، ويصنع ما يصنع الحاج، ويلزمه ما يلزم المحرم في كلّ ما أتى، لأن الإحرام قائم، وعليه الحج من قابلٍ والهدي.

  4. وهذه اختيار أصحابنا؛ لأن من أصلنا أن الدم الواجب بترك الإحرام من الميقات لا يسقط بالقضاء، كما لو أحرم دون الميقات ثم عاد إلى الميقات (٢) محرمًا.

  5. وأيضًا فإن الحجة الفاسدة حكمها حكم الصحيح في كل شيء، وعليه أن يَجْبُرها إذا ترك واجبًا أو فعل محظورًا، فلو قلنا: إن ما يفعله في قضائها يقوم مقام ما يفعله فيها، لكُنَّا لم نوجب عليه إتمام الحجة الفاسدة. ولأنه لو كان القضاء يقوم مقام ما يتركه في الحجة الفاسدة لم يجب عليه المضيُّ فيها، بل قد أوجب الشرع عليه إتمام الأولى وقضاءها.

  6. وإن كان متمتعًا أو قارنًا قد وجب عليه دم بسبب ذلك، ثم وطئ، فهل يسقط عنه دم المتعة والقران؟ على روايتين منصوصتين أيضًا:

    إحداهما: ليس عليه دم متعة ولا قران، وقد تقدم نصُّه على ذلك في رواية أبي طالب: فيما إذا وطئ وهو محرم بعمرة أو قارنٌ إن كان معه هدي نحره، وإلا فليس عليه هدي إلى قابلٍ، فإذا حجَّا أهديا. وقال أيضًا في رواية المرُّوذي (١) وقد سئل عن متمتع دخل مكة فوطئ قبل أن يطوف بالبيت، فقال: لا تقل: متمتع، ولكن قلْ: معتمر، يرجع إلى الميقات الذي أهلَّ منه، فيحرم بعمرة، وعليه دم، وإن كان الوقت ضيقًا أهلَّ بالحج، فإذا فرغ منه أهلَّ بالعمرة.

    vol. 5, p. 701
  7. فلم يوجب عليه دم التمتع، وذلك لأنه لم يترفَّهْ بسقوط أحد السفرين؛ لأنه قد وجب عليه سفر (٢) آخر في القضاء.

  8. والرواية الثانية: لا يسقط عنه دم المتعة والقران، نص عليه في رواية ابن منصور (٣) ، وذُكِر له قول سفيان في رجل أهلَّ بعمرة في أشهر الحج ثم جامع أهله قبل أن يطوف بالبيت ثم أقام إلى الحج: يحج (٤) وعليه دمٌ لعمرته، وليس عليه دم للمتعة لأنه أفسدها، فقال أحمد: عليه دم للمتعة ودم لما أفسد من العمرة.

  9. لأن كل ما وجب الإتيان به في النسك الصحيح وجب الإتيان به

    vol. 5, p. 702في الفاسد [ق ٢٨٨] كالطواف؛ وذلك لأنه مأمور بإتمام الفاسد حتى يكون مثل الصحيح، إلا في أن أحدهما حصل فيه الوطء فأفسده والآخر عرِيَ عن ذلك. فعلى هذا إذا أحرم بقران القضاء فهل عليه دم غير دم (١) الفساد ودم القران الفاسد؟ كلام أحمد والأصحاب يقتضي أنه ليس عليه دم آخر.

    وأما المتمتع فإن كان قد وطئ في العمرة فقد وجب عليه قضاءٌ. فإذا قضاها ... (٢) .

    فإن لم يقضِها قبل الحج فعليه دم لترك الميقات، نص عليه ... (٣) .

  10. فصل

    والدم الواجب بالوطء ونحوه أربعة أقسام:

    أحدها: بدنة مع الإفساد.

  11. والثاني: شاة مع الإفساد.

  12. والثالث: بدنة بلا إفساد.

  13. والرابع: شاة بلا إفساد.

  14. فصل

    وعليهما أن يتفرقا في القضاء؛ قال في رواية ابن منصور (٤) في الذي يصيب أهله مهلًّا بالحج: يُهِلّان من قابلٍ ويتفرقان، وأرجو أن يجزئهما

    vol. 5, p. 703هدي واحد.

  15. وقال في رواية الأثرم (١) في الرجل يصيب امرأته (٢) وهما محرمان: يتفرقان إذا عادا إلى الحج في النزول والمَحْمِل والفُسطاط وما أشبه ذلك.

  16. لأن في أحد الحديثين المرسلين (٣) : فقال لهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اقضِيا نسككَما وأَهدِيا هديًا، ثم ارجعا، حتى إذا جئتما المكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما فتفرَّقا، ولا يرى واحد منكما صاحبه، وعليكما حجة أخرى، فتُقبِلان حتى إذا كنتما بالمكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما فأحرِما» . وفي الآخر: فقال لهما: «أتِمَّا حجَّكما ثم ارجعا، وعليكما حجة أخرى [من] قابلٍ، حتى إذا كنتما في المكان الذي أصبتما فأحرِما وتفرَّقا، ولا يرى واحد منكما صاحبه، ثم أتِمَّا مناسككما وأهدِيا» .

  17. وفي حديث عمر (٤) : «يقضيان حجهما ــ والله أعلم بحجهما ــ ثم يرجعان حلالًا، كل واحد منهما لصاحبه حلالًا، حتى إذا كانا من قابلٍ حَجّا وأهدَيا، وتفرقا من حيث أصابا، فلم يجتمعا حتى يقضيا حجهما» .

  18. وفي الرواية المشهورة عن ابن عباس: «اقضيا ما عليكما من نسككما هذا، وعليكما الحجُّ من قابلٍ، فإذا أتيتما على (٥) المكان الذي فعلتما فيه ما

    vol. 5, p. 704فعلتما فتفرقا، ولا تجتمعان حتى تقضيان نسككما». وفي رواية أخرى عنه: «ولا يمرّان على المكان الذي أصابا فيه ما أصابا (١) إلا وهما محرمان، ويتفرقان إذا أحرما». وفي رواية أخرى عنه: «ويُحرِمان من حيث كانا أحرما، ويتفرقان» .

  19. وعن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة (٢) : أنه سئل (٣) ابن عباس عن رجل أصاب امرأته وهو محرم، قال: عليهما الحج من قابلٍ، ثم يتفرقان من حيث يحرمان، ولا يجتمعان حتى يقضيا مناسكهما، وعليهما الهدي. رواه النجّاد (٤) .

  20. وفي رواية الحكم (٥) عن علي قال: يفترقان (٦) ولا يجتمعان إلا وهما حلالان، وينحر كل واحد منهما جَزورًا، وعليهما الحج من قابلٍ، يُحرمان بمثل ما كانا أحرما به في أول مرة، فإذا مرّا بالمكان الذي أصابها فيه تفرقا، فلم يجتمعا (٧) إلا وهما حلالان.

  21. وذكر مالك (٨) عن علي: فإذا أهلَّا بالحج من عام قابلٍ تفرقَا، حتى

    vol. 5, p. 705يقضيا حجَّهما.

  22. فهذه أقوال الصحابة مع المرسل المرفوع لا يُعرَف أثر صريح يخالف ذلك. وذلك لأنه إذا جامعها في المكان الذي واقعها فيه لم يُؤمَن أن تتكرر تلك الحال، فتدعوه نفسه إلى مواقعتها، فيُفسِد الحجة الثانية كما أفسد الأولى، فإن رؤية الأمكنة تُذكِّر بالأحوال التي كانت فيها، وشهوة الجماع إذا هاجت فهي قاهرة (١) لا تنضبط، وهذا معروف في الطباع، وقد (٢) ذكر الشعراء ذلك في أشعارهم، حتى قيل: إن سبب حب الوطن ما قضته النفس من الأوطار فيه، وربما قد جرِّب.

  23. وأيضًا فإن مفارقة الحال والمكان الذي عصى الله فيه من تمام التوبة.

  24. وأيضًا فإنهما لما اجتمعا على معصية الله كان من توبتهما أن يتفرقا في طاعة الله، لقوله {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} [الزخرف: ٦٧] ، وقد قال طاوس: «ما اجتمع رجلان على غير طاعة الله إلا تفرَّقا عن تَقالٍ (٣) » (٤) ، فإن تعجَّلا ذلك التقال (٥) في الدنيا كان خيرًا لهما من تأخيره إلى الآخرة.

    vol. 5, p. 706وأيضًا ... (١) .

    فعلى هذا ليس عليه أن يفارقها في الإحرام الفاسد، ولا بعد رجوعهما (٢) قبل الإحرام بحَجة القضاء. فأما أحد الحديثين المرسلين، وحديث علي ... (٣) .

    فإذا أحرما بالقضاء فهل يفارقها من حين الإحرام أو إذا بلغا مكان الإصابة؟ فيه روايتان ذكرهما ... (٤) .

  25. إحداهما: من حين الإحرام، وهو ظاهر ما ذكرناه عن أحمد؛ لأنه كذلك في حديث علي وحديث ابن عباس (٥) ، ولأنه يُخاف عليهما فساد الإحرام في أوله كما يُخاف عليهما في آخره.

  26. والثانية: من الموضع الذي أصابها فيه، وهو الذي ذكره ابن أبي موسى (٦) والقاضي (٧) [ق ٢٨٩] وأصحابه وعامة ... (٨) ؛ لأن الذي في المرفوع: «حتى إذا كنتما في المكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما فتفرَّقا» . وكذلك رُوي عن عمر ولم يختلف عنه، وكذلك هو أجود الروايتين عن علي وابن عباس.

  27. ولعله يُجمع بين الروايات بأن يكون التفرُّق من حين الإحرام مستحبًّا (١) ، ومن موضع الإصابة واجبًا (٢) ، ولعله يستحبُّ التفرق في الحجة الفاسدة. ولا يزالان متفرقين إلى حين الإحلال الثاني، لأن ما قبل ذلك فالجماع محرم عليه، ويتوجه ... (٣) .

    vol. 5, p. 707
  28. وصفة التفرق على ما ذكره أحمد: أن لا يجتمعا في محمل ولا فسطاط، في الركوب ولا في النزول، وفي المرسل: «أن لا يرى أحدهما صاحبه» . فأما كونهما في رُفقةٍ أو في قِطار فلا يضرُّهما.

  29. وهل هذا التفرق واجب أو مستحب؟ خرَّجها ابن حامد على وجهين، أحدهما: أنه واجب، وهو ظاهر كلام أحمد والآثار المروية في ذلك .... (٤) .