مسألة: (والمرأة كالرجل، إلا أن إحرامها في وجهها، ولها لبس المخيط)
8 paragraphs · vol. 5, p. 707
- vol. 5, p. 707
في هذا الكلام فصول:
أحدها: أن المرأة في تحريم الطيب وقتل الصيد وتقليم (٦) الأظافر والحلق والمباشرة كالرجل؛ لما تقدَّم من الأدلة الدالة على تحريم ذلك
vol. 5, p. 708عليهما؛ ولأن المعاني التي من أجلها حُرِّم ذلك على الرجل موجودة في المرأة وربما كانت أشدَّ.
-
الثاني: أنها لا يحرم عليها لبس المخيط ولا تخمير الرأس؛ فلها أن تلبس الخفين والقميص لما تقدم؛ وذلك لأنها محتاجة إلى ستر ذلك لأنها عورة، ولا يُحصِّل سترَه (١) في العادة إلا ما صُنِع على قدره، ولو كُلِّفتِ السترَ بغير المخيط لشقّ عليها مشقة شديدة. ولما كان الستر واجبًا وهو مصلحة عامة لم يكن محظورًا في الإحرام. وسقط عنهن التجرُّد كما سقط استحباب رفع الصوت بالإهلال والصعود على مزدلفة والصفا والمروة، لما فيه من بروزها وظهورها.
-
الفصل الثالث: أن إحرامها في وجهها، فلا يجوز لها أن تلبس النقاب والبرقع، وهذا إجماع.
قال أصحابنا: وستر رأسها واجب، فقد اجتمع في حقها وجوب (٢) ستر الرأس ووجوب كشف الوجه، ولا يمكن تكميل أحدهما إلا بتفويت تكميل الآخر. فيجب أن تكمل الرأس لأنه أهم، كما وجب أن تستر سائر البدن ولا تتجرد؛ ولأن المحظور أن تستر الوجه على الوجه المعتاد كما سيأتي. وسترُ شيء يسير منه تبعًا للرأس لا يُعدُّ سترًا للوجه. فأما في غير الإحرام فلا بأس أن تطوف منتقبةً، نصّ عليه.
-
فإن احتاجت إلى ستر الوجه، مثل أن يمرَّ بها الرجال وتخاف [أن] يروا وجهها، فإنها ترسل من فوق رأسها على وجهها ثوبًا، نصّ عليه.
vol. 5, p. 709قال أبو عبد الله في رواية أبي طالب (١) : وإحرام الرجل في رأسه، ولا يغطِّي رأسه (٢) ، ومن نام فوجد رأسه مغطًّى فلا بأس، والأذنان من الرأس. يخمِّر أسفلَ من الأذنين وأسفلَ من الأنف. والنبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تُخمِّروا رأسه» (٣) . فأذهبُ إلى قول النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال: وإحرام المرأة في وجهها، لا تنتقب و [لا] تتبرقع، وتُسدلِ الثوب على رأسها من فوق، وتلبس من خزِّها وقَزِّها (٤) ومعصفرها وحُليِّها في إحرامها، مثل قول عائشة - رضي الله عنها -.
-
وذلك لما روت عائشة قالت: «كان الرُّكبان يمرُّون بنا ونحن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محرمات، فإذا حَاذَوا (٥) بنا سَدَلَتْ إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه». رواه أحمد - رضي الله عنه -، وأبو داود وابن ماجه (٦) .
-
ولو فعلت ذلك لغير حاجة جاز، على ما ذكره أحمد - رضي الله عنه -.
vol. 5, p. 710قال ابن أبي موسى (١) : إن احتاجتْ سدلتْ.
لكن عليها أن تُجافي ما تسدله عن البشرة، فإن أصاب البشرة باختيارها افتدت، وإن وقع الثوب على البشرة بغير اختيارها رفعتْه بسرعة، ولا فدية عليها، كما لو غطى ... (٢) .
-
فإن لم ترفعه عن وجهها مع القدرة عليه افتدتْ، هذا قول القاضي وأصحابه وأكثر متأخري أصحابنا (٣) ، وحملوا مطلق كلام أحمد عليه، لأنه قال (٤) : إحرام الرجل في رأسه، وإحرام المرأة في وجهها، قالوا: لأن وجه المرأة كرأس الرجل بدليل ما روي ... (٥) . ورأس الرجل لا يجوز تخميره بمخيط ولا غير مخيط, فكذلك وجه المرأة. لكن موجب هذا القياس أن لا تخمِّر وجهها بشيء منفصل عنه كرأس الرجل وهذا غير صحيح.
-
والذي يدل عليه كلام أحمد وقدماء أصحابه: جواز الإسدال، سواء وقع على البشرة أو لم يقع؛ لأن أحمد قال: تسدل الثوب، وقال ابن أبي موسى (٦) : إحرامها في وجهها، فلا تغطِّيه ولا تتبرقع، فإن احتاجت سدلت على وجهها. لأن عائشة ذكرت أنهن كنّ يُدلين [ق ٢٩٠] جلابيبهن على وجوههن من رؤوسهن، ولم تذكر مجافاتها، فالأصل عدمه؛ لاسيما وهو لم