مسألة: (وجزاء الصيد مثل ما قتل من النعم، إلا الطائر فإن فيه قيمته، إلا الحمامة فيها شاة، والنعامة فيها بدنة)
123 paragraphs · vol. 6, p. 9
Page 3 of 4
- vol. 6, p. 32
والأصل في ذلك أن الله أوجب مثل المقتول من النَّعم؛ ومثلُ الصغير صغير كما أن مثل الكبير كبير.
-
وقوله بعد ذلك: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} لا يمنع من إخراج الصغير؛ لأن كل ما يُهدى إلى الكعبة فهو هَدْي، ولهذا لو قال: لله عليَّ أن أُهدِي الجفرةَ، جاز.
-
نعم، الهدي المطلق لا يجوز فيه إلا الجَذَع من الضأن والثَّنِيُّ من
vol. 6, p. 33المَعْز، والهدي المذكور في الآية ليس بمطلق، فإنه منصوب على الحال من قوله: {مِثْلُ مَا قَتَلَ} ، والتقدير: فليُخرِج مثل المقتول على وجه الإهداء إلى الكعبة. وهذا هدي مقيد لا مطلق. فعلى هذا: منه ما يجب في جنسه الصغير كما تقدم، ومنه ما يجب في جنسه الصغير والكبير، فيُنظر إلى المقتول فتُعتبر (١) صفاته، فيجب في الصغير صغير، وفي الكبير كبير، وفي الذكر ذكر، وفي الأنثى أنثى، وفي الصحيح صحيح، وفي المعيب معيب، تحقيقًا للمماثلة (٢) المذكورة في الآية.
-
فإن كان الصيد سمينًا أو مُسِنًّا أو كريم النوع اعتُبِر في مثله مثلُ (٣) ذلك، ويفتقر هنا في المماثلة إلى الحكمين. هذا قول ابن أبي موسى (٤) والقاضي (٥) وعامة من بعده من أصحابنا. وإن فدى الصغيرَ بالكبير فهو أحسن.
-
وخرَّج ابن عقيل وجهًا على قول أبي بكر في الزكاة: أن لا يجزئ عن المريض إلا صحيح (٦) .
قال القاضي وأصحابه مثل ابن عقيل وأبي الخطاب (٧) : فإن فدى الذكرَ
vol. 6, p. 34بالأنثى جاز، فهو أفضل لأنها خير منه، وإن فدى الأنثى بالذكر ففيه وجهان: أحدهما: يجوز لأنهما جنس واحد. والثاني: لا يجوز لأن الأنثى أفضل.
وقال ابن أبي موسى (١) : في صغار أولاد الصيد صغارُ أولاد المُفدَى به، وبالكبير أحسن. وإذا أصاب صيدًا أعور أو مكسورًا فداه بمثله، وبالصحيح أحسن، ويَفدِي الذكر بالذكر والأنثى بالأنثى، وهو قول علي بن أبي طالب.
-
وعلى هذا فلا يُفدى الذكر بالأنثى، ولا الأنثى بالذكر؛ لأن في كل منهما صفةً مقصودة ليست في الآخر، فلم يجز (٢) الإخلالُ بها، كما لو فدى الأعور الصحيح الرجلين بالأعرج الصحيح العين.
-
وقياس المذهب عكسُ ذلك؛ وهو أنه (٣) إن فدى الأنثى بالذكر جاز، وفي العكس تردُّد، وقد نصّ أحمد على أن في الضبع كبشًا. لأن الهدايا والضحايا المقصودُ منها اللحم، ولحم الذكر أفضل، بخلاف الزكاة والديات، فإن المقصود منها الاستبقاء للدَّرّ والنسل؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى في الضبع بكبش، والضبع إما أن يكون مخصوصًا بالأنثى، أو يشمل الذكر والأنثى، فإن الذكر يسمّى الضِّبْعان.
-
وإن فدى الأعور بالأعرج ونحو ذلك مما يختلف فيه جنس العيب لم يجز.
- vol. 6, p. 35
وإن فدى أعور العين اليمنى بأعور العين اليسرى أو بالعكس جاز؛ لأن جنس العيب واحد وإنما اختلف محلُّه، وكذلك إن فدى أعرج اليد بأعرج الرجل.
-
وأما الماخض (١) فقال أبو الخطاب (٢) وطائفة غيره: يضمنه بماخضٍ مثله، فإن لم يكن له مثلٌ ضمنه (٣) بقيمة مثله ماخضًا. وعلى هذا فيعتبر أن يكون قد مرَّ له من مدة الحمل مثل حمل الصيد أو أكثر.
وقال القاضي: يضمن الماخض بقيمته مطلقًا.
-
وإذا لم يجد جريحًا من النَّعم يكون مثل المجروح من الصيد، ولم يجد معيبًا= أخرج [ق ٢٩٨] قيمة مثله مجروحًا.
-
فصل
وإذا أتلف بعض الصيد ــ مثل أن جرحَه، أو كسرَ عظمه، ولم يخرجه عن امتناعه ــ ضمن ما نقص منه إن لم يكن له مثل، وإن كان له مثلٌ نُظِر كم ينقص الجرحُ من مثله، ثم فيه وجهان؛ أحدهما: عليه أن يخرج بقسطه من المثل، فإن نقَصَه الجرحُ السدسَ أخرج سدسَ مثلِه. والثاني: يخرج قيمة ذلك الجزء من مثله، فيخرج قيمة السدس، وهو قول القاضي (٤) . وهو أقيس بالمذهب ....
- vol. 6, p. 36
ولو أفزعَه وأذعرَه، فقال أحمد في رواية الميموني (١) في محرم أخذ صيدًا ثم أرسله: فإن كان حين أخذه أعنَتَه تصدَّقَ بشيء، لمكان أذاه وإذْعَارِه إيّاه، لأنه قد حرم عليه ترويعُه بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يُنفَّر صيدُها» (٢) . وإذا أرسله وقد ذُعِر وفَزِع لم يُعِدْه إلى مثل حاله (٣) الأولى.
والذُّعر ... (٤) .
-
فصل
ويضمن بيض الصيد ــ مثل بيض النَّعام والحمام وغير ذلك ــ بقيمته. قال في رواية حنبل (٥) في المحرم يصيب بيض النعام: فيه قيمته، فإذا لم يجد صام.
-
لما روى سعيد بن أبي عروبة عن مطر عن معاوية بن قُرّة عن رجل من الأنصار: أن رجلًا أوطأ بعيرَه أُدْحِيَّ (٦) نَعامٍ فكسرَ بيضَها، فانطلق إلى علي - رضي الله عنه - فسأله عن ذلك، فقال له علي: عليك بكل بيضةٍ جنينُ ناقة أو ضِرابُ ناقة. فانطلق إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر ذلك له، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «قد قال عليٌّ ما سمعت، ولكن هلمَّ إلى الرخصة: عليك بكل بيضةٍ صومُ يوم
vol. 6, p. 37أو إطعامُ مسكين». رواه أحمد في «المسند» وأبو داود في «مراسيله» (١) .
-
وإنما أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - ــ والله أعلم ــ بطعام مسكين لكل بيضة؛ لأن قيمة البيضة كانت إذ ذاك بقدر طعام مسكين، يدلُّ عليه ما روى أبو هريرة قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيض النعام، قال: «قيمته» (٢) . وعن ابن عباس قال: قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيض النعام يصيبه المحرم بثمنه. رواهما النجاد (٣) .
-
وعن أبي الزناد قال: بلغني عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حكم في بيض النعام في كل بيضة صيام يوم [أو إطعام مسكين] . رواه أبو داود في «مراسيله» (٤) ، وقال: «أُسْنِدَ هذا الحديث، وهذا هو الصحيح» (٥) .
- vol. 6, p. 38
وأيضًا عن إبراهيم قال: قال عمر في بيض (١) النعام يصيبه المحرم، قال: ثمنه (٢) .
-
وعن أبي عبيدة عن أبيه (٣) عبد الله بن مسعود: في بيض النعام يصيبه المحرم، قال: فيه ثمنه، أو قدْرُ ثمنِه (٤) .
-
وكان علي يقول: يُضرَب له من الإبل بقدر ما أصاب من البيض، فما نُتِج فهو هدْيٌ، وما لم يُنتَج فهو بما يفسد من البيض (٥) .
-
وعن ابن عباس في بيض النعام قال: قيمته أو ثمنه (٦) .
-
وعن إبراهيم قال: كانوا يقولون: في بيض النعام وشبهه يصيبه المحرم فيه ثمنه (٧) . رواهن (٨) سعيد بن منصور.
- vol. 6, p. 39
وعن عبد الله بن حُصين أن أبا موسى قال: في كل بيضةٍ صومُ يوم أو إطعامُ مسكين (١) .
-
وعن أبي عبيدة قال: كان عبد الله بن مسعود يقول: في كل بيضةٍ من بيض النعام صومُ يوم أو إطعام مسكين (٢) . رواهما ابن أبي عروبة (٣) .
-
فقد اتفقت أقوال الصحابة أن فيه قيمته إلا ما يروى عن علي - رضي الله عنه -، وقد تقدم أن فتياه عُرضت على النبي - صلى الله عليه وسلم - فأفتى بخلافها، والحديث مسند ذكره الإمام أحمد في «المسند» . وإن كان مرسلًا فقد عضده عملُ جماهير الصحابة والتابعين به، وأنه أُسنِد من وجهٍ آخر، وذلك يجعله حجة عند من لا يقول بمجرد المرسل.
-
وأيضًا فإن البيض جزء من الصيد يُتطلَّب كما يُتطلَّب الصيد، قال مجاهد في قوله: {لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} [المائدة: ٩٤] ، قال: البَيْض والفِراخ، رواه ابن عيينة (٤) . ويكون منه الصيد، وفي أخذه تفويتٌ لفِراخ الصيد وقطعٌ لنسله، فوجب أن يضمن كالصيد؛ وذلك أن الحيوان منه ما يبيض، ومنه ما يلد، فالبيض للبائض كالحمل (٥)
- vol. 6, p. 40
للوالد. ويقال: كلُّ أسكَّ (١) يبيض وكل مُشرِف الأذنين يلد. وهو مما لا مثل له، فوجب أن يضمن بالقيمة، كالعصافير (٢) ونحوها.
-
وأصل هذا عند أصحابنا (٣) : أن ضمان الصيد يجري مجرى ضمان الأموال؛ لأنه يختلف باختلاف المضمون، فيجب في الصغير والكبير والصحيح والمعيب والكامل والناقص بحسبه كالأموال، بخلاف النفوس فإن ديتها لا تختلف باختلاف هذه الصفات، وإنما هو شيء مقدَّر في الشرع. وإذا كان كذلك فهو لو أتلف بيضَ طيرٍ لإنسان اعتبر البيض بنفسه، ولم يعتبر بأصله، بخلاف ما لو أتلف جنين [ق ٢٩٩] آدمي.
-
وفي جنين الصيد القيمة أيضًا؛ وهو أَرْشُ ما نقصَتْه الجناية، كجنين البهيمة المملوكة، فإذا ضرب بطن ظبيةٍ حاملٍ، فألقتْ جنينًا ميتًا وسَلِمت، فعليه ما بين قيمتها حاملًا وحائلًا، وإن ماتت بعد ذلك ضمن قيمة ظبية حامل.
ومن أصحابنا من خرَّج وجهًا: أن جنين الصيد يُضمَن بعُشر ما تُضمَن به الأم، كما قال أبو بكر في جنين البهيمة المملوكة، وأولى. وعلى هذا فالبيض ... (٤) .
-
فإن ضمنه بجنين مثله كما قال علي، فظاهر الحديث أنه يُجزئه.
- وهل يباح البيض بعد كسره؟ فيه وجهان:
-
أحدهما: لا يحلُّ للكاسر ولا غيره من حلال ولا حرام، كالصيد الذي قتله المحرم، قاله القاضي (١) وغيره. وعلى هذا: إذا أخذه وهو محرم، وتركه حتى حلَّ لم يُبَحْ أيضًا كالصيد.
والثاني: يباح، لأنه لا يفتقر إلى تذكية إذ لا روح فيه، وعلى هذا فلا يحلُّ للكاسر المحرم، ولا ... (٢) ، وإنما يباح للحلال، وكذلك ما لا يفتقر إلى ذكاة من الحيوان كالجراد.
-
فإن كسر البيض فخرج مَذِرًا (٣) ، فلا شيء عليه لأنه لا قيمة له، فهو كما لو أهلك صيدًا ميتًا. إلا بيض النعامة ففيه وجهان؛ أحدهما: يضمنه، قاله القاضي في «المجرد» وابن عقيل؛ لأن لقِشْره قيمةً. والثاني: لا يضمنه، قاله القاضي في «خلافه» (٤) وأبو محمد (٥) .
-
فإن خرج في البيض فرخٌ، أو استهلّ الجنين حي (٦) وعاش، فلا شيء عليه، وإن مات أو استهل جنين الصيد ثم مات ضمنه ضمانَ الصيد الحي.
- vol. 6, p. 42
وإن أخذ البيضة، فكسر البيضة ثم ترك الفرخ حيًّا، فهل يضمن الفرخَ لكونه بمنزلة من ردَّ الوديعة ردًّا غير تام؟ على وجهين.
وإن خرج منها فرخ ميت، فقال أصحابنا: لا شيء فيه؛ لأنه لا قيمة له، بخلاف الجنين إذا وقع ميتًا، فإنه (١) إنما مات بالضربة، إذ لو مات قبل ذلك لأجهضَتْه (٢) ، وهذا فيما إذا مات قبل الكسر، فأما إن (٣) مات بالكسر ... (٤) .
-
وإن كان الفرخ لم يُنفَخ فيه الروح، ففيه قيمة بيضِ فرخٍ غير فاسد كالجنين.
-
ويضمن البيض (٥) بكل سبب هو فيه متعدٍّ (٦) ؛ فلو نقل بيض طائر فجعله تحت طائر آخر فحضَنه، فإن صح وسَلِم فقد أساء، ولا شيء عليه. قاله أصحابنا. وقد قال أحمد فيما إذا أذعره (٧) : يتصدق بشيء. وإن فسدَ فعليه الضمان، وكذلك إن أقرَّه مكانَه وضمَّ إليه بيضًا آخر ليحضُنه الطائر، سواء أذعرَ الطائر فلم يحضُنه أو حَضَنهما معًا.
-
وإن باض الحمام أو فرَّخ على فراشه فهل يضمنه (٨) ؟ على وجهين كالجراد إذا افترش في طريقه.
- vol. 6, p. 43
وإنما يضمن بيض طائر مضمون، فأما بيض الغراب والحدأة فلا يضمن (١) ، ويضمن بيض الجراد كالجراد نفسه.
ومن أتلف بيضًا لا يحصيه احتاط، فأخرج ما يعلم أنه قد أتى على قيمته. ذكره القاضي وابن عقيل، كمن نسي صلاة من يوم لا يعلم عينها. وقياس المذهب ... (٢) .
-
وأما بيض النمل فقال ابن عقيل: هو على ما قلنا في النمل، ففي النملة لقمة أو تمرة أو حُفْنة طعام إذا لم يؤذِه، ففي بيضها صدقة. وهذا إنما يُخرَّج على إحدى الروايتين، وهو ضمان غير المأكول إذا لم يكن مؤذيًا (٣) . فأما على الرواية الأخرى ــ وهو أنه لا يضمن إلا ما يؤكل ــ فليس في النمل ولا في بيضه ضمان.